حين صار العيد موسما للوجع بقلم د نور الهدى قرباز

د.نور الهدى قرباز جامعة بسكرة-حين صار العيدُ موسماً للوجع: أسطرةُ الإنسان أمام انهيار القدرة الشرائية
لم يعد العيدُ في كثير من البيوت العربية ذلك الكائنَ الأسطوريَّ الذي يهبط آخر الليل محمولًا على أكتاف الفرح، تتقدمه رائحة الشواء، وترافقه ضحكات الأطفال وهم يعدّون النجوم في سماء القرى والمدن.
لقد تغيّر وجه العيد.
صار يشبه شيخًا متعبًا، يحمل كيسًا فارغًا، ويطرق الأبواب بخجل، كأنه يعتذر للناس لأنه لم يعد قادرًا على إدهاشهم.
في الأزقة القديمة، كانت الأمهات يطرزن العيد بخيوط الأمل، وكان الآباء يدخلون البيوت كفرسانٍ عائدين من معارك الرزق، يحملون كبش العيد كما يحمل المنتصر راية الحياة.
أما اليوم، فقد صار الأب يشبه شخصية أسطورية مكسورة، نصفها إنسان ونصفها ديون.
يخرج إلى السوق كما يخرج جلجامش باحثًا عن عشبة الخلود، لكنه لا يجد سوى الأسعار المتوحشة، تقف أمامه كوحوشٍ لها أنيابٌ من نار.
القدرة الشرائية لم تعد مجرد مصطلح اقتصادي جامد؛
إنها اليوم مأساةٌ وجودية.
إنها ذلك الشرخ الذي يفصل الإنسان عن كرامته الصغيرة:
أن يشتري لطفله حذاءً دون أن يحسب عدد الأيام المتبقية للراتب،
أن يبتسم وهو يمر أمام محل اللحوم،
أن لا يشعر بأن جيبه صار مقبرةً للأحلام المؤجلة.
في كل عيد أضحى، يولد أبطالٌ مجهولون لا تكتب عنهم الصحف.
أبٌ يقف أمام سوق المواشي كأنه يقف أمام بوابة أسطورية لا يحق للفقراء عبورها.
أمٌّ تخبئ دمعتها داخل ابتسامة مصطنعة حتى لا ينكسر قلب أطفالها.
طفلٌ يقارن كبش الجيران بصمتٍ جارح، ثم يدّعي أنه لا يحب الأضحية أصلًا.
وهنا تبدأ الأسطورة الحديثة.
ليس البطل فيها ملكًا إغريقيًا، ولا فارسًا يحمل سيفًا ذهبيًا،
بل موظفٌ بسيط، يواجه وحش الغلاء بمرتبٍ هزيل، ويعود كل مساء دون أن يعترف لأحد بأنه مهزوم.
لقد تحوّل السوق إلى غابةٍ رمزية.
الجزار فيها كاهنٌ قديم يعلن الأسعار كما تُعلن الأحكام الأخيرة،
والتاجر يشبه حارس كنزٍ أسطوري لا يسمح لأحد بالاقتراب،
أما المواطن البسيط، فهو سيزيف العربي، يدحرج صخرة الحياة كل شهر، ثم تسقط فوق صدره من جديد.
حتى الكبش نفسه لم يعد حيوانًا فقط،
بل صار رمزًا طبقيًا فاضحًا.
هناك من يشتريه كما يشتري وردة،
وهناك من يقف أمامه كمن يقف أمام حلمٍ مستحيل.
وفي قلب هذا الخراب الاقتصادي، تحدث التحولات النفسية العميقة.
يتآكل الإنسان ببطء.
يفقد قدرته على الفرح دون أن يشعر.
يتحول العيد من طقس جماعي للبهجة إلى اختبار قاسٍ للكرامة الاجتماعية.
كم من أبٍ صار يخاف اقتراب العيد؟
وكم من أمٍّ باتت تدعو الله سرًا أن يمر الموسم سريعًا دون فضائح الحاجة؟
وكم من شابٍ صار يرى الزواج والبيت والأضحية والأبوة مشاريع أسطورية لا تخص أبناء هذا الزمن؟
إن أخطر ما تفعله الأزمة الاقتصادية ليس الجوع فقط،
بل قتل المعنى.
حين يعجز الإنسان عن ممارسة طقوسه البسيطة، يشعر كأنه مطرود من الجماعة، من الحياة، من الفرح نفسه.
ومع ذلك…
يبقى هذا الشعب قادرًا على صناعة المعجزات الصغيرة.
الأم التي تطهو القليل كأنه وليمة.
الأب الذي يشتري أضحية متواضعة لكنه يذبح معها خوفه من الانكسار.
الجار الذي يقتسم اللحم مع جاره.
الطفل الذي يفرح بأي شيء لأن قلبه ما يزال أنقى من حسابات السوق.
وهكذا، وسط ركام الغلاء، يولد نوع آخر من البطولة.
بطولة الصابرين.
أولئك الذين يقاتلون وحش الحياة كل يوم دون دروع،
ويحافظون رغم كل شيء على ما تبقى من إنسانيتهم.
لقد صار العيد مرآةً قاسية للمجتمع؛
يكشف الفوارق، ويعرّي الوجع، ويضع الإنسان وجهًا لوجه أمام هشاشته الاقتصادية.
لكنّه أيضًا يذكّرنا بأن الفقراء، رغم كل شيء، ما زالوا يملكون أثمن ما فقده الأثرياء:
القدرة على التشارك،
وعلى الحب،
وعلى تحويل الألم إلى حكايةٍ تُروى، لا إلى هزيمةٍ نهائية.