
قراءة نقدية في ثلاثية ققج حفاة المدن للقاصة الهام عيسى بقلم الناقدة سعيدة بركاتي
قراءة نقدية في ثلاثية ققج للإعلامية إلهام عيسى/سوريا
بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس
حفاة المدن : الحافي الذي هزم المدينة بكلماته وصمته
قراءة في ثلاث قصص قصيرة جداً تنتقل من الهجرة إلى الإبداع ثم الابتهال
___________
المدخل : فلسفة الحفاء في وجه المدينة
حين يخلع الإنسان نعليه ويمشي في المدينة ، فهو لا يعلن عوزه المادي فحسب ، بل يعلن تمرده الوجودي : الحفاء فعل كشف : كشف للجرح ، وكشف للأرض ، وكشف للمعنى .
“” في مفهوم الحفاء كرمز أدبي :
الحفاء في التراث العربي والإسلامي يحمل دلالة التجرد من الدنيا والاتصال المباشر بالأصل (طين الأرض ) . ارتبط بخلع النعلين عند الاقتراب من المقدس ، كما في قوله تعالى: “فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى” طه: 12.””
فالمدينة بصلابتها وأسفلتها وناطحاتها نظام قيم مادي يقصي الروح ، فلا يملك من يبحث عن الطهر إلا أن يمشي حافياً حتى تتصل مساماته بالتراب مباشرة . من هذه العتبة تنطلق ثلاث قصص قصيرة جداً يشكل عنوان الأولى “حفاة المدن” مفتاحها التأويلي . ليست مجرد نصوص منفصلة ، بل ثلاث محطات في رحلة عبور واحدة : من الهجرة إلى الإبداع ، ثم إلى الابتهال . وفي كل محطة يهزم الحافي المدينة بسلاح مختلف ، حتى يصل في النهاية إلى حيث لا تصل المدينة بكل ضجيجها .
#القراءة :
_________
القصة الأولى : حفاة المدن :
على أجنحة الغياب قطعوا تذاكر سفر على غير موعد. وحدهم من يملكون جواز العبور إلى مملكة السماء. مشوا حفاة في مدينة الطهر، بمسامات جائعة. كانت كتبهم سلاحًا، وأحلامهم مدافع من نور، وكلماتهم بيارق مرفوعة.
تُفتتح القصة بفعل مباغت يكسر الزمن اليومي : ” على أجنحة الغياب قطعوا تذاكر سفر على غير موعد ” . الغياب هنا ليس موتاً ، بل قرار مغادرة لنظام المدينة . والمفارقة المؤسسة لنص القصة كله أن هؤلاء العراة من متاع الدنيا هم وحدهم ” من يملكون جواز العبور إلى مملكة السماء ” . فما يبدو نقصاً يتحول إلى امتياز روحي .
المشهد الرئيس في القصة : ” مشوا حفاة في مدينة الطهر ، بمسامات جائعة “. القاصة لا تكتفي بالقدم الحافية ، بل تصعد بالتجرد إلى المسام ، أي إلى أضيق مساحة في الجسد ، هذه غاية التعرّي من المدينة وتلوثها . وسلاحهم ليس من جنس سلاح المدينة : ” كانت كتبهم سلاحاً، وأحلامهم مدافع من نور ، وكلماتهم بيارق مرفوعة ” : معركة روحية بامتياز : الكلمة ضد الحجر / الحلم ضد الخرسانة / النتيجة محسومة سلفاً : من يملك ” جواز السماء ” لا تهزمه شوارع الأرض . فوظيفة هذه المحطة هي : تأسيس قانون الرحلة : الحافي لا يهرب / يهاجر / هجرته قداسة لا نفي .
_________
القصة الثانية : قوس قزح :
البرق يخطف منها آخر الأمنيات. تلتف حول الضوء، وتمشي على أنقاض العالم. أمسكت ريشتها، فرسمت قوس قزح. دوّنت العالم بملامحها؛ هي وحدها، دون العالمين .
إذا كانت القصة الأولى تحكي هجرة الجماعة ، فالثانية تحكي فعل الفرد : الزمن هنا ما بعد الكارثة : ” البرق يخطف منها آخر الأمنيات ” : عنف السماء يقابل عناد الأرض : لكن الحافية لا تنكسر بل ” تلتف حول الضوء ، وتمشي على أنقاض العالم ” : فالحفاء هنا يتحول من هروب إلى ثبات على الجرح / قدماها على الرماد / لكن عينيها على الضوء .
ذروة نص القصة فعل خلق صرف : ” أمسكت ريشتها ،فرسمت قوس قزح ” : هنا قوس القزح ليس ظاهرة مناخية ، بل عقد جمالي تعقده الذات المبدعة مع الدمار : هو وعد جديد بعد طوفان المدينة : حيث تتوج القصة بجملة التفرد المطلق : ” دوّنت العالم بملامحها ؛ هي وحدها ، دون العالمين ” : من حفاة يغادرون في القصة الأولى ، إلى حافية تؤسس عالماً بديلاً بريشتها . فكانت القصة : إثبات أن الحافي بعد أن يهجر المدينة ، لا يكتفي بالنجاة ، بل يشرع في البناء و يرسم سماءه الخاصة .
” فرمزيته في القصة