
إيقاع المعنى في مسرحية ماسح الأحذية للمؤلف خالد جابر
إيقاع المعنى في مسرحية ماسح الأحذية للمؤلف خالد جابر
أ.د زينب لوت – تخصص نقد حديث ومعاصر – الجزائر
الجزء الأول.
تكشف مسرحية ماسح الأحذية منذ افتتاحيتها عن بناء فني قائم على الرمزية والإيقاع النفسي أكثر من اعتمادها على الحدث التقليدي المباشر. إذ يبدأ النص بخشبة فارغة يغمرها الصمت، وكأن الكاتب يهيئ المتلقي للدخول إلى عالم تتجاور فيه العزلة والخوف والانتظار. هذا الفراغ المسرحي لا يؤدي وظيفة ديكورية فقط، بل يحمل دلالة وجودية عميقة، لأن الشخصيات التي ستدخل لاحقاً تبدو وكأنها قادمة من هامش الحياة ومن مناطق الانكسار الإنساني. ومن هنا يتأسس الإيقاع المسرحي على البطء والتدرج، حيث تتحرك الشخصيات داخل فضاء خانق يعكس اضطرابها الداخلي.
تظهر شخصية ماسح الأحذية بوصفها المحور الرمزي الأساسي في المسرحية، فهو ليس مجرد عامل بسيط يجلس قرب صندوقه القديم، بل يمثل الإنسان المهمش الذي يرى المجتمع من مستوى الأرض، من زاوية التعب والأحذية المتسخة وآثار الطريق. ولذلك تتحول مهنته إلى رمز لمحاولة تنظيف العالم من قذارته المعنوية لا المادية فقط. كما أن اقترابه من الجمهور وجلوسه في مقدمة الخشبة يجعلان منه ضمير المسرحية وصوتها الأخلاقي. وحين يقول:
“هل تعرف ما هو الحذاء؟ الحذاء هو المفتاح إلى شخصية الفرد؛نوع الحذاء، شكله، لونه، وقياسه، الحذاء من أهم تفاصيل الإطلالة اليومية للبشر على اختلافهم.
أنتم تعرفون حكاية السندريلا، وكيف التقت بأمير أحلامها، أليس للحذاء فضل في ذلك؟ وتعرفون أيضاً كيف انتهت حياة شجر الدر، لقد ضُربت بالقالب حتى الموت.…”
فإنه يكشف شعوره العميق بالاغتراب داخل وطنه، وكأن المدينة نفسها لفظته إلى الهامش. وتنبع قوة هذه الشخصية من بساطتها، إذ يمتلك ماسح الأحذية وعياً إنسانياً يتجاوز الشخصيات الأخرى رغم فقره وضعفه الظاهري.
أما شخصية العسكري فتأتي بوصفها رمزاً للسلطة والقمع والخوف. فالعسكري داخل المسرحية لا يمثل فرداً بعينه، بل يمثل المؤسسة التي اعتادت السيطرة على الناس ومراقبتهم. ولذلك يعتمد الكاتب في رسمه على لغة حادة وجمل قصيرة متوترة تمنح حضوره إيقاعاً عنيفاً. كما أن علاقته بماسح الأحذية تكشف التفاوت بين السلطة والهامش، بين من يمتلك القوة ومن لا يملك سوى صوته المنهك. وهكذا تتحول الشخصية إلى صورة رمزية للأنظمة التي تتعامل مع الإنسان بوصفه رقماً أو حالة يجب ضبطها.
في المقابل، تجسد المرأة المطلقة هشاشة الإنسان في مواجهة الأحكام الاجتماعية. فهي لا تظهر باعتبارها امرأة منفصلة عن زوجها فقط، بل بوصفها كائناً يحمل وصمة المجتمع وخوفه من الحرية الأنثوية. لذلك تبدو لغتها أكثر هدوءاً وانكساراً، ويعتمد الكاتب في بنائها على الإيحاء والبوح الداخلي أكثر من المواجهة المباشرة. وترمز هذه الشخصية إلى المرأة العربية التي تجد نفسها دائماً في موقع الدفاع عن وجودها، وكأنها مطالبة باستمرار بتبرير حياتها واختياراتها.
أما الرجل الغني فيمثل سلطة المال والطبقة المتعالية، لكنه في الوقت نفسه شخصية مأزومة من الداخل. فالحذاء الذي يسعى إلى تنظيفه ليس مجرد شيء مادي، بل رمز للواجهة الاجتماعية التي يحاول المحافظة عليها. وحين يقول:
“تخلق أزمة من لا شيء، ونخوض في سفاسف الأمور، ونُصعّد مواقفنا، ونتشبث بما تحويه عقولنا الفارغة، وفي النهاية تتحول حياتنا إلى مذبحة دموية، رماد، ركام، حروب وصراعات، جدران شهابية، لا نهاية لها.…”
فإن الحذاء يتحول إلى استعارة للحياة الملوثة بالتجارب والتناقضات. ولذلك يكشف الكاتب أن المال لا يمنح الطمأنينة الحقيقية، لأن هذه الشخصية تبدو خائفة من الانكشاف رغم مظهرها الواثق.
يحمل الرجل المغترب رمز التيه والاقتلاع وفقدان الانتماء، إذ يعيش داخل المسرحية حالة دائمة من البحث عن مكان لا يجده. ومن خلاله يتوسع النص من المحلي إلى الإنساني العام، لأن الاغتراب هنا ليس جغرافياً فقط، بل نفسي وثقافي أيضاً. ولذلك تأتي لغته محملة بالحنين والانكسار، وكأنه يعيش خارج الزمن الحقيقي. وحين يقول:
“لقد أثبت لك أنك ستظل طوال عمرك في فراغ.”
فإن الفراغ هنا يصبح رمزاً لفقدان المعنى والهوية معاً.
أما الرجل النخبوي فيمثل المثقف العربي المنفصل عن الواقع، إذ يتحدث بلغة فكرية عالية لكنها تبدو عاجزة عن تغيير أي شيء. لذلك تتحول الشخصية إلى نقد مبطن للنخب الثقافية التي تكثر من التنظير بينما تبقى بعيدة عن معاناة الناس الحقيقية. ويظهر هذا البعد بوضوح حين يحاول الحديث عن الوطن والتفاهم، لكنه يظل حبيس اللغة المجردة. وهنا يصنع الكاتب تضاداً واضحاً بين لغة المثقف المعقدة ولغة ماسح الأحذية البسيطة والمباشرة، ليؤكد أن الحقيقة الإنسانية قد تكون أقرب إلى المهمشين منها إلى أصحاب الخطابات الكبرى.
ويبلغ الإيقاع المسرحي ذروته في المشاهد الجماعية التي تتكرر فيها الأسئلة المرتبطة بالهروب والخوف:
“الهاربون إلى أين؟”
“إلى أين الهروب؟”
يتبع…







