
الخطاب النقدي عند حيدر الأديب بين التاسيس الحداثي وإعادة إنتاح المفاهيم بقلم د طارق لعرابي
الخطاب النقدي عند حيدر الأديب بين التاسيس الحداثي وإعادة إنتاج المفاهيم.
د.طارق لعرابي ” الجزائر”
حيدر الاديب ، ناقد عربي عراقي ينتمي إلى افق نقدي حداثي معرفي ،تبرز رؤيته للنقد بوصفه فعلا منتجا للرؤية والمعرفة عبر خلفيته الفكرية ومنظومته المفاهيمية ،فينتقل بالناقد من موقع التابع للنص ،الكاشف لمقاصده ،الى موقع الفاعل المعرفي المرتبط اساسا بتشكيل المعنى وبناء افق القراءه ليعيد تنظيم العلاقة بين النص والفكر و الوعي في شبكة متداخلة يؤثر كل منها في الآخر ،ويعيد الناقد تشكيله بعيدا عن العلاقة الخطية التقليدية ( نص- معنى- تفسير) ماض به نحو علاقة حداثية ترى النص خطابا لا يفهم إلا داخل الفكر ،والفكر لا يتحقق إلا عبر الوعي ، والوعي يعيد إنتاج النص داخل سياق جديد من الفهم.
الناقد حيدر الاديب يمارس هذه العلاقة كمنظومة واحدة لانتاج المعنى من النص الذي يتشكل في نقطة التقاء النص بالفكر داخل الوعي، “النقد ممارسة تنشىء شروط المعرفة وتتحكم في مساراتها ،وتفتح افقا ترى فيه الأدب باعتباره تجليا لحركة الفكر”
اما مفهومه للشعر فنجده متعدد المدخلات نذكر واحدا منها يحمل تصورا حداثيا واعيا يستدعي التأمل والبحث ” الشعر عطب مقصود في آلة الفهم” يمكن لنا اعتبار هذا المفهوم اطروحة نقدية ترى الشعر فعل تعطيل منتظم لاليات الادراك يتم فهمه من خلال تقاطع اللسانيات المعرفية و السيميائيات ونظرية الأدب ،فهو مفهوم غائر في العمق يقدم تصورا دقيقا لطبيعة الاشتغال الشعري بوصفه ممارسة معرفية تربك اليات الادراك ، “فالعطب” استراتيجية إنتاج للمعنى لا خللا فيه ، واللغة في بعدها التداولي تقوم على علاقة ثابتة بين الدال والمدلول ،غير أن الشعر يخرق هذا الاستقرار عبر الانزياح الدلالي ،وتكثيف الصورة وهو ما نجده في اللسانيات البنيوية في فهم اللغة كنظام علاقات متحول لا كمراة تكشف الواقع. كما ان العطب المقصود يتقاطع مع اطروحة اللسانيات المعرفية التي تؤكد أن المعنى ليس معطى جاهزا بل بناء يتشكل أثناء التلقي ،فالشعر يتدخل ليربك الفهم العادي للاختصارات الذهنية والانساق الادراكية ،ويعيد برمجته بعيدا عن الاقتصاد الادراكي الذي يرسله الدماغ للمتلقي ليربط المعطى اللغوي بمعناه المتوقع.
اما في المستوى السيميائي يتعمق ” العطب المقصود” عبر زعزعة العلاقة بين الدال والمدلول فيفتح العلامة على تعداد احتمالاتها ما يجعل القراءة الشعرية فعلا انتاجيا لا استهلاكيا. الشعر في نظر الناقد “حيدر الاديب” لا يعطل الة الفهم كي يهدمها ،بل ليعيد تشغيلها بطريقة مغايرة تجعل من الغموض افقا للمعرفة،فلا يكون المعنى معطى جاهزا بل نتيجة حركة تاويلية مستمرة ،ومن التعقيد شرطا للرؤية ،ومن العطب مدخلا الى وعي اكثر عمقا للغة والعالم.
ختاما، الناقد حيدر الاديب صوت معرفي يعيد تشكيل العلاقة بين النص والقارىء ،ويمنح القراءة افقا يتجاوز التفسير إلى إنتاج المعنى واعادة خلقه باستمرار، يشكل وعيا يشتغل على تفكيك المسلمات واعادة مساءلة البنى الجمالية والفكرية التي استقرت في الوعي النقدي التقليدي ،وزحزحة الثابت وكشف ما يتوارى خلف اللغة.







