وجه الحقيقة ( المؤتمر الوطني من العزلة إلى العودة

إبراهيم شقلاوي كاتب ومحلل سياسي | سوداني

بعيداً عن ثنائية مع أو ضد، تبدو خطوة المؤتمر الوطني في باريس جديرة بالقراءة السياسية، فقد التقى وفد الحزب، مؤخرا، برئاسة مسؤول العلاقات الخارجية م. طارق حمزة، مسؤولين بوزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، بينهم مديرة شؤون أفريقيا والمحيط الهندي والمبعوث الفرنسي إلى السودان، لبحث تطورات البلاد ودعم السلام ، وعرض رؤية الحزب للمرحلة المقبلة.

توقيت اللقاء يمنحه دلالة مهمة . فهو يأتي بينما يتحرك المشهد السوداني باتجاه إعادة فتح المسار السياسي، وتتصاعد الاتصالات حول الحوار السوداني – السوداني ، في وقت رحب فيه الإتحاد الإفريقي بالمبادرة ودعا إلى توسيعها لتشمل القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، فيما بدأت لجنة تهيئة الحوار اتصالاتها مع الأطراف، بالتزامن مع تحرك الآلية الخماسية الدولية داخل الخرطوم للتشاور مع السودانيين.

وفقًا لذلك فإن خطوة الوطني تكتسب بعدها السياسي. فالحزب الذي ظل لسنوات في مرحلة كمون، خارج دائرة الفعل ،بعد ان أطاحت به ثورة ديسمبر 2019، بعد ثلاثة عقود من حكم البلاد، يبدو أنه بدأ يتحرك لإعادة بناء موقعه في المشهد، لمنع استبعاده من العملية السياسية التي تجري .

وهذه نقطة تستحق النظر. فالوطني وفق مواقفه المعلنة، يقول إنه لا يريد العودة إلى السلطة عبر ترتيبات انتقالية أو صفقة سياسية، وإنما عبر الانتخابات التي تمثل الطريق إلى الحكم، ويقدم نفسه باعتباره قوة سياسية تنتظر قرار الجماهير. وهذه الرؤية بصرف النظر عن الموقف منها، تعني أن معركة الحزب في هذه المرحلة ليست الوصول إلى السلطة، وإنما معركة حقه في أن يكون موجوداً ضمن المعادلة.

من هنا يمكن فهم التحرك الخارجي باعتباره محاولة لإستعادة الموقع قبل إستعادة النفوذ. فالحزب لا يريد على ما يبدو، أن ينتظر حتى تكتمل ترتيبات المرحلة المقبلة ثم يكتشف أن الخريطة السياسية قد رُسمت من دونه. ولذلك فإن إعادة فتح قنوات الاتصال بالخارج قد تكون جزءاً من إعادة تعريف نفسه أمام القوى الإقليمية والدولية باعتباره فاعلاً سياسياً له رؤية ومصالح وقواعد وخبرة، وليس مجرد بقايا نظام سابق.

ولعل الأدق أن الخارج ليس بوابة للعودة إلى السلطة، بل مساراً لاستعادة الحضور والشرعية السياسية. فالوطني، وإن ظل يؤكد أن شرعيته تستمد من الشعب وصندوق الانتخابات، تدفعه براغماتية المرحلة إلى كسر العزلة وفتح قنوات خارجية. ومن هنا تعد باريس مؤشر على التموضع والانتقال من العزلة إلى دائرة الفعل والتأثير، وربما تكون خطوة ضمن تحرك أوسع للتواصل مع عواصم وقوى أخرى استعداداً للمرحلة المقبلة.

والأهم أن الحزب لا يدخل هذا المسار بلا رصيد من الخبرة السياسية والتفاوضية. فمع اختلاف السودانيين حول تجربة حكمه ومسؤوليته عن أزمات الدولة، تظل ثلاثون عامًا في إدارة الحكم قد راكمت لديه خبرات في التفاوض وإدارة النزاعات. والأكثر دلالة أن حكوماته لم تتردد، حين اقتضت مصلحة التفاوض، في الاستعانة بالخبرات والوساطات الدولية والإقليمية، من نيفاشا وأبيي إلى دارفور والمنطقتين. وهو ما يكشف أن التعاطي مع الخارج، ظل أداة براغماتية لتوفير الخبرة الفنية وفتح مسارات للحلول، مع بقاء القرار السياسي بيد الأطراف السودانية.

