إيقاع المعنى في مسرحية ماسح الأحذية للمؤلف خالد جابر 

إيقاع المعنى في مسرحية ماسح الأحذية للمؤلف خالد جابر

أ.د زينب لوت – تخصص نقد حديث ومعاصر – الجزائر

الجزء الثاني

يؤدي هذا التكرار وظيفة إيقاعية ونفسية في آن واحد، إذ يخلق حالة من الدوران العبثي الذي يعكس فقدان اليقين. كما يمنح النص بعداً قريباً من المسرح العبثي، حيث تصبح الشخصيات عاجزة عن الوصول إلى معنى ثابت أو خلاص حقيقي. ومن خلال هذا التكرار تتحول المسرحية إلى صورة لعالم عربي مأزوم يعيش الخوف الجماعي والانتظار الطويل.

كما يستثمر الكاتب عنصر الزمن بصورة فنية دقيقة، فالوقت داخل المسرحية يبدو متجمداً، والشخصيات تعيش حالة انتظار دائم. وعندما يصفهم النص بأنهم “ينامون كأنهم جثث” فإن الحياة نفسها تتحول إلى شكل من أشكال الموت البطيء. وهذا البطء الزمني يمنح الإيقاع الداخلي عمقاً نفسياً واضحاً، لأن التوتر لا يأتي من الحدث الخارجي فقط، بل من الشعور الثقيل بالعجز والاختناق.

ومن الناحية الفنية، تعتمد المسرحية على اقتصاد واضح في الديكور مقابل الغنى الرمزي للحوار والإضاءة والحركة. فمحطة القطار القديمة، وصندوق الأحذية، والحقائب، والظلام، كلها عناصر تتحول إلى علامات سيميائية تعبّر عن الضياع والخوف والانكسار الاجتماعي. كما أن الصمت يؤدي وظيفة درامية مهمة، إذ يصبح جزءاً من اللغة المسرحية لا مجرد غياب للكلام.

تنجح مسرحية «ماسح الأحذية» في بناء عالم درامي تتجاوز فيه الشخصيات حدودها الفردية لتصبح رموزاً اجتماعية ونفسية وفكرية. فماسح الأحذية يمثل الإنسان المهمش، والعسكري يرمز إلى السلطة، والمرأة المطلقة إلى الهشاشة الاجتماعية، والرجل الغني إلى زيف الطمأنينة الطبقية، والمغترب إلى التيه الوجودي، والنخبوي إلى عجز الخطاب الثقافي. ومن خلال هذه الشخصيات المتقابلة يبني الدكتور خالد جابر نصاً مسرحياً قائماً على الإيقاع النفسي والرمزية والتوتر الداخلي، ليقدم صورة عميقة عن الإنسان العربي المعاصر في مواجهة الخوف والاغتراب والانكسار.

تشكل نهاية مسرحية «ماسح الأحذية» للدكتور خالد جابر الذروة التراجيدية في العمل، إذ ينتقل البطل من حالة الصمت والتهميش إلى لحظة اعتراف مأساوية تكشف عمق معاناته الإنسانية. فالمسرحية في ظاهرها تحكي عن رجل فقير يمتهن مسح الأحذية، غير أن النهاية تكشف أن هذه الشخصية ليست مجرد نموذج للفقر، بل إنسان حطمته الحرب وسلبته عائلته وبيته وذاكرته الآمنة. ومن هنا تتحول المسرحية من حكاية فردية إلى مأساة جماعية تعبر عن الإنسان العربي الذي وجد نفسه ضحية للخراب والاقتلاع والاغتراب.

في المشهد الأخير ينهار “ماسح الأحذية” نفسيًا، ويبدأ بالكشف عن ماضيه المؤلم، حيث يتضح أن الصندوق الخشبي الذي يحمله لم يكن مجرد أداة للعمل، بل يحمل داخله أحذية زوجته وأطفاله الذين فقدهم بسبب الحرب. وتكتسب الأحذية هنا بعدًا رمزيًا عميقًا، إذ تتحول إلى بقايا ذاكرة ووسيلة للتشبث بما تبقى من إنسانيته. فالحذاء في المسرحية لا يرمز إلى الفقر وحده، بل إلى الطريق الذي انقطع، وإلى حياة توقفت تحت وطأة العنف والدمار.

كما تحمل حركة البطل في النهاية، حين يركض خارج الخشبة وكأنه يهرب من شيء مجهول، دلالات نفسية ورمزية قوية؛ فهي تعكس حالة المطاردة الداخلية التي يعيشها الإنسان بعد الصدمة، وكأن الماضي يطارده باستمرار ولا يسمح له بالاستقرار. وهذا الركض لا يمثل هروب فرد واحد فقط، بل يجسد ضياع الإنسان العربي الذي خرج من الحرب دون أن يجد وطنًا أو ذاكرة مستقرة أو معنى واضحًا للحياة. لذلك تبدو النهاية مفتوحة على القلق والتيه، وكأن المأساة ما تزال مستمرة خارج حدود المسرح.

اعتمد الكاتب على التراجيديا والكشف المتأخر للحقيقة من أجل تعميق التأثير الدرامي، حيث يصل المتلقي إلى النهاية وهو يعيد فهم الشخصية من جديد. كما وظف الرمز توظيفًا مكثفًا، فجعل من الحذاء علامة على الإنسان المقهور الذي سُحقت أحلامه تحت قسوة الواقع. وإلى جانب ذلك، تكشف النهاية عن نقد اجتماعي وسياسي واضح للحروب وما تخلفه من تشرد وانهيار نفسي وفقدان للكرامة الإنسانية.

تنجح نهاية المسرحية في تجاوز حدود الحكاية الشخصية لتصبح صرخة إنسانية ضد الحروب والاغتراب، حيث يظهر “ماسح الأحذية” بوصفه صورة للإنسان الذي فقد كل شيء ولم يبقَ له سوى ذكرياته الممزقة. ولهذا جاءت النهاية مؤثرة ومفتوحة في آن واحد، لأنها لا تقدم حلاً بقدر ما تدفع المتلقي إلى التفكير في حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الإنسان العربي المعاصر