الأسرة بين التكنولوجيا ودفء العلاقات:حين اصبح الصمت الجماعي ابلغ من الكلام

الأسرة بين التكنولوجيا ودفء العلاقات: حين أصبح الصمت الجماعي أبلغ من الكلام

مقدمة
لو نلقي نظرة تأمل حول بيوتنا سنلاحظ العديد من الأشياء قد تغيرت ، لم تعد كما كانت : الطاولة واحدة ، و الاجتماع حولها موعد مقدس ، أين كنا نتقاسم اللقمة و الضحكة و الكلمة ، لكن ، اليوم كل وجه اقتطع تذكرة سفر نحو شاشة بين يديه حتى و إن كان يتناول لقمته . التكنولوجيا لم تدخل بيوتنا ضيفة ، بل غزتنا و باتت ساكناً دائماً معنا . السؤال لم يعد “هل تؤثر التكنولوجيا على الأسرة ؟” بل ” أي أسرة تبقى بعد هذا التأثير ؟ ”
_ كيف غيّرت التكنولوجيا ملامح العلاقات داخل البيت
+ من الحوار إلى الإشعارات
قبل عشرون سنة كان النقاش يدور حول : ” كيف قضيت يومك ؟ ” ، أما اليوم و للأسف يدور حول : ” من علّق على صورتك ، أو وضع إعجابا تحت منشورك ، أو كم حصدت من قلب تحته ؟ ” لقد أصبح الاهتمام موزعاً بين الحاضر الجسدي والغائب الرقمي : الأب يرد على الإيميل ، الأم تتصفح الوصفات و آخر صيحات الموضة ، الأبناء في تيك توك و على الانستغرام … والحديث العائلي اختصر في جملة تعاد تقريبا ثلاثة مرات في اليوم : ” الأكل جاهز “.
+ وهم القرب ووحشة البعد
التناقض الصادم : صرنا نتواصل أكثر ، ونشعر ببعض أقل . مجموعة الواتساب العائلية فيها ما يقارب أكثر من مائة رسالة يومياً ، لكن لا أحد يعرف من نام في وقته المعتاد و من لم ينم منذ يومين أو ثلاثة أيام ، التكنولوجيا قربت المسافات بين القارات ، وباعدت القلوب داخل البيت الواحد .
+ تآكل سلطة الأبوّة والأمومة
كان الأب هو محرك البحث بالبيت ، حين يُسأل عن أي شيء تجد عنده الإجابة و بإقناع ، إجابة انطلاقا من تجربة ، تغيرت محركات البحث ، اليوم طفل السبعة او الثمانية سنوات يصحح معلومة لأبيه باستعمال الذكاء الاصطناعي . هذا ليس سيئاً بذاته ؛ لكنه هزّ ميزان الخبرة والتجربة الطويلة . مما ولد الصراع بين ” قال الأولون ” و ” قال المؤثر الفلاني “.
الصورة التي نراها خطيرة جداً ،
أخطر ما فعلته الشاشة أنها صارت “مربية بديلة”. الطفل يبكي؟ نعطه الجوال مع موسيقى صاخبة و كرتون يشتت النظر و الذهن . الأم مرهقة ؟ افتح التلفاز على ” الأصدقاء الصغار ” … بمرور الوقت يتعلم الطفل أن الحل لأي توتر عاطفي هو هروب رقمي ، لا حضن ولا تبادل رأي و لا حتى كلام . فقد اختفت العديد من الطقوس نظنها صغيرة لكنها كبيرة في معانيها . الطقوس هي دفء الأسرة : أين قصة قبل النوم ؟ و قهوة الصباح مع الجدة و كل العائلة ؟ أين نحن و نقاش الجمعة و قراءة سورة الكهف ؟ أين تجمعنا في عطلة آخر الأسبوع لنغذي هذا الدفء ؟ نحن غبنا بإرادتنا و التكنولوجيا فتّتت هذه الطقوس إلى مقاطع لا تتعدى ثواني .
فيطرح سؤال كبير كلنا مطالبون بالإجابة عليه : هل التكنولوجيا عدو؟ حسب رأيي : لا . التكنولوجيا هي أداة ، كالسكين ، تقطع بها ما شئت كوسيلة تُساعدك أو أداة تؤذي بها ، فهي سلاح ذو حدين . المشكلة ليست في الشاشة ، بل في الغياب الذي تركته الشاشة . الأسرة التي كان حوارها ميتاً قبل الجوال ، سيكون ميتاً أكثر بعده . والتي كان دفؤها حياً ،ستستخدم الجوال لتقويه .
فهل من حلول عملية لنستعيد الدفء دون شيطنة التكنولوجيا ؟
لنبدأ برب العائلة حتى يكون القدوه و زوجته :
ساعة عل الأقل دون شاشات يومياً : ستون دقيقة تكون فيها الهواتف على وضع الطائرة ، ساعة للقهوة ، للحديث للعب و تبادل الآراء : ساعة بلا تصوير و لا نشر و لا تفاعل عساها تعيد شيئا من الدفء المفقود .
ثم الأبناء : الاستغناء عن الهواتف ساعة الأكل و من يخالف يعاقب عقوبة بسيطة : كتنظيف المطبخ و غسل الصحون بغض النظر عن الجنس .
مشاركتهم عوالمهم بدل المنع : اللعب ، مشاهدة ما يستسيغونه ، و السماح لهم بدخول عالمك كأب . و لما لا احداث ” ذاكرة رقمية ” تجمع صور العائلة تكون ذكرى طيبة في وقت من الأوقات .
الخاتمة :
و انطلاقا مما تقدم ، يصبح للأسرة طقوسا جديدة مشتركة تجعل من التكنولوجيا نعمة تجمع العائلة و ليست بنقمة تفرقها . نحن على وعي تام أن التكنولوجيا لن تخرج من بيوتنا . والسؤال ليس كيف نطردها ، بل كيف نجعلها خادمة للدفء لا قاتلة له الأسرة القوية في 2026 ليست الأسرة الخالية من الشاشات ، بل الأسرة التي تعرف متى تطفئ الشاشة لتشعل دفئا داخلها ، فالدفء قرار ، والقرار يبدأ حين نرفع رؤوسنا من الجوال ، ونقول لمن يجلس بجانبنا : ” احكي … فأنا أسمعك بكل انتباه “.
بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/تونس 🇹🇳