
شعرية الفقد وفينومينولوجيا الغياب
شعرية الفقد وفينومينولوجيا الغياب:
قراءة في تقاطعات الذات والأشياء في نص:
“همس الغياب” للشاعرة: رشا هشام.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
قراءة الناقد/ عبد المجيد بَطالي.
==============
ما قبل القراءة:
========
تقوم هذه القراءة النقدية على استنطاق ما وراء النص، مُحاولةً تحويل التجربة الوجدانية إلى بنية معرفية قابلة للتحليل والتأويل الرصين. وقبل البدء في محاورة البنيات اللغوية والأنساق الدلالية للنص لابد من توضيح مهم للمفاهيم الإجرائية المعتمدة.
…………………………..
تحديد المفاهيم الإجرائية:
==============
1) مفهوم شعرية الفقد:
…………………………………….
تعتبر “شعرية الفقد” آلية إجرائية من الآليات الجمالية واللغوية التي تحوّل مفهوم “الغياب” من حالة سلبية إلى حالة إبداعية، أي من حالة (فراغ وجداني) إلى حالة (امتلاء نصي)، لإنها تشتغل على استحضار المفقود عبر اللغة، لتصبح الكلمة بديلاً عن الجسد الغائب، وتغدو القصيدة محاولة لترميم التصدّعات التي تركها الرحيل في جدار الروح.
………………….
2) مفهوم فينومينولوجيا الغياب:
=================
إنّ مصطلح “الفينومينولوجيا” أو “الظاهراتية”، هي منهج يدرس الظواهر كما تتبدى للوعي الإنساني، وفي هذا السياق يُنظر إلى “الغياب” باعتباره حضورا مكثفا في الوعي الذاتي، إنها دراسة الكيفية التي يوجد بها الغائب في تفاصيل الوجدان، وكيف يُعاد إدراك العالم وتفسيره بناءً على هذا الغياب الذي يصبح بؤرة أو عدسة نرى من خلالها الأشياء بتفاصيلها المملة.
……………….
3) مفهوم تقاطعات الذات والأشياء:
===================
يشير هذا المفهوم من خلال نص الشاعرة (رشا هشام) إلى اختفاء الحدود بين “الأنا” الشاعرة وبين “الموضوعات” الخارجية، وفي لحظات الصدمة الوجودية، تكفّ الأشياء عن كونها جمادات؛ حيث تصبح “فناجين القهوة” شريكة في الانتظار، و”الأطباق” شريكة في العبء، و”البيت” شريك في اليتم، فيتشكّل اندماج شعوري، يجعل انكسار الشيء الخارجي مرادفاً لانكسار الذات الداخلية، وهو ما يظهر في قولها:
“كنتُ كلّما عبرتُ الممرَّ
أخافُ أن أدوسَ على ظلهِ
فأوقظهُ من غيابه الثقيل
كنتُ أعدُّ فناجينَ القهوةِ
وأتركُ واحدًا لهُ”
……….
“وحينَ توقفتا
تراكمت عليّ الحياةُ
كأطباقٍ لا تنتهي
ووقفتُ أمامها
طفلةً لا تعرفُ كيف تنظّفُ وجعها” [النص]
……………….
مقدمة القراءة:
========
تنفتح قصيدة “همس الغياب” للشاعرة سمية قدور على أفق مأساوي يعيد صياغة سيرة الذات عبر محطات الفقد المتلاحقة، حيث يقدم هذا النص تشكيلاً مكانياً ونفسياً للوجع؛ يتقاطع فيه الذاتي بالكوني، والطفولة بالكهولة المباغتة، كما تسعى هذه القراءة إلى تقصي الكيفية التي استطاعت بها الشاعرة تحويل “الأشياء” إلى شواهد حية على “الغياب”، لتخترق الصمت الكامن في ثنايا البيت والحطام النفسي الذي يتراكم خلف رحيل الأصول (الأب والأم)، وصولاً إلى مرحلة التخلي الكلي التي تمثل ذروة الاغتراب الوجودي.
…………
في مقاربة النص:
==========
مدخل منهجي للفينومينولوجيا وتقاطعات الأشياء:
=========================
تتأسس قراءة نص “همس الغياب” للشاعرة: (رشا هشام) على استحضار البعد الفينومينولوجي المتعلق بدراسة تجربة الذات في العالم؛ حيث يتجلى الحزن في هذه القصيدة بوصفه حالة مادية ملموسة، تعيد تعريف علاقة الشاعرة بمحيطها، إذ تتماهى ذات شاعرة مع الأشياء المحيطة بها؛ حيث يصبح كل من “المشجب، والباب، وفناجين القهوة، والأطباق” امتدادات حيوية لجسد الشاعرة ووعيها المنكسر.