وهذه الخبرة لا تمنح الحزب صكاً بالبراءة السياسية، ولا تعني أن تجربته السابقة ينبغي أن تُعاد إنتاجها، لكنها تمثل رصيداً تفاوضياً لا يمكن تجاهله إذا كان الحوار المقبل يبحث فعلاً عن معرفة كل مكونات الأزمة وتجاربها. فالخبرة شيء، والشرعية شيء آخر، والخبرة يمكن أن تكون موضع استماع ونقاش، بينما الشرعية السياسية تُحسم بالقانون وبإرادة المواطنين.

وهنا يبرز قضية مهمة لمستقبل البلاد هل تُبنى العملية السياسية على الإقصاء المسبق أم على معايير قانونية تسري على الجميع؟ فثقل إرث المؤتمر الوطني لا يلغي قضايا المسؤولية، كما أن الحوار لا ينبغي أن يكون ستاراً لتجاوزها. لكن تحويل الإقصاء إلى قاعدة خارج حكم القانون لا يصنع ديمقراطية، فالمعيار العادل هو قواعد تحكم المشاركة والمساءلة.

وهنا يجب الفصل بين ثلاثة أمور كثيراً ما تختلط في الخطاب السياسي السوداني: المشاركة السياسية، والمساءلة القانونية، والوصول إلى السلطة. المشاركة لا تعني التبرئة، والمساءلة لا تعني بالضرورة الإعدام السياسي، والمشاركة في الانتخابات لا تعني ضمان الفوز. ومن الخطأ تحويل الحوار إلى محكمة سياسية، كما من الخطأ استخدام الحوار لإسقاط حق العدالة.

إذا أراد المؤتمر الوطني العودة، فعليه أن يُكمل مراجعات تجربته ويوحّد صفه قبل أن يطالب بموقعه، فالعودة لا تكون باستعادة الماضي، بل بالتحول من حزب ارتبط بالدولة إلى حزب يتنافس داخلها، ويخضع للنقد والمحاسبةويخاطب أجيالًا جديدة. وفي المقابل، لا ينبغي أن يُقصى إلا بمعايير القانون والدستور، لا بإرادة الخصوم. وهنا اختبار الحوار، إما إعادة إنتاج صراع النخب، أو تأسيس عدالة تُحسم بالانتخابات وثقة الشعب.

ومن هذه الزاوية، يبدو تحرك الوطني في باريس سعياً للتأثير في قواعد المرحلة المقبلة وتثبيت حضوره السياسي، لا انتظاراً لطريق العودة إلى السلطة. فمعركته اليوم هي استعادة موقعه في الساحة عبر خطاب جديد، ومراجعة تجربته، والقبول بمنافسة مفتوحة وحكم الصندوق. فالعودة لا يمنحها الماضي ولا تصنعها التسويات، بل تحسمها السياسة: السلاح للدولة، والسياسة للحوار والانتخابات، والجرائم للعدالة، والقرار للشعب.

بحسب #وجه_الحقيقة، فإن ما يجري ليس عودةً إلى السلطة بقدر ما هو خروج تدريجي من العزلة وإعادة تموضع في المشهد السياسي. غير أن العودة الحقيقية لن تصنعها العلاقات الخارجية ولا الخبرة التنظيمية، بل القدرة على تقديم مشروع للمستقبل والتنافس على ثقة الناس. فالسؤال لم يعد: هل عاد المؤتمر الوطني؟ وإنما: هل يستطيع أن يعود إلى السياسة دون أن يعود بالسودان إلى الماضي؟ هنا تكمن المعركة الحقيقية في سودان ما بعد الحرب.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 9 سبتمبر 2026م. [email protected]
#وجه_الحقيقة #إبراهيم_شقلاوي #المؤتمر_الوطني #من_العزلة_إلى_العودة #الحوار_السوداني #السودان #المشهد_السياسي #الانتخابات #مستقبل_السودان #السودان_ما_بعد_الحرب