كاتب وناقد| جزائري
قراءة في الحلقة العاشرة
إن المتأمل في الحلقة العاشرة والأخيرة التي نشرها د. يوسف الدباك جعجع على موقع الأمبراطورية الانسانية الكونية الكبرى، تستحق في تقديري المتواضع جدا، أن تقرأ لا بوصفها خاتمة لـ”علم الذبذبة” فحسب، بل بوصفها إعلانا عن الانتقال من سؤال الذبذبة إلى سؤال الإنسان. ومن منظور المدرسة النقدية الكونية الإنسانية وفلسفة الأمل، فإن أهم ما فيها ليس ادعاء امتلاك “أسرار” جديدة، وإنما التوتر الفكري الذي تطرحه بين العلم، والوعي، والمادية، والإنسانية.
قراءة نقدية كونية إنسانية
من “علم الذبذبة” إلى “علم الإنسان”
النص يبدأ من عبارة شديدة الدلالة:
“انطلاق العلم في لامادية الإنسان”
وهنا تقع أولى العتبات الفلسفية الكبرى.
فالإنسان لا يمكن اختزاله في مادته البيولوجية، لكن عدم اختزاله في المادة لا يعني بالضرورة أنه كائن غير مادي بالمعنى العلمي الصارم. بين الأمرين مسافة فلسفية ينبغي عدم القفز فوقها.
فالإنسان جسد، لكنه ليس الجسد وحده؛ وهو عقل، لكنه ليس العقل وحده؛ وهو ذاكرة ووجدان ولغة وخيال وعلاقة بالآخر وتاريخ ومشروع ومعنى.
ومن هنا تقترح المدرسة النقدية الكونية الإنسانية مفهوما أكثر اتساعا:
الإنسان ليس ضد المادة، وإنما هو تجاوز للمادة من داخلها.
وهذه العبارة، في رأيي، يمكن أن تكون إحدى المفاتيح النظرية لقراءة الحلقة كلها.
1. من احتكار المعرفة إلى أخلاق المعرفة
يقول النص إن أسرارا جديدة ستحجب مؤقتا عن العامة، وتتاح للطلاب وأعضاء الأكاديمية، حتى “ترتقي المدارك نحو الوعي المنشود”.
هذه الفكرة تفتح إشكالية معرفية وأخلاقية عميقة.
من يملك حق تحديد من هو المستعد للمعرفة؟
لقد عرفت الحضارات القديمة بالفعل تقاليد معرفية باطنية وأسرارا دينية وفلسفية لا تمنح لكل أحد. لكن المدرسة النقدية الإنسانية لا تستطيع أن تقبل احتكار المعرفة لمجرد أن صاحبها يعتقد أنه بلغ مرتبة أعلى من الوعي.
لذلك ينبغي أن نميز بين:
حجب المعرفة حماية للإنسان،
واحتكار المعرفة سلطة على الإنسان.
الأول قد يكون مسؤولية تربوية في بعض السياقات، أما الثاني فقد يتحول إلى إعادة إنتاج للتراتبية التي قامت الحداثة نفسها بنقدها.
ولهذا فإن “الأسرار” في المنظور الإنساني لا ينبغي أن تكون أسرارا فوق النقد، وإنما مراحل معرفية تحتاج إلى نضج وتجربة وحوار واختبار.
2. اللحظة السرمدية: الإنسان بين الزمن والوجود
من أجمل الأفكار الواردة في النص قوله إن لحظة “الآن السرمدية” هي:
“كل ما كان وما يكون”.
وهنا يقترب الخطاب من منطقة فلسفية وروحية قديمة جدا: سؤال الزمن.
هل يعيش الإنسان في الماضي الذي انتهى، أم في المستقبل الذي لم يأتِ، أم أن وجوده الحقيقي لا يتحقق إلا في اللحظة الحاضرة؟
لكن المدرسة النقدية الكونية الإنسانية تستطيع أن تضيف شيئا آخر:
الآن ليس مجرد لحظة زمنية؛ إنه نقطة التقاء الذاكرة والإمكان.
فالإنسان يحمل ماضيه في حاضره، ويحمل مستقبله بوصفه إمكانية.
وهنا يصبح الوعي ليس هروبا من الزمن، وإنما إعادة بناء لعلاقة الإنسان بالزمن.
3. اليقين الإنساني بدل اليقين المغلق
يقول النص:
“اليقين الناتج عن الإنسانية هو اليقين المتكامل”.
وهذه العبارة تستحق التوقف طويلا.
فالمدرسة النقدية الكونية الإنسانية لا ترى أن الإنسان يستطيع الوصول إلى يقين مطلق ونهائي؛ لأن الإنسان نفسه كائن متغير ومحدود ومفتوح.
