
أدب الحرية: المفهوم والمصطلح والأبعاد
أدب الحرية: المفهوم والمصطلح والأبعاد
الجزء الثاني
فراس حج محمد| فلسطين
اً، يميل مصطلح “أدب السجون” في السياق العربي العام إلى الارتباط بمشاعر اليأس، والخوف، ووصف القهر الممارس من قبل الأنظمة الاستبدادية العربية، بينما يتجه “أدب الحرية” في السياق الفلسطيني نحو شحذ الهمم وتأكيد الفعل المقاوم، فثمة فرق بائن بين سجين سياسي عربي يقبع في سجون تلك الأنظمة، ويكتب تجربته السجنية كما في “شرق المتوسط” لعبد الرحمن منيف، أو كما في “خيانات اللغة والصمت” لفرج بيرقدار، وبين مناضل ومقاوم فلسطيني وقع أسيراً بين يدي أعدائه الذين يحتلون أرضه، وكتب في السجن ليستمر في المقاومة، فكأنه يمارس ما يعرف بلغة الفلسفة “المقاومة بالقوة”، كما كان يمارس “المقاومة بالفعل”.
ثانياً، إن كلمة “سجين” تعكس وضعاً قانونياً وجنائياً يحاول الاحتلال فرضه على المقاومين الفلسطينيين، بينما “أسرى الحرية” هم مناضلون من أجل قضية وطنية عادلة، وبالتالي فإن أدبهم يجب أن يعكس صفتهم النضالية لا وضعهم القسري، وفي هذا أيضاً استخدام لمصطلحات مغايرة لمصطلحات الاحتلال.
ثالثاً، إن “أدب السجون” يركز غالباً على الجدران، والأسلاك الشائكة، وفظاعة السجان، مما قد يحبس النص في دائرة “أدب الضحية”، وفي المقابل، ينطلق “أدب الحرية” من داخل السجن نحو الفضاء الرحب، وإن تحدّث أيضاً عن المعاناة، إلا أنه يتجاوز الأسير قيوده ليتحدث عن الوطن، والحب، والمستقبل، وصناعة الأمل، مما يجعل الكتابة فعلاً تحررياً يسبق التحرر الجسدي، وإن استبدال المصطلح يهدف إلى “تثوير” القراءة النقدية، بحيث لا يُنظر إلى النص بوصفه وثيقة معاناة فحسب، بل منجزاً أدبياً وفنياً متكاملاً يمتلك شرعيته من جودته الإبداعية وليس فقط من ظروف كتابته.
وبناء على هذا، ينبغي عليّ أن أشير إلى مجموعة من وجوه الموازنة بين المصطلحين على النحو الآتي:
تتجه النظرة للكاتب في “أدب السجون” على أنه ضحية للاحتلال، بينما في “أدب الحرية” فهو مبدع ومنتج للمعرفة والمقاومة، وأما المضمون فيوثق المفهوم القديم التعذيب والمعاناة اليومية، بينما يستشرف أدباء الحرية المستقبل مشبعين بفلسفة التحدي والتحرر، وفي ما يخص الهدف من الكتابة، فلا تعدو أن تكون في “أدب السجون” للتنفيس أو تسجيل الشهادة التاريخية، وفي “أدب الحرية” تصبح الكتابة فعلاً وجودياً وكسراً للعزلة واشتباكاً معرفياً، وفي مجال الارتباط السياسي، فغالباً ما يرتبط “أدب السجون” بأنظمة الاستبداد العربية، أما “أدب الحرية” فمرتبط عضوياً بأدب المقاومة الفلسطينية، وهو جزء منها.
وعليه، لا يمكن فهم “أدب الحرية” بمعزل عن الإطار العام لأدب المقاومة الفلسطيني. فمنذ بدايات القرن العشرين، ارتبطت التجربة السردية والشعرية الفلسطينية بتجربة الأسر، بدءاً من خليل بيدس الذي اعتقل أيام الانتداب البريطاني “وأودع سجن عكا حيث قضى أربعة أشهر كتب خلالها كتابه “حديث السجون ” وصف فيه السجن والأساليب الوحشية التي يعامل بها المستعمر المثقفين، حيث يساويهم بالمجرمين وقطاع الطرق، وقد ظل هذا الكتاب مخطوطاً لم يطبع وضاع ضمن ما ضاع من كتب في مكتبته”. (دائرة المعارف الفلسطينية، موسوعة الأعلام، خليل بيدس: أحمد عمر شاهين)، وإبراهيم طوقان الذي خلد شهداء ثورة البراق (محمد جمجوم، وفؤاد حجازي وعطا الزير) برائعته الشعرية “الثلاثاء الحمراء”.