يتقاطع الوجدان مع المادة في هذا النص ملغياً المسافة بين “الأنا” و”الموضوع”؛ فيستحيل انحناء الضوء في عين الأم تجسيداً لانحناء الروح تحت وطأة الوجود، ويغدو “خلع القلب” فعلاً وجودياً يشبه نزع الأشياء من مقرِّها الأصلي. هذا التداخل يؤكد “فينومينولوجيا الغياب”، حيث يمتلئ الفراغ الذي خلّفه الراحلون بكثافة مادية تجعل من الجمادات شريكة فعلية في تجارب اليتم والارتحال، وبناءً على هذا التلازم الوثيق بين الوعي والمادة، تتشكل محاور القراءة وفق المسارات الآتية:
============
أولا: الوجود المؤجل والباب الموارب:
============
تبدأ القصيدة بفعل “كبرتُ” الذي يسبق أوانه الطبيعي، مما يوحي بخلل في التراتبية الزمنية ناتج عن صدمة غياب الأب، يبرز “الباب نصف المفتوح” و”المشجب”، باعتبارها رموزا للانتظار الميتافيزيقي؛ فيلاحظ المتلقي للنص، أن “الغياب” قد ظل عالقاً بوصفه جملة لم تنتهِ بعد، تعيش الذات في برزخ بين “التصديق” و”الإنكار”، ويتجلى ذلك في طقس “فنجان القهوة الزائد”، وهو فعل مقاومة جمالي يرفض التسليم بالرحيل الفيزيائي.
=============
ثانيا: الانكسار الضوئي والثقل الوجودي:
=============
ينتقل النص إلى مستوى آخر من الفقد برحيل الأم، وهنا يتغير نوع الثقل الوجودي، إذا كان غياب الأب قد ترك “فراغاً”، فإن غياب الأم ترك تراكما وجوديا، تتحول من خلاله الحياة إلى “أطباق لا تنتهي”، وهي استعارة مدهشة تحول الواجبات اليومية البسيطة إلى عبء وجودي تنوء بحمله “الطفلة” القابعة في أعماق الشاعرة، وإن عجز الذات عن “تنظيف وجعها”، يعكس وصول الفقد إلى مرحلة الاستعصاء على الصفاء والتطهير.
=============
ثالثا: المكان اليتيم والاعتذار للحطام:
=============
يتحول البيت من مأوى يحيل على الاستقرار إلى كيان مصاب باليتم، تمارس فيه الشاعرة طقوس فعل الاعتذار للأشياء المحطمة، وهو ما يعكس قمّة الالتحام بين الذات/ والموضوع؛ فالشاعرة ترى نفسها في تلك الأشياء، وتعتذر لحطامها الشخصي من خلال الاعتذار لحطام البيت، هذا المسلك النقدي يكشف للقارئ عن تحول العالم الخارجي إلى مرآة مهشمة تعكس ملامح الذات المنكسرة.
=============
رابعا: استراتيجية “الخلع” والنجاة الخاسرة:
=============
تصل القصيدة إلى قمّتها الدرامية في مشهد “خلع القلب”، هنا تتخذ الذات قراراً بالانفصال عن مركز إحساسها، هرباً من “اللعنة” التي تستعيض كل حب بذكرى مؤلمة، إن “الخفة” التي تزعمها الشاعرة في الختام هي خفة “العدم”، لا خفّة التحرر، فالنجاة هنا تتجلى بوصفها خسارة كبرى؛ فلكي تنجو الذات من الوجع، كان لا بد عليها أن تترك “نفسها” هناك، مما يجعل الخاتمة نهاية درامية كونها إعلاناً عن تشظي الهوية وضياع “الشبيه” الأول.
=============
خامسا: نسقية القصيدة: معمارية التشظي والتوازي:
=============
تتأسس بنية القصيدة على “نسق تكراري” يعمل كخيط ناظم للشتات الوجداني؛ حيث نلاحظ توازيًا بنائيًا يبدأ بفعل الفقد الأول (الأب) وصولاً إلى الفقد الثاني (الأم)، هذا النسق هو بناء لولبي يتسع مع كل تجربة؛ فالفقد في المقطع الأول كان “معلقا” (المشجب، الباب نصف المفتوح)، بينما في المقطع الثاني أصبح “متراكماً” (الأطباق، الحياة)، تبرز نسقية النص أيضاً في الانتقال من “أنا الطفلة” التي تخاف الدوس على الظل، إلى “أنا الكبيرة” التي تخلع قلبها وتمضي، إن هذا النسق المعماري يجسد حالة الحصار الوجودي، حيث يصل النص إلى الانغلاق على نفسه في الختام، مؤكداً أن الحركة الوحيدة الممكنة هي الحركة نحو “الخسارة” بوصفها قدرا حتميا.
سادسا: تيمة الغياب وتحولات “الأنا”: من الانتظار إلى الاغتراب:
يتجلى الغياب في النص عبر قوة تعمل على تحريك وتغيير كيان الشاعرة على اعتبار أنه، “محول كيميائي” للهوية، ويمكن رصد ثلاث تحولات نفسية كبرى أحدثها الغياب في ذات الشاعرة:
التحول من الدهشة إلى الخوف: في البداية كان الغياب لغزاً (جملة لم تكتمل)، ثم تحول إلى خوف مرضي من “اللمس” و”الاستيقاظ على فراغ”.
التحول من الرعاية إلى المسؤولية: غياب الأم نَقل الذات من كينونة “المغسول عنها العالم” إلى ذات “تتراكم عليها أطباق الحياة”، وهو تحول من حالة “المركز” إلى حالة “الهامش المثقل”.
===============
الانتقال من الكثافة إلى الذوبان في الفراغ:
===============
وفي هذا المسار يلاحظ كيف يغدو الغياب “لعنة” تذيب الآخرين كالشمع، مما دفع الذات الشاعرة إلى حالة من “الاغتراب الجذري”، (أخلع قلبي.. وأمضي)، هنا يصل التحول النفسي إلى منتهاه؛ حيث تصبح الذات غريبة عن نفسها، وتتحول من كائن يبحث عن الأنس والألفة إلى كائن يمارس “النجاة بالفقد” طلباً للخفة من وطأة الذاكرة.
========
خاتمة الدراسة:
========
تخلص الدراسة إلى أن نص “همس الغياب”، يمثل معماراً شعرياً قائماً على فلسفة التخلي القسري، استطاعت عبره اللغة الشعرية أن تجسّد “الغياب” ليكون ملموساً ومرئياً عبر الأشياء، محولةً بذلك التجربة الذاتية إلى رؤية كونية حول هشاشة الوجود الإنساني، فـ “النجاة” في هذا السياق لم تكن إلا وجهاً آخر للفقد، حيث انتهت الرحلة بذات “خفيفة” من الأمل، لكنها “ثقيلة” بوعي الخسارة، حيث تظل القصيدة شاهدة على قدرة الكلمة في تغيير “الهمس” الجريح إلى “صخب” وجودي يضع القارئ وجها لوجه أمام حقيقة أن الإنسان يكبر فقط حين يفقد ما كان يشبهه.
==========
نص القصيدة: همس الغياب.
الشاعرة: رشا هشام.
==========
“كبرتُ قبل أن يكتمل اسمي في فم الطفولة
حين غابَ أبي
تركَ صوتهُ معلّقًا على مشجب المساء
وتركَ البابَ نصفَ مفتوحٍ
كأنّه سيعودُ ليكملَ الجملة
ولم يفعل
كنتُ كلّما عبرتُ الممرَّ
أخافُ أن أدوسَ على ظلهِ
فأوقظهُ من غيابه الثقيل
كنتُ أعدُّ فناجينَ القهوةِ
وأتركُ واحدًا لهُ
كي لا يشعرَ أنني صدّقتُ الرحيل.
ثم كبرتُ أكثر
حينَ تعبتْ أمّي
وانحنى الضوءُ في عينيها
كانت يداها
تغسلانِ العالمَ عن كتفيّ
كلَّ مساء
وحينَ توقفتا
تراكمت عليّ الحياةُ
كأطباقٍ لا تنتهي
ووقفتُ أمامها
طفلةً لا تعرفُ كيف تنظّفُ وجعها
رحلتْ
فصارَ البيتُ يتيمًا
وأنا أكبرُ من احتماله
أمشي فيهِ
كمن يمرُّ بين أشيائهِ المحطّمة
ويعتذرُ منها.
بعدهما
لم يعد أحدٌ يقتربُ مني
إلا ويذوبُ كشمعةٍ في ريحي
كأنّ في صدري لعنةً
تحوّلُ الدفءَ إلى غياب
وكلّ من أحبّ
يتحوّلُ إلى ذكرى
تؤلمني حين ألمسها
أخافُ أن أحبّ
فأفقد
أخافُ أن أطمئنّ
فأستيقظُ على فراغٍ جديد
حتى صرتُ أعدُّ الذينَ حولي
كما تُعدُّ المدنُ خسائرها بعد الحرب.
أنا المصابةُ بإحساسٍ حادّ
إذا همسَ لي بأن مكاني اهتزّ
أخلعُ قلبي بهدوء
أتركهُ على أقرب طاولةٍ
وأمضي
خفيفةً كأنني نجوت
ثقيلةً كأنني تركتُ نفسي هناك
صرتُ أعرفُ
أن النجاةَ لا تعني البقاء
وأنني كلّما نجوتُ
فقدتُ شيئًا آخر
كان يشبهني!”







