بين الراي والراية:كيف نحمي الوطن دون ان نخنق الكلمة

بين الرأي والراية: كيف نحمي الوطن دون أن نُخنق الكلمة.دكتورة نورالهدى قرباز .جامعة محمد خيضر بسكرة


في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتشتدّ فيه حساسية الانتماءات، يصبح الخطاب الثقافي أكثر عرضةً للتأويل والانزلاق نحو مناطق التوتر. غير أنّ المثقف، في جوهر وظيفته، ليس صانع خصومات، بل منتج وعي، ولا حارس بوابات مغلقة، بل فاتح نوافذ للحوار. من هذا المنطلق، تبدو الحاجة ماسّة إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين حرية الرأي وحدود الانتماء الوطني، بعيدًا عن منطق الإقصاء أو تخوين المختلف.
إنّ تجربة الكاتب الجزائري أمين الزاوي تمثل نموذجًا دالًا على هذا التوتر المشروع بين ذاتٍ مبدعة تبحث عن قول الحقيقة كما تراها، وانتماءٍ وطنيّ لا ينفصل عن وجدانها. فالكتابة عن الجرح لا تعني الطعن في الجسد، بل قد تكون، في أحيان كثيرة، محاولةً لفهم أسبابه وفتح أفق لتجاوزه. وعليه، فإنّ قراءة النصوص الأدبية ينبغي أن تتم ضمن أفقها الجمالي والفكري، لا ضمن محاكمات أخلاقية أو أيديولوجية تُفرغها من قيمتها الرمزية.
غير أنّ ما يُلاحظ في بعض السياقات الثقافية هو ميلٌ إلى تضييق دائرة الاختلاف، وتحويل الرأي إلى تهمة، والموقف إلى دليل إدانة. هنا، يتسلل التعصّب، ويُستدعى خطاب الكراهية، فيتحول الأدب من فضاءٍ للتلاقي إلى ساحة استقطاب. وهذا التحول لا يسيء إلى الكاتب وحده، بل يُضعف البنية الثقافية للمجتمع برمّتها، لأنّ الإبداع لا ينمو في بيئة الخوف، ولا يزدهر تحت رقابة الوصاية.


إنّ الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة، أو احتكار الوطنية، يُنتج خطابًا مغلقًا يُقصي الآخر بدل أن يحاوره. والحال أنّ الوطن، في معناه العميق، ليس شعارًا يُرفع لإسكات الأصوات، بل أفقًا جامعًا يسمح بتعدّد الرؤى واختلاف القراءات. ومن هنا، فإنّ حماية الوطن لا تكون بإسكات الكلمة، بل بترسيخ ثقافة الاختلاف المسؤول، حيث يُناقش الرأي بالرأي، لا بالتجريح أو الإقصاء.
ولعلّ أخطر ما يمكن أن يواجهه الحقل الثقافي هو تحوّل المثقف إلى جلاد رمزي لغيره من المثقفين، بدل أن يكون مكملًا لهم في بناء وعي جماعي متوازن. فالمثقف الحقيقي يدرك أنّ التنوع ليس تهديدًا، بل ثراء، وأنّ الاختلاف ليس انقسامًا، بل شرطًا من شروط الحيوية الفكرية. إنّه يعي أنّ الدفاع عن حرية التعبير لا يتناقض مع حب الوطن، بل يؤسّس له على قاعدة صلبة من الوعي والنضج.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى خطاب ثقافي جديد، يُعيد الاعتبار للأدب بوصفه مساحة سلام، لا أداة صراع، ويُحرّر الكلمة من ثنائية الولاء والاتهام. خطابٌ يُدرك أنّ النقد ليس خيانة، وأنّ المحبة الحقيقية للوطن قد تمرّ أحيانًا عبر مساءلته، لا عبر تبريره الدائم.
إنّ الجزائر، بتاريخها وتنوعها وعمقها الحضاري، أكبر من أن تُختزل في رأي واحد، وأوسع من أن تُحاصر في خطاب أحادي. وحفظها لا يكون بزرع الفتنة، بل ببناء جسور الثقة بين أبنائها، وترسيخ قناعة أنّنا، رغم اختلافنا، ننتمي إلى أفق واحد.
وهكذا، يبقى السؤال مفتوحًا أمام المثقف: متى يستفيق من وهم الصراع، ويدرك أنّه ليس خصمًا لغيره، بل شريكٌ في صناعة المعنى؟ وأنّ القلم، حين يُحسن استعماله، لا يجرح الوطن، بل يُداوي جراحه.