لكن يمكننا الحديث عن يقين إنساني بمعنى آخر:
يقين لا يقوم على الادعاء بأنني امتلك الحقيقة كلها، بل على إدراكي أن الحقيقة تحتاج إلى:
العقل، والتجربة، والحوار، والضمير،
والآخر، والتاريخ، والعلم، والحدس،
والبحث المستمر.
وبذلك يتحول اليقين من امتلاك الحقيقة إلى الالتزام بالبحث عنها.
وهنا تلتقي فلسفة الأمل مع النقد:
الأمل ليس يقينا بأن المستقبل سيكون جميلا؛ بل شجاعة الإنسان على صناعة مستقبل أجمل رغم عدم ضمانه.
4. النهاية المعلنة لـ”علم الذبذبة”
من أكثر مقاطع النص إثارة قوله:
“ستكون نهاية علم الذبذبة وبدء علم الإنسان بشموليته”.
وهذه، في رأيي، أهم جملة في الحلقة كلها، لأنها تنقل المشروع من علم الشيء إلى علم الكائن.
لكن هنا ينبغي تسجيل ملاحظة نقدية أساسية:
إذا كان المقصود بـ”علم الذبذبة” علما بالمعنى العلمي التجريبي، فينبغي تحديد مفاهيمه ومقاييسه وقوانينه وإمكان اختبار فرضياته. أما إذا كان المقصود منظومة فلسفية أو روحية تتحدث عن التردد والوعي والطاقة، فينبغي تقديمها بصفتها تصورا فلسفيا أو ميتافيزيقيا لا باعتبارها حقيقة علمية مثبتة ما لم تتوافر الأدلة التجريبية.
وهذا التمييز لا يهدم المشروع؛ بل يحميه، لأن المدرسة النقدية الإنسانية لا تحتاج إلى استعارة سلطة العلم لكي تدافع عن الإنسان.
الإنسان أكبر من أن يحتاج إلى خرافة كي يصبح عظيما، وأعمق من أن يختزل في مختبر.
5. من “علم الذبذبة” إلى التربية الإنسانية
يقدم النص بعد ذلك تصورا مهما جدا: أن المعرفة الجديدة ستدخل إلى المناهج الدراسية منذ الطفولة حتى المراهقة والشباب.
وهنا، في رأيي، تنتقل الحلقة من الميتافيزيقا إلى أكثر المناطق أهمية:
التربية.
فإذا كانت الغاية هي بناء الإنسان الواعي، فلا يكفي أن نحدثه عن الذبذبات والطاقة والوعي.
ينبغي أن يتعلم الطفل:
كيف يفكر؟
كيف يسأل؟
كيف يختلف؟
كيف يحب؟
كيف يتعامل مع جسده؟
كيف يفهم مشاعره؟
كيف يحترم الآخر؟
كيف يعيش مع الطبيعة؟
كيف يستخدم التكنولوجيا دون أن يصبح عبدا لها؟
وكيف يمارس الحرية دون أن يحولها إلى عدوان؟.
وهنا يمكن أن تتبلور فكرة أساسية في فلسفة الأمل الكوني:
المدرسة المستقبلية ليست مصنعا للموظفين، وإنما مشتل للإنسان.
6. الإنسان السليم: الجسد والنفس والمجتمع
يلفت النص إلى ضرورة توفير الحاجات الجسدية والنفسية والاجتماعية حتى ينمو الإنسان “سليم الجسد وبكامل عافيته الاجتماعية”.
وهنا يلتقي المشروع مع جوهر النزعة الإنسانية.
فالإنسان الإنساني لا ينتج بالمواعظ وحدها.
لا يمكن أن نطلب من إنسان جائع أن يكون فيلسوفا للأمل، ولا من طفل محروم أن يبني مجتمعا متوازنا، ولا من إنسان مسحوق اجتماعيا أن يمارس حريته وكأن شروط الحرية متوفرة للجميع.
ولهذا فإن الإنسانية ليست خطابا عن الإنسان؛ إنها شروط حياة تليق بالإنسان.
وهذه نقطة يمكن أن تجعل “المدرسة النقدية الكونية الإنسانية” أكثر قوة حين تربط الوعي بالعدالة الاجتماعية، والتربية، والصحة، والثقافة، والحرية، والكرامة.
7. أين تقف “إمبراطورية الإنسان”؟
تظهر في النص عبارة “إمبراطورية الإنسان الكونية الكبرى”.
وهنا يمكن للمدرسة النقدية أن تعيد تعريف كلمة إمبراطورية.
ليست إمبراطورية تضع الإنسان فوق الطبيعة، ولا تجعل الإنسان سيدا” على الإنسان، بل إمبراطورية الإنسان على خوفه ، على جهله، على عنفه، على أنانيته، على عبوديته للأشياء، وعلى التكنولوجيا حين تتحول من أداة إلى سيد.
