في مثل هذا اليوم25سبتمبر 275م..
للمرة الأخيرة، مجلس الشيوخ الروماني (السنات) يختار ماركوس كلاوديوس تاسيتس إمبراطوراً خلفاً لأوريليان عقب مقتل الأخير.
أوريليان (باللاتينية: Lucius Domitius Aurelianus Augustus) هو إمبراطورٌ روماني وُلد في بيئةٍ متواضعة، وتدرج في الرتب العسكرية حتى وصل إلى عرش الإمبراطورية الرومانية. استطاع في عهده وبعد حربٍ طاحنةٍ أن يهزم الألمانيين (قبائل جرمانية)، كما نجح في إلحاق الهزيمة بكل من القوط، الواندال، اليوتونجيين ، السارماتيين، والكاربيين. قام أوريليان بضم سوريا وبعض الأجزاء من آسيا الصغرى ومصر إلى الإمبراطورية الرومانية من جديد، حيث كانت الإمبراطورية التدمرية المتمركزة في سوريا قد نجحت في انتزاع استقلالها من روما والتوسع شمالاً وجنوباً. قام لاحقاً بغزو الإمبراطورية الغالية في الغرب، كما شهد عهده بناء الأسوار الأوريليانية في روما، والانسحاب من ولاية داقية. لعبت انتصاراته دوراً فعالاً في وضع حدٍ لأزمة القرن الثالث التي عصفت بالإمبراطورية الرومانية، كما أهلته ليحمل لقب «مُعيد العالم». رغم أن الإمبراطور دوميتيان كان أول من أمر بأن يُخاطب بلقب dominus et deus (السيد والرب)، إلا أن أوريليان كان أول من وردت هذه الألقاب في عهده مكتوبةً في المستندات الرسمية.
تُجمع معظم المصادر بأن أوريليان كان قد ولد في ولاية إليريا الرومانية التي قام أوريليان بتأسيسها إدارياً بعد انسحابه من إقليم داقية، كما تُجمع الأوساط الأكاديمية على أنه كان ينتمي إلى أسرةٍ متواضعةٍ وبأن والده كان فلاحاً بسيطاً.
يُعدّ من المقبول لدى الباحثين أن أوريليان كان قد التحق بالجيش في العام 235م حيث كان في العشرينات من عمره، كما يُفترض بأن تجنيده كان في الفيالق، وذلك لأنه كان من أبناء الطبقة الاجتماعية الدنيا من المواطنين، إلا أن الشجاعة والسمعة الحسنة اللتان كان يتحلى بهما سمحا له بالارتقاء ليصل إلى مراتبٍ رفيعة. اقترح بعض المتمسكين بفرضية الأصول الرومانية لعائلة أوريليان بأن أصوله الرومانية كانت قد ساعدته في الارتقاء السريع في الجيش الروماني، غير أن فرضية كونه ينتمي إلى أسرة إليرية فقيرة ما زالت الأكثر قبولاً في الأوساط الأكاديمية. ساهمت نجاحاته كقائد للجنود الفرسان في جعله أحد المقربين من الإمبراطور غالينوس. اشترك أوريليان مع فرقة الجنود الفرسان في معركة نايسوس التي انتصر فيها القائد كلاوديوس على القوط. عارض أوريليان كينتيلوس شقيق كلاوديوس بعد وفاة كلاوديوس، إذ سيطر كينتيلوس على السلطة، إلا أن الجيش رفض الاعتراف به بصفته إمبراطورا، مفضلاً أن يستلم المنصب أحد القادة المهمين في الجيش. نجح أوريليان في هزيمة كينتيلوس وتقلد منصب الإمبراطور بعد وفاته.
