
ممدوح عدوان علامة فارقة في الادب العربي الحديث
ممدوح عدوان ..
علامَةٌ فارِقة في الأدب العربي الحديث ..
د.علي أحمد جديد
حين دخل ممدوح عدوان أبواب (المدينة) دمشق بكل ماكانت تحفل به من المبدعين في الآداب والفنون ، جاءها حاملاً نقاءه الريفي ومواجعه ، ولم يكن يدور في ذهنه أنه سيصبح صاحبَ تجربةٍ أدبية مثيرة للنقاش والاهتمام ، أو أنه سيشكِّل علامةً مميَّزةً في الأدب العربي المعاصر .
واليوم ، وبعد أكثر من عقدين من السنوات علىٰ رحيله ، فإن كتاباته ما زالت غنية للنقاد عموماً ، لاسيما وأنه خاض شتىٰ حقول الإبداع الأدبي من الشعر والمسرح والدراما والمقالة والترجمة أيضاً ، فاتسمت كتاباته بتنوّع وغزارة وصلت إلىٰ ثمانين مؤلفاً فضلاً عن الأعمال الدرامية اللافتة كـ”الزير سالم والدوامة ودائرة النار” .. وغيرها .
فكان التمثيل أول نشاط أحَبَّـه في حياته ، إذ اجتهد بدراسة التمثيل عن طريق المراسلة ليقوم بعد عامين بتقديم مسرحياته بنفسه . لكن الشعر كان هاجسه الأول ، خاصةً ، عندما بدأ دراسة الأدب الإنكليزي في جامعة دمشق مطلع ستينيات القرن الماضي .
في تلك الفترة اطّلع عدوان علىٰ الجدالات المتعلِّقة بكلٍ من الحَداثة والكلاسيكية في الشعر عَبْر مجلَتَي الآداب وشعر بعد أن كانت معرفته بالشعر المعاصر تقتصر علىٰ شعراء المهجر وعلىٰ عدد من الشعراء السوريين كـ (بدوي الجبل ونزار قباني وعمر أبي ريشة) ، فنشر الشعر وهو مايزال طالباً عام 1964 علىٰ صفحات مجلة الآداب وفي الصحافة السورية و فور تخرّجِه عام 1966 أصدر ديوانه البِكر “الظل الأخضر” وفي العام نفسه كتب أول مسرحية شعرية تحت عنوان “المخاض” .
لم يكتب عدوان أشعاره في الغَزَل كغيره من الشعراء ، بل في انتقاد المظاهر الاجتماعية السائدة في ذلك الوقت ، وقد عمقت الأحداث التي رافقت شبابه شعوره بالمسؤولية عن كل ما يحيط به ، وهذا ما دفعه للتطوع في العمل الفدائي أواخر عام 1967 ، ثم العمل كمراسل حربي حتىٰ نهاية حرب تشرين التحريرية .
ولأنه آمن بأن حقيقة الشاعر تكمن في مقدرته علىٰ الاستفادة من امتصاص كل النسغ الخارجي لصناعة قصيدةٍ يقبلها القارئ العادي ، ارتأىٰ أن يبحث عن إيقاعاتٍ جديدة في الشعر كمفتاحٍ للحداثة العربية ترتبط بإيقاع الحياة الجديد الذي فرض نفسه علىٰ القصيدة .
ولم يؤثر ذلك في تشبّثه بالتراث العربي ومواءمته بين الفكرة الأصيلة التي ينشدها ، وبين تجربته الشعرية . حتىٰ إنه كان يتعمّد تضمين قصائده بإشارات كثيرة لشعراء من التراث مستعيناً بقراءته الدقيقة لهذا التراث ، وكان الحطيئة أول شاعر اهتم بشعره حين جعل منه بطلَ مسرحيته “ليل العبيد” ، ومحور قصيدته “يوميات الحطيئة” .
ومع النجاح الذي حققته دواوينه الأولىٰ فإن ألقَ الدواوين اللاحقة ازداد مع التكثيف الذي طرأ عليها كما في “أبداً إلىٰ المنافي” . وبرزت تحوّلاتٌ في أسلوبه الشِعري ، والتي كانت تتماشىٰ مع تطوّرِه الشِعري .
وشاعت في دواوينه بالإجمال ظواهرُ عِدّة ميّزت شِعرَه ، لكنها كانت قليلة الانتشار والوَقع . ثم أخذت تتسع شيئاً فشيئاً حتىٰ وصلت إلىٰ مرحلةٍ جاء فيها النَصُّ معتمداً علىٰ المفارَقة التي تظهر جَليةً من خلال المقارنة بين دواوينه الأولىٰ :
“تلويحة الأيدي المتعبة والمتوسطة و الليل الذي يسكنني” .