وهنا يصبح “الإمبراطور” الحقيقي هو الإنسان الذي انتصر على استبداده الداخلي قبل أن يبحث عن السيطرة على العالم الخارجي.
8. الكونية ليست إلغاء للإنسان الفرد
يصل النص في نهايته إلى “الكون” و”الأكوان الموازية” و”مختلف عوالم الشكل”.
وهذه منطقة خصبة للخيال الفلسفي والشعري، تحتاج إلى فصل واضح بين المجاز الكوني والقول العلمي.
فالكونية الإنسانية لا تتطلب إثبات أكوان موازية لكي تكون عميقة.
يكفي أن نكتشف أن الإنسان نفسه يعيش داخل دوائر متداخلة مثل:الفرد،
الأسرة، المجتمع، الوطن، الإنسانية،
الأرض، الكون.
ومن هنا تصبح الكونية انتقالا من:
أنا – نحن – الإنسانية – الحياة – الكون.
وهذا هو الأفق الذي يمكن أن تمنحه المدرسة النقدية الكونية الإنسانية لمشروع “الإنسان الإنساني”.
9. المواجهة النقدية الكبرى
لكن القراءة الإنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى تصفيق للنص.
هناك أسئلة يجب أن تبقى مفتوحة:
ما المقصود تحديدا بالذبذبة؟
هل هي مفهوم فيزيائي؟
أم استعارة روحية؟
أم نموذج فلسفي للوعي؟
ما المقصود باللامادية؟
هل الإنسان غير مادي؟
أم أن الوعي لا يمكن اختزاله اختزالا بسيطا في وصف بيولوجي؟
كيف نختبر الأسرار؟
وما معيار التمييز بين التجربة الروحية والتوهم؟
من يحدد درجة الوعي؟
وكيف نحمي المعرفة من أن تتحول إلى سلطة نخبوية؟
هذه الأسئلة ليست خصومة مع المشروع، بل هي ما يجعل المشروع نقديا اكثر.
فالمدرسة التي لا تسمح لنفسها بالنقد تتحول سريعا إلى عقيدة، والعقيدة حين تمنع السؤال تتحول إلى سلطة.
10. من علم الذبذبة إلى علم الإنسان
يمكن الآن أن نعيد صياغة الخلاصة الكبرى للحلقة العاشرة:
علم الذبذبة، إذا أخذ بوصفه مرحلة فلسفية في رحلة البحث، لا ينبغي أن يكون النهاية.
النهاية ليست الذبذبة.
النهاية هي الإنسان.
والإنسان ليس نهاية مغلقة أيضا.
إنه سؤال مفتوح.
ومن هنا أقترح أن يكون الانتقال النظري الذي تختتم به السلسلة:
من الذبذبة إلى الوعي، ومن الوعي إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى الإنسانية،
ومن الإنسانية إلى الكونية، ومن الكونية إلى الأمل.
وهذه السلسلة تصلح لأن تكون العمود الفقري النظري للمدرسة النقدية الكونية الإنسانية.
الخلاصة: الحلقة الأخيرة ليست نهاية
إن أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه الحلقة الأخيرة هو أنها، رغم لغتها الماورائية واتساعها، تضع أمامنا سؤالا حقيقيا:
هل يستطيع الإنسان أن ينتقل من مرحلة اكتشاف العالم إلى مرحلة اكتشاف ذاته؟
هنا بالضبط تبدأ فلسفة الأمل.
فالإنسان الذي يكتشف الذبذبة ولم يكتشف الرحمة لم يكتشف نفسه.
والإنسان الذي يعرف أسرار الكون ولا يعرف كيف يحترم الإنسان الآخر ما زال في بداية الطريق.
والإنسان الذي يمتلك المعرفة ولا يمتلك الحكمة قد يصبح أكثر خطرا من الجاهل.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي للوعي ليس عدد الأسرار التي نعرفها، بل مقدار الإنسانية التي نستطيع أن نحياها.
وهنا تتجلى أطروحة المدرسة النقدية الكونية الإنسانية:
ليس المطلوب أن نصنع إنساناً يعرف كل شيء، بل إنسانا لا يفقد إنسانيته وهو يعرف.
ومن ثم فإن “نهاية علم الذبذبة” التي يقترحها النص يمكن أن نقرأها رمزيا باعتبارها نهاية مرحلة السؤال عن طاقة الإنسان، وبداية مرحلة السؤال عن مسؤولية الإنسان.
وهذه، في تقديري، أكثر النهايات خصوبةً للسلسلة كلها:
أن نغادر الذبذبة لا لكي نغادر المجهول،
بل لكي ندخل إلى الإنسان.
وهناك، في قلب الإنسان، تبدأ الرحلة الكونية.