2
يمثل “أدب الحرية” اليوم القلب النابض لأدب المقاومة، فهو يجسد لحظات الحقيقة القصوى حيث يواجه الفرد آلة القمع وجهاً لوجه، فقد روى الكاتب المحرّر باسم خندقجي في لقاء أدبي (بودكاست) بقوله للسجان الذي أراد أن يعاقبه على فوزه بجائزة البوكر: “لو أنني أعرف أن الكتابة ستزعجك وتؤذيك لكنت كتبت كثيراً” (بودكاست قهوة عربي، 24/1/2026)، وقد أكد غسان كنفاني، مؤسس مفهوم أدب المقاومة، أن هذا الأدب ليس انعكاساً للواقع، إنما محاولة واعية لتغييره، وإن “أدب الحرية” يطبق هذه المقولة حرفياً؛ فالأسير حين يكتب، فإنه يغير واقعه النفسي والمكاني، ويحول الزنزانة من مكان للاحتجاز إلى منارة للتثوير والتنوير والاشتباك المعرفي.
علاوة على ذلك، يسهم “أدب الحرية” في صون الهوية الوطنية الفلسطينية وحمايتها من محاولات “الصهينة والتهويد” وطمس الذاكرة وتشويهها، وتزييف الوعي، وإنه سجل للوجود الفلسطيني وجسر يربط بين نضالات الماضي وتطلعات المستقبل، ويشترك “أدب الحرية” مع أدب المقاومة في كونه “أدباً إنسانياً” يدعو لتقوية الذات في مواجهة الآخر المعتدي، ويعبر عن الذات الجمعية للشعب الفلسطيني في سعيها للحرية والاستقلال، وأن تكون متساوية مع كل الناس في العالم في الحقوق والواجبات الفردية والجماعية؛ الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية، وإن لم يُسقط هذا الأدب البعد الجغرافي المحلي كونه يتحدث عن بلده المحتل، إلا أنه خلال صوغه لمشروعه فإنه ينطلق منطلقات إنسانية عامة، فمن حقه بوصفه إنساناً أن يعيش حراً ويعبر عن إرادته السياسة مع جماعته الوطنية أسوة بكل شعوب الأرض الحرة في دولة معترف بها تتمتع بكل ما تتمتع به الدول من حرية واستقلال.
لقد شهدت السنوات الأخيرة توجهاً نقدياً متزايداً نحو تبني مصطلح “أدب الحرية” وتثبيته في الأدبيات الفلسطينية، يقود هذا التوجه نخبة من النقاد والباحثين الذين آمنوا بأن نتاج الأسرى يتجاوز القيمة التوثيقية إلى القيمة الفنية العالمية، وقد فرضت حركة الأدب نفسه الخارج من السجون هذه التسمية، فهي ليست إنشاء خاوياً من المعنى الواقعي، إنما بالفعل تقوم تلك السرديات والمنتوجات الثقافية على ثيمات الحرية والعدل والمساواة والانعتاق من الظلم والظلام في بلد حرّ، يتمتّع أصحابه بمقدراته دون أن تمارس عليهم أية جهة أو دولة وصاية أو تحكّماً.
وعلى الصعيد الشخصي فقد اشتغلت كثيراً على تثبيت مصطلح “أدب الحرية” من خلال العديد من الموادّ والكتب المنشورة، وربطت بين جودة النص الأدبي وبين السياق النضالي للكاتب، دون أن يطغى أحدهما على الآخر، وقدمت مساهمات تأسيسية في هذا المجال بدءا من إفراد فصل خاص بعنوان “من داخل السجن” في كتاب “ملامح من السرد المعاصر-