أما المسرح فكان كالشعر ، قريباً من ذاته ومن شخصيته ، وظهر في بواكير مسرحياته تأثره الشديد بالشعر وسيطرته علىٰ مفرداته . وشيئاً فشيئاً بدأ يتخلّص من هذا التأثر مُركِّزاً علىٰ خدمة البنية الدرامية للنص حتىٰ بدا أنه يكتب الشعر عندما يريد سماع صوته ويكتب المسرح عندما يريد سماع أصوات الآخرين . وعندما شعر ممدوح عدوان بأن ثمة أزمة في المسرح فكّر بتقليص عدد الشخصيات فكتب “حال الدنيا” كأول عمل من وحي وفاة أمّه ، وذلك ما جعله من أوائل كتّاب المونودراما في المسرح السوري . وبعد أن اكتشف أحقية التصدي لهذا الفن كتب مجموعة مسرحيات بينها :
“الزبال ، القيامة و .. أكلة لحوم البشر” .
كان ممدوح عدوان أديباً لامعاً ومشاكساً اتسمت كتاباتُه الصحفية والدرامية بالسهل الممتنع الذي يُشعِرُ المتلقي بإمكانية مقارنتها بالحديث اليومي ، كما هو الحديث العفوي والتلقائي مع البقال في الحيّ ، أو حديث الجارة مع جارتها . وكان ذلك علىٰ عكس شعره الذي كان حواراً خاصاً و ذاتياً في ظاهره ، لكنه مرآةٌ تعكس نفسه في لغته الحذرة والأقل سلاسة .
عاش ممدوح عدوان حياة غنية وصاخبة ، لكنه كان مقيَّداً بضيق الوقت الذي لا يمكن تعويضه وهذا ما كان يجعله متوتراً ودائم الانفعال في مواجهة الأشياء الكثيرة التي يريد أن يكتب عنها ، حيث لا زمن كافياً ، ولاحرية ، وكم تمنى أن ينزل إلىٰ الشارع ويتسوّل الوقت من الناس الذين يهدرونه بلا إحساس ولا فائدة .
لذلك كان ممـدوح عـدوان (السوري ) زاخـر العطـاء ولا يعرف إلا العطـاء . أصدر في حياته 85 كتاباً بين عامي 1964 و 2004 التي كانت سنة غيابه ، وتنوّعت كتاباته بين الشعر والمسرح والرواية والترجمات والفكر والأعمال الدرامية ، ليَبرُزَ ـ رغم رحيله ـ كأحد استثنـاءات الثقـافة السورية الحديثة علىٰ مستوى الكثافة الإبداعية الزاخرة بالعمق وبالسخرية المريرة (الكوميديا السوداء) التي لوّنت كل نتاجاته ، لأن سنوات مسيرته الأربعين لا تكفي الكثيرين غيره لإنتاج ربع ما حقّقه من إبداعاتٍ متلاحقة ، حيث العِبارات التي كانت في أعماله لا يزال صداها في الآفاق الضبابية والمُعتِمة حتىٰ اليوم ، بل إن أحداث الحاضر قد شحنت كثيراً منها بدلالاتٍ جديدة أكثر عتمةً وأشدّ قسوة .
في قصيدته “كل شيء مات” يقول :
“أنا أعرفُ كيف تَضيقُ الأقبيةُ الرطبةْ ..
كيف يَضيقُ الصَدرْ ..
وكيف يَضيقُ الشارِعْ ..
كيف يَضيقُ الوطنُ الواسِعْ ..
وكيف اضطرتني الأيام
لأن أهربَ من وَجهِ عدوي ، والضَيفْ .
لكنّي ..
حتىٰ لو صارت عُلَبُ الكبريت بيوتاً ..
لو يَنخفضُ السَقفُ ..
ويُضْحي تَحتَ العَتَبةْ ..
حتىٰ لو ضُمَّ رَصيفٌ لرَصيفْ ..
أو صارَ الشارعُ أضيقَ من حَدِّ السيفْ
غير إني قادمٌ
رغم حصارِ الأوبئة .
سوف آتيك بخوفي
وأنا أعبر هذه المقبرة” .
فإن صدىٰ تلك الكلمات يتردَّد في الواقع السوري اليوم ، ولولا هذا الواقع في سوداويته وفي فجاجته ، لَما قامت الثورات والاحتجاجات ، وكأنما لا يوجد بَيتٌ فوق الخريطة السورية بمنأىً عن الشعور بـ”انخفاض السقف” الذي عاشه ممدوح عدوان ، وهو يقول في قصيدته (رصاصاتٌ بيضاء للأيام السوداء) :
“منذ نضوب الماء من المُدُنِ العربيهْ ..
ورجالٌ ، كالأشجارْ ..
