
قراءة نقدية وفق مقاربة مابعد إنسانية
قراءة نقدية وفق مقاربة ما بعد إنسانية.
القصة القصيرة: “لا”.
الكاتبة نهال النجار
الناقدة التونسية : جليلة المازني
قراءة نقدية وفق مقاربة ما بعد إنسانية:
تعد المقاربة ما بعد إنسانية حسب النقاد “جزءا في النظرية النقدية التي تمّتْ على مدار القرن الماضي لالغاء مركزية الانسان وتفسير ما هو غير انساني ودراسة العلاقات بين البشر وغير البشر”.
وتهدف هذه المقاربة الى تفكيك الحدود الثنائية الصلبة التي سادت الفكر الغربي مثل الانسان والآلة / الطبيعة والثقافة/ الذات والموضوع / الانسان والحيوان..
وفي هذا الإطار لئن تناول العديد من الكتاب ثنائية الانسان والآلة او الانسان والذكاء الاصطناعي فان الكاتبة نهال النجار في قصة “لا” تناولت ثنائية الانسان والحيوان
لقد اختارت الكاتبة كشخصية للحيوان الحمار لما له من رمزية.
والحمار يرمز في السياسة الى القدرة على التحمل والذكاء والعناد في مواجهة الخصوم.
وفي هذا السياق فان الحمار قد اعتزم ان يواجه الخصوم بكلمة “لا” ولكنه دفع ضريبة حق المواجهة والمعارضة جزّ الراس وقطعه.
وبالتالي ووفق مقاربة ما بعد إنسانية :
– هل ان هذا الحمار الذي رمزت به الكاتبة الى الانسان المقهور والمقموع والمضطهد يعيد النظر في مركزية الانسان؟
– هل ان الانسان في طريقه للتطور ام للاندثار؟
– هل ان قدر الانسان ان يعيش صراعا مع الحيوان خوفا من انهيار مركزيته؟
لئن أثار البعض من الكتاب قضية صراع الانسان مع الآلة ومع الذكاء الاصطناعي فهل الكاتبة نهال النجار تستشرف مستقبلا آخر مزريا للإنسان ليكون في مرتبة الحيوان
تابعا كالقطيع لا رأي له ولا اعتراض؟
ان الكاتبة قد لا تخفي عن القارئ تشاؤمها بمصير الانسان الذي قد يتماهى والحيوان
ان هذه القصة القصيرة “لا” تندرج بامتياز في السياق السياسي العربي حيث القهر والقمع بما في رمزية الحمار من سلبية وتبعية القطيع.
والكاتبة في قصتها “لا” ومن وجهة نظر ما بعد إنسانية تعانق العديد من فلاسفة ما بعد إنسانية أمثال:
– دوناها راواي.
– كاترين هايلز
– ستيفان لورتز
– فرانشيسكا فيراندو
شكرا للقاصة نهال النجار على قلمها الجريء والصادم للقارئ في استشرافها لمصير سلبي وأليم لانسان المستقبل.
بتاريخ 08 / 05 / 2026
قصة اليوم
الكاتبة نهال النجار-
نص القصة: “لا”
———–يتثاقلُ خَطوي، ويرتخي جذعي، فيرسلُ رسائلَ للجدار، يستندُ عليه. قدمي المتحجرة قطعت مسافة لا بأسَ بها نحو الكرسي المقابل لمكتبي. أقلب في الرزنامة، لقد مرَّ الكثيرُ من الوقتِ ولم ينزعْ أحدٌ عنها ورقةً، سبع ليالٍ لم يمسسها بشرٌ. كانت وعكتي الصحية من ذاك النوع الثقيل، لم أنتحرْ، لم يدُس لي أحدهم السُّم، لم أفقد وعيي إثر حادثٍ ما، فقط أكلتُ لحمَ حمار، هذا كلُ شيء، أخبروني أن هذا الحمارَ يستحقُ أن يؤكل، ثمةَ حمارٌ يختلفُ عن أخيه الحمار.
حين هاتفني رئيس التحرير أخبرني أن أكثر من خمسين رأس حمارٍ مقطوعة ممددة على إحدى الطرق المهجورة، ذهبتُ، كان الدود قد نخَر عظامها، رأيتها تستلقي على طُنفُسةٍ مهترئة، لحق بمخيلتي تساؤل: لماذا الحمار ولا سواه؟! عدتُ عن شرودي بغتة على صوت نهيق، ظننته يبكي، أو ربما هكذا خُيِّل إليّ.
نهار هذا اليوم شديد التلكؤ، أردتُ النزوح إلى القرية المجاورة المشكوك في أمرِها، لم تتوافر أيّ وسيلة مواصلات لسبرِ أغوارها سوى أن أمتطي ظهر حمار، بيد أنه في منتصف الطريق أنهكه التعب، فترفقتُ به، وأخذنا قسطًا من الراحة.
– قال الحمار: إن أخي الحمار مات بعد أن قال كلمة لا..
– كيف؟..
– نأكلُ قليلًا، ننامُ قليلًا، لا نستريح، ومن يقولُ “لا” تجزُّ رقبته، ويأكلُ البشر لحمه على أنه لحمُ بقرٍ شهي، فنحنُ – معشر الحمير- كائناتٌ صدئة، نموتُ بغيرِ طقوسٍ جنائزية، لا بكاء، لا حزن يُخيمُ على مساءِ أحدنا، لا إناث تولولُ عند الصباح، وكان أخي الحمار زعيمًا بين قطيعِ الحمير، رَحبَ المَباءة، خطبَ في جمعنا بأنه سيقولُ لا غدًا عندَ شروقِ الشمس، وأنه لا يرنو لشيء سوى أن يتكئ علينا فنكون له من الساندين، فلما كانَ الصباح مضى في طريقه زاعقًا “سأقولُ لا، سأقولُ لا”، مشى وحيدًا لا يرافقه سوى صوتُه الأجشُ، وظله، لقد قال لا واجتُزّت رقبته، بينما نحنُ – قطيعَ الحمير- متفرجون..
_ أنا سأقولُ لا.. قلتُ مقاطعة
_ وأنا أيضًا سأقولُ لا..
أكملنا المسير، ثم استردوا الحمار عندَ بابِ الباحةِٰ العظيمة تلك التي تُجزّ فيها أرؤسُ الحمير، دلفتُ للمضايفة، قلتُ لسيدهم:
– لا يعجبني أمرُ الحمار..
– من عاداتنا لا نتناقش إلا بعد الاستضافة، الاستضافة أولا يا آنستي..
قدموا لي وجبة لحمٍ فاخرة، أغرتني لتناولها، كما أنستني العقد الشفهي الذي أبرمته مع الحمار على قول كلمة لا، تناولتُ الطبق فبدأ بطني يتلوى، تماسكتُ وطلبتُ الحمار حتى أعودُ مجددًا إلى مدينتي، فأتوا بحمارٍ شروى الحمارِ الذي كان.
– قلت: أريد الحمار ذاته..
– قالوا: لقد مات..
– قلتُ: كيف ؟!..
– قالوا: لأنه قال لا..