أوريليان الإمبراطور
شهدت الإمبراطورية الرومانية بعد عهد الإمبراطور فيليب العربي الكثير من الضغوطات الخارجية، كما عصفت بها الحروب الأهلية، فقد فاقم الساعون لاغتصاب السلطة من وهن الإمبراطورية وهددوا وجودها. كذلك الأمر، فقد عانى اقتصاد الدولة المرتكز على الزراعة والتجارة معاناةً جمة، وذلك نتيجةً لحالة عدم الاستقرار التي كانت الدولة ترزح تحت وطئتها. إلى جانب كل ما ذكر، فقد اجتاح الوباء الدولة في حوالي العام 250م، ما أسهم في إضعاف القوة العاملة فيها. أثّر القبض على الإمبراطور فاليريان تأثيراً كبيراً على الإمبراطورية، وسبب حالةً من عدم الاستقرار، إذ قَبض عليه الفرس في العام 260م. تنامى دور حكام تدمر في سوريا والأجزاء الشرقية من الإمبراطورية الرومانية، فقد أثبتوا جدارتهم في محاربة الفرس، واستطاعوا أن ينتزعوا استقلالهم من روما وأن يؤسسوا إمبراطوريتهم في موطنهم سوريا وتمددوا إلى أجزاءٍ من مصر والأناضول. استطاعت إمبراطورية الغال في الغرب أن تنتزع استقلالها من روما مقتطعةً أجزاءً أخرى من أراضي الإمبراطورية. في روما انشغل الإمبراطوران كلاوديوس وغالينوس في مكافحة الأخطار الداخلية التي كانت تهدد عروشهم، وقد كان على أوريليان أن يواجه كل هذه المخاطر ويحسن التعامل معها، وذلك منذ المراحل الأولى من استلامه للسلطة.
إعادة توحيد الإمبراطورية
سعى أوريليان إلى إعادة توحيد الإمبراطورية وضم الأجزاء التي انفصلت عنها وصد الهجمات الخارجية التي أنهكت قواها، فقد شن في أواخر العام 270 وبدايات العام 271 عدة حملاتٍ عسكريةٍ ضد الواندال واليوتونجيين في شمال إيطاليا، ونجح في طردهم من أرضي الإمبراطورية، لذلك فقد مُنح أوريليان لقب Germanicus Maximus (المنتصر على الجرمان) تكريماً له. بقي خطر الشعوب الجرمانية ماثلاً، ما دفع أوريليان إلى بناء ما سمي بالأسوار الأوريليانية حول مدينة روما حمايةً لها. استطاع أوريليان أن ينتصر على القوط في شبه جزيرة البلقان وأن يدفعهم للتراجع إلى ما وراء نهر الدانوب كما نجح في قتل قائدهم كانابوديس، غير أنه قرر الانسحاب من إقليم داقية الواقع إلى الشمال من نهر الدانوب بسبب الكلفة الباهظة عسكرياً التي قد تترتب عليه جراء وجوده هناك، لذلك فقد أسس ولاية جديدةً إلى الجنوب من نهر الدانوب وأطلق عليها اسم داقية الأوريليانية وعاصمتها سيرديكا.
اجتياح الإمبراطورية التدمرية
الإمبراطورية المقسّمة سنة 271
في العام 272 توجه أوريليان بنظره صوب الأجزاء الشرقية التي استطاعت أن تخرج عن سيطرة الإمبراطورية الرومانية، والتي كانت تتمثل بالامبراطورية التدمرية التي كانت تحكمها الملكة السورية زنوبيا. استطاعت الملكة زنوبيا أن تُنشئ إمبراطوريتها التي ضمت كلاً من سوريا الكبرى بالإضافة إلى مصر وأجزاءٍ من آسيا الصغرى. انطلق أوريليان باتجاه آسيا الصغرى أولاً وتمكن هناك من استعادة المدن من قبضة التدمريين الواحدة تلو الأخرى. دمر أوريليان جميع المدن التي أبدت مقاومةً لجيوشه حتى بلوغه مدينة تيانا الواقعة في قبادوقيا، فقد أعفاها من التدمير نتيجةً لرؤيا كان أوريليان قد أبصرها في نومه، حيث رأى الفيلسوف أبولونيوس التياني يعظه بأن يكون رحيماً بالأبرياء، علماً بأن أوريليان كان يُكن له الكثير من الاحترام. لاحقاً استطاع أوريليان أن يهزم زنوبيا في معركة أنطاكيا (battle of immae) وأن يصل فيما بعد إلى أسوار تدمر أُسرت الملكة زنوبيا التي كانت في طريقها إلى الإمبراطورية الساسانية هاربة من قبضة الرومان. أُجبر أوريليان على العودة إلى تدمر من جديد في العام 273 ليقمع تمرداً جديداً كان قد اندلع ضد الرومان، سمح أوريليان لجيشه إذ ذاك أن ينهب المدينة ويدمرها. لُقب أوريليان بلقب Restitutor Orientis (معيد الشرق) إثر انتصاره على تدمر، كما نجح أوريليان أيضاً في استعادة مصر.