اقتُلِعوا وابتُلِعوا في الرملِ المُتحرِّكْ ..
غرقوا شبراً شبراً ..
رجلاً رجلاً
ما مُدَّتْ لهمُ يَدْ
لم يتحرّكْ حولَهُمُ غَيرُ كلامٍ كحِبالٍ يَمتدْ ..
يتحوّل بعد الخنق رثاءً وأكاليلْ ..
وحصاراً من جوقاتٍ وطبولْ
وعلىٰ مفترقات دروب الثورة
بين حقول الفلاحين ..
في الحارات المهجورة ..
بين صفوف الشعب المعزولْ
يترصدُنا القَتَلَةْ ..
ولذا ، لم أسألْ نفسي يوماً :
من منهم سيكون القاتل؟” .
كتب ممدوح عدوان لمشاهدي التلفزيون أعمالاً كثيرة استعاد فيها شخصيات تاريخية لها ملامساتها العميقة في الضمير العربي المعاصر كـ(الزير سالم والمتنبّي) .
وفي كتابه “نحن.. دون كيشوت” يقول :
“الوجوهُ المُتعدّدة التي لشخصيةٍ مثل دون كيشوت تمنحنا الحرية والشجاعة للتعبير عن رؤيتنا الخاصة به . وبالتالي فإن كلاً منا قادرٌ علىٰ أن يتحدّثَ عن دون كيشوت الذي قرأ عنه في الكتاب ، أو دون كيشوت الذي يُربّيه في مخيّلته الرمزية والإبداعية” .
وبذلك لم يتوقّف وتَرُ ممدوح عدوان المَشدودُ إلىٰ أقصاه في قوس الكتابة وهو يتوقِّد بمعاركَ ضاريةٍ وبمشاغباتٍ لتحريكِ المياه الراكدة داعياً إلىٰ تَمجيدِ الجنون ، قبل أن يُرخي قوسه بأكثر كتبه عمقاً (حَيْوَنَةُ الإنسان) ويكشف فيه عن تطوّر مراتب البهيمية القسرية والتنمّر المُتَسلِّط ، وتَوالي الطعنات التي ينالها الكائن الهشّ في وضح النهار ، لتبدوَ المَهمَّةُ أصعبَ في حال تَنقيبِ تضاريس 86 كتاباً مما كَتَبَهُ في الشعر والرواية والمسرح والترجمة ، وفي البحث والدراما أودعها صاحب “ليل العبيد” في المكتبات العربية . لكن من يعرف ممدوح عدوان عن كثب ، يكتشف أهمية حضوره كموقفٍ لا يتزعزع ولا يهتزُّ في أكثر المنعطفات إشكالية ، ويكفيه أنه صاحب العبارة المشهورة :
“الإعلام الرسمي يكذب حتىٰ في النشرة الجويّة” .
ليُنهيَ حكايةَ الصراع في عبارته الأكثر صميمية التي أوردَها في روايته “أعدائي” حين يقول :
ـ نحن لا نَتعوّد يا أبي ، إلا إذا ماتَ فينا شيء . تَصوّر حَجمَ ما مات فينا حتىٰ تَعوّدنا كلَّ ما يجري حولنا !!.
وكأن ممدوح عَدوان كان يستشف رحيله القريب حين كتب قصيدته (وداعٌ دون رحيل) مخاطِباً وطَنَه سوريةَ في نفسه :
يَغيبونَ عنكْ
لكنني في ظلامِ شقائِكَ أبقىٰ
يقولُ المُحاذِرُ فيهم كلاماً قليلا
يقومُ المُغادِرُ منهم وداعاً طويلا
يموتونَ أو يرحلونْ .
يقولُ المُسافِرُ :
حيثُ الأمانُ اشتياقْ
وحيثُ السُمومُ دَواءْ
نُلاقي عن الانتحارِ البَطيءِ بَديلا
وأن لديَّ الكلامَ القليلا
وأن لديَّ الوداعَ الطويلا
لديَّ المَخاوِفُ والتَوْقُ للأمنِ والإرتياحْ .
ولكنني أصبرُ الآن صَبراً جميلا
سأبقىٰ وتبقىٰ ..
وكُلٌّ علىٰ نِدِّهِ صارَ عِبئاً ثقيلا
يغيبونَ عنكْ ..
يُلقونَ أمتعةً سَرَقوها
ويَلقونَ ذُرّيَةً أنجَبوها
ويَمضونَ عنكِ خِفافاً
وأرزحُ وَحْدي ..
لأني أحملُ حِملاً ثَقيلا
وأحملُ جِسماً هَزيلا
يخافونْ ..
يَمضونْ ..
مَنْ يتحمَّلُ هذا الجُنونْ؟!.
ـ لندن 2026 ـ







