
قراءة نقدية في ققج إختراق الحجب للقاصة الهام عيسى بقلم الناقدة سعيدة بركاتي
قراءة نقدية في ققج ” اختراق الحجب ” للإعلامية القاصة إلهام عيسى/سوريا
بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/تونس
من تشظي المشهد إلى خياطة الأمل : اختراق الحجب كفعل تأويلي :
#القراءة :
انطلاقا من العنوان و هو مركب فعلي يوحي بالحركة والفعل المتعمد : “الحجب” جمع حِجاب ، وهو كل ما يفصل بين شيئين ( المنع و الستر ) : سماء وأرض ، موت وحياة ، أمل ويأس ، حقيقة وكذب … الفعل “اختراق” فعل عنيف ومباشر ، لا يوحي بالتسلل بل بالخرق بالقوة / الاختراق هو عملية الدخول أو النفاذ إلى مكان ، أو نظام ، أو حاجز وتجاوزه دون تصريح .
انطلاقا من هذه التعاريف يصبح النص كله استباقاً لهذا الاختراق . كل المشاهد الأولى هي الحجب نفسها : حجب الدخان والغبار ، حجب الخوف ، حجب الموت . والخاتمة تكشف أن “اختراق الحجب” ليس فعلاً مادياً ، بل فعلاً رمزياً تنجزه “مدينة الضوء” عبر خياطة حبل الأمل . العنوان إذن ليس وصفاً بل نبوءة يبنيها السرد ويحققها في سطرين أخيرين . العنوان هو أطروحة نص القصة .
فما هي علاقة العنوان و أحداث القصة باعتباره أطروحة ” النص” ؟
انطلاقا من الانزياحات الدلالية انطلق في القراءة :
حين نقرأ القصة قراءة أولى نلاحظ أن النص مليء بالانزياح عن المألوف اللغوي ، وهو ما يمنحه طاقته التعبيرية :
استعارة مكثفة تظهر في :
_ صوت الميدان الذي لا يكف صراخ رصاصه المدوي :
استعارة مكنية حيث جعل للرصاص صراخاً ، الرصاص هنا ليس أداة صامتة بل كائناً يصرخ ، مما يضاعف إحساس الفوضى واللاإنسانية.
_ عويل الدبابات :
تشخيص للدبابة ، نُزع عنها آليتها وأعطتها القاصة صوت الإنسان المعذب فصارت آلة القتل تبكي ، أو تبكي على ضحاياها في مفارقة ساخرة
_ عيون المسيرات في الأجواء تحدق بالخبايا و الظواهر ” : المسيرة صارت ذات عين تراقب وتكشف : “الخبايا والظواهر” مما يوحي بشمولية الرقابة والقمع
_ تسطحت عيون الآدميين : ( ضبابية الرؤية او انعدامها ، لم يعد الضوع يخترق العين )
أعنف انزياح . ” تسطحت” فعل يدل على الموت وفقدان البعد الإنساني ، العين التي كانت تبصر صارت مسطحة ، ميتة ، عاجزة عن البكاء أو الاحتجاج .
نتساءل عن المفارقة في القصة ؟
المفارقة المركزية بين : ” مدينة الضوء ” وكل ما سبقها : المدينة لا توصف بالنور وهي تغرق في الظلام والنار ، بل توصف بالنوم : ” تغفو على أطراف الغيم” / النوم هنا ليس خمولاً بل هو فعل مقاومة / كمن يرفض المشاركة في المذبحة وينتظر اللحظة المناسبة للفعل : النور لا يأتي من الخارج بل من فعل داخلي : “مدت يدها تخيط حبلاً” ( في علاقة مع المقاربة التأويلية ) .
فالنص لا يحكي قصة بمعنى الحدث المتسلسل ، بل يحكي حالة في مشاهد يمكن تقسيمها إلى ثلاث مشاهد رئيسية :
_المشهد الأول :
هو عالم الفعل المادي العنيف : كل الأفعال بصيغة المضارع الدالة على الاستمرار : “يكف”/ “يجوب” /”تحدق”/ “تفقأ” . الحرب فعل مستمر لا يتوقف … الفاعل مجهول أو في صغة الجمع : الرصاص / الدبابات/ المسيرات/ الشظايا : الإنسان مفعول به فقط .
_ المشهد الثاني :
هو عالم الانهيار : “بلا منزل يرتجفون” / “تسطحت عيون الآدميين” / “فروا يجرون تتبعهم أذيالهم” : الصورة و للأسف قريبة من ” الحيوانية ” : الإنسان فَقَدَ كرامته وانتصب ذيله للخلف هارباً ( صورة الحيوان و الجبان أيضا ) .
_ المشهد الثالث :
هو عالم الفعل الرمزي : “مدينة الضوء” مقابل “مدينة الرصاص” ؛ الفعلان الوحيدان هنا هو “مدت” و “تخيط” : الخياطة فعل دقيق يحتاج لكثير من الصبر و الانتباه : يرمم ما مزقته الحرب ؛ “حبلاً حتماً سيخترق الحجب” فيحول الأمل من أمنية إلى حتمية تاريخية : “أمل السماء” : يصعد الفعل من الأرض إلى السماء : كأنه الدعاء و الأمل لمن يستجيب لهذا الدعاء ” أمل السماء : الأمل في الله ”
كاستنتاج أول:
المقاومة الحقيقية لا تكون برد الرصاص على الرصاص بل بإنتاج المعنى والأمل وسط الخراب ، “اختراق الحجب” هو اختراق لحالة العجز الجماعي .