إنجازات أخرى
استطاع أوريليان في عام 274م أن يجتاح إمبراطورية الغال وحظي بلقب (معيد العالم)، كما تمكن أوريليان من إجراء عدة إصلاحاتٍ في المجالات الاقتصادية والإدارية والدينية.
وفاته
قتل الإمبراطور أوريليان في تراقيا حين كان متجهاً لقتال الإمبراطورية الساسانية التي كانت تشهد ضعفاً كبيراً ما شجع أوريليان آنذاك على مهاجمتها.
كان أوريليان شديد الصرامة فيما يتعلق بالموظفين والجنود الفاسدين، وكان لأوريليان أمين سر يدعى إروس (بحسب المؤرخ زوسيموس) كان أمين السر هذا قد كذب على الإمبراطور في أمرٍ قليل الأهمية، إلا أن خوفه من العقاب دفعه إلى تزوير قائمة فيها أسماء عددٍ من كبار الموظفين مؤشرٌ عليهم من قبل الإمبراطور على أنهم محكومون بالإعدام، نتيجة لذلك وبعد أن دب الرعب في نفوس الحراس الشخصيين للإمبراطور مخافة أن يقوم بإعدامهم، قاموا بقتله في أيلول من عام 275 في كاينوفروريوم الواقعة في تركيا الحالية.
ثمة أدلةٌ عدة تشير إلى أن زوجة أوريليان أولبيا سيفيرينا، حكمت الإمبراطورية لمدةٍ من الزمن بعد مقتله…
ماركوس كلاوديوس تاسيتس أو ماركوس كلاوديوس تاسيتوس (باللاتينية: Marcus Claudius Tacitus Augustus، وتُلفظ: /ˈtæsᵻtəs/، ولِدَ حوالي عام 200 – وتوفي في يونيو 276) هو الإمبراطور الروماني خلال الفترة من عام 275 حتى عام 276. استطاع فترة فترة تقلده لعرش الإمبراطورية القصيرة شن حملات عسكرية على القوط والهيروليين.
ولِدَ تاسيتس في إنترامنا (تُعرف الآن باسم تيرني) بإيطاليا الرومانية. قام بتوزيع نسخ من أعمال المؤرخ غايوس كورنليوس تاسيتس والذي بالكاد اطَّلعَ عليه أحدٌ حينذاك، ولربما كان لهُ يد في صون وحفظ الأجزاء التي وصل إلينا من أعمال المؤرخ. دحضت الاعتبارات التأريخية إدعاء تاسيتس القائل بانحدار أصله إلى المؤرخ غايوس كورنليوس تاسيتس على أنها مُفبركة. تقلد على مدار حياته الطويلة عدة مناصب مدنية فكان قنصلاً مرتين اثنين، أولهما في ظل عهد الإمبراطور فاليريان، ومجدداً عام 273، فنال احتراماً ومكانةً كبيرتين.
قام الجيش بإلغاء حق مجلس الشيوخ باختيار الإمبراطور عقب اغتيال أوريليان، وجاءت هذه الخطوة التي أقدم عليها الجيش فيما يبدو أنه نابع من الامتعاض تجاه الآثار التي خلفتها قرونٌ من عدم تدخل الجيش وما نجم عنه من مصرعِ إمبراطورٍ كان يحظو بشعبيةٍ معتبرةٍ. تردد مجلس الشيوخ بقبول المسؤولية في بادئ الأمر، ولم يتخذ المجلس قراراً بتسوية الأمور في نهاية المطاف، إلَّا بعد مضي ثمانية أشهر على مقتل الإمبراطور أوريليان عارضاً سدة العرش على تاسيتس الذي كان عضواً أولاً في مجلس الشيوخ يبلغ من العمر 75 عاماً.
قَبِلَ تاسيتس ترشيح مجلس الشيوخ بتاريخ 25 سبتمبر عام 275، وهذا بعد تثبته من صدق اعتبارات المجلس إزاءه. وصدَّق الجيش على الانتخاب بحفاوةٍ ملحوظةٍ. وكانت هذه المرة الأخيرة التي يختار فيها مجلس الشيوخ إمبراطوراً للأمة الرومانية. لم تكن فترة خلّو العرش الإمبراطوريّ في الفترة ما بين اغتيال أوريليان واعتلاء تاسيتس قصيرةَ الأمد، وثمة أدلة كافية تشير إلى أن أولبيا سيفيرينا حكمت الإمبراطورية بوحدها قبل انتخاب تاسيتس. كان تاسيتس يعيش في كامبانيا قبل انتخابه إمبراطوراً، وعادَ على مضضٍ إلى جمعية مجلس الشيوخ في روما التي انتخب فيها. وسرعان ما طلب من مجلس الشيوخ ترقية أوريليان إلى منزلة الإله، قبل أن يأمر باعتقال وإعدام الجناة الذين تأمروا على قتله.
بات استرجاع الصلاحيات القديمة التي تمتع بها مجلس الشيوخ من بين أكثر القضايا المُلِّحة التي اتسم بها عهد تاسيتس؛ فقام بمنح مجلس الشيوخ مجموعة واسعة من الحقوق شملت على ضمان القانون تعيينهم للإمبراطور والقناصل وحكام المقاطعات ويُضاف على كل هذا الحق الأسمى بالطعن في الوظيفة القضائية لأي محكمة من محاكم الإمبراطورية، فضلاً عن تولي مجلس الشيوخ لتسيير اتجاه فروع محددة من العائدات التي طال تعلّق أهليتها الإدارية. احترم خليفته اللاحق الإمبراطور بروبوس هذه التغييرات، ولكن لم يبقى لها أثر بعد إصلاحات ديوكلتيانوس خلال العقود اللاحقة.
كما حارب تاسيتس المرتزقة البرابرة الذين عاثوا فساداً ونهباً بعدة بلدات في المقاطعات الرومانية الشرقية عقب مقتل أوريليان وما تبع ذلك من إلغاء حملة عسكرية شرقية كان قد حُشِدَ لها من قبل. وتمكن تاسيتس برفقة نصف شقيقه الوالي البريتوري فلوريانوس من الانتصار على هذه القبائل والتي كان من ضمنها بدو الهيروليين هو ما أكسبه لقباً إمبراطورياً خاصاً به.
مرضه ووفاته
توفي تاسيتس في شهر يونيو عام 276 نتيجة إصابته بالحمى في تيانا بمقاطعة قبادوقيا وهو على طريق عودته متجهاً نحو الغرب للتصدي لغزو الفرنجة والألامانيون لبلاد الغال وفقاً للمؤرخيّن أوريليوس فيكتور وأتروبيوس ومجموعة نصوص التاريخ الأوغسطي. أما المؤرخ زوسيموس فيدَّعي في روايةً متناقضة أن تاسيتس كان قد اُغتِيلَ، بعد تعيين أحد أقاربه لمنصب قياديّ هام في مقاطعة سوريا.!!







Discussion about this post