في تعريجي على إيقاع القصة نلاحظ انه بُني على التضاد بين السرعة و البطء يظهر في ما يلي :
_ ايقاع سريع خانق : الجمل الأولى : جمل طويلة دون فواصل ، متراصة بعطف الواو : “صراخ رصاصه المدوي / عويل الدبابات… عيون المسيرات…” هذا التركيب يحاكي تتابع القصف وتداخل الأصوات ، لا يوجد نفس للقارئ ، كما لا يوجد أمان للشخصيات .
ايقاع بطيء لكنه حاسم :
الجمل الأخيرة قصيرة ومقطوعة : “مدت يدها تخيط حبلاً / “حتماً سيخترق الحجب”/ “سيتدلى فيه أمل السماء” : البطء هنا يوحي باليقين والتركيز : بعد فوضى الحرب يأتي وضوح الفعل المقاوم .
استخدمت القاصة الفاصلة بكثرة في النصف الأول مما خلق شعوراً بالاختناق ، بينما النقطة في النصف الثاني تخلق شعوراً بالحسم .
كما عهدناها في هذا الجنس الأدبي تُبدع الهام عيسى في التكثيف ، انعدام الحوار و لا تفاصيل واقعية ملموسة : كل شيء مرموز ومكثف ليناسب جنس القصة القصيرة جداً .
أما الأفعال : في البداية سيطرت أفعال عنيفة وظفت للحركة في البداية : يصرخ ، يجوب ، تحدق ، تفقأ ، تغطي ، تغرق ، فروا ، يجرون . ثم فجأة يتوقف كل شيء ويأتي فعل واحد هادئ : “مدت” .
تأتي الإجابة عن السؤال أعلاه : ما هي علاقة العنوان و أحداث القصة باعتباره أطروحة ” النص” ؟
العنوان “اختراق الحجب” لا يتحقق إلا في السطر الأخير : كل ما قبله هو وصف للحجب نفسها و هي الحجب : حجاب الدخان والغبار الذي يحجب الرؤية / حجاب الخوف الذي يحجب الإرادة / حجاب الموت الذي يحجب الحياة .
فَ”مدينة الضوء” هي الذات التي لم تستسلم لهذه الحجب ، فعل “الخياطة” هو الفعل المضاد للتمزيق الذي تمارسه الحرب ، والحبل هو وسيلة الاتصال بين الأرض والسماء ، بين الواقع والممكن : عندما “سيتدلى فيه أمل السماء” يعني أن الأمل لم يعد معلقاً بعيداً ، بل صار متاحاً للنزول والتشبث به .
يبقى للعنوان تناصه الديني و هذا ما عودتنا به القاصة ، لا تخلو قصصها من هذا التناص : فمفردة الحجب و مشتقاتها وردت في سبعة مواضع ، أذكر منها : … حِجَابًا مَّسْتُورًا ﴿45الإسراء﴾
… مِن دُونِهِمْ حِجَابًا ﴿١٧ مريم﴾
فيتضح جليا مما تقدم أن القاصة اشتغلت في نصها على بناء صورة ” جحيمية ” مكثفة في الجزء الأول ؛ ليجعل فعل المقاومة في الجزء الثاني يبدو معجزة ممكنة . الانزياحات اللغوية والتشخيص والاستعارة لم تكن ترفاً بل كانت ضرورة لنقل حجم الكارثة . الإيقاع السريع ثم البطيء يحاكي حركة المعركة ثم لحظة الهدوء التي تسبق الفعل الحاسم . العنوان لم يكن عنواناً بل كان وعداً ، والنص كله إثبات لتحقيق هذا الوعد . كان فيه الصوت السردي صوتا كليا واعيا أستطيع ان أصفه بالملحمي ، لا يوجد راوٍ شخصي مما أعطى المشهد طابعاً كونياً . كأنه يتحدث عن كل المدن المحاصرة في كل زمان .
#القصة :
اختراق الحجب !
ق ق ج
علا صوت الميدان الذي لا يكف صراخ رصاصه المدوي ، عويل الدبابات يجوب المكان ، عيون المسيرات في الاجواء تحدق بالخبايا والظواهر ، شظايا تفقأ عيون المقفلات ، بات سكان المنازل بلا منزل يرتجفون، حتى تسطحت عيون الادميين ،كانت نوازل شهب ومطر يغطي الرؤوس وتغرق الارواح ،فروا يجرون تتبعهم اذيالهم ،فيما ظلت مدينة الضوء تغفو على أطراف الغيم ، مدت يدها تخيط حبلا حتما سيخترق الحجب وسيتدلى فيه أمل السماء !
بقلم الهام عيسى
#المراجع :
المصدر: “Birzeit University” https://share.google/iDiG96jejEQUAlmMT
https://www.arabicacademy.gov.eg/ar/%D9%85%D8%AD%D8%B1%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%AB/%D8%AD%D9%8E%D8%AC%D9%8E%D8%A8%D9%8E?exact_search=true
https://www.almaany.com/quran-b/%D8%AD%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D8%A7/
https://learning.aljazeera.net/ar/node/19761
https://www.google.com/search?q=%D8%AA%D8%B3%D8%B7%D8%AD%D8%AA+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D9%88%D9%86&oq=%D8%AA%D8%B3%D8%B7%D8%AD%D8%AA+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D9%88%D9%86+&gs_lcrp=EgZjaHJvbWUyBggAEEUYOTIHCAEQIRigATIHCAIQIRigAdIBCDkwMTRqMGo0qAIOsAIB8QWOBlC5E9Gj4Q&client=ms-android-samsung-rvo1&sourceid=chrome-mobile&ie=UTF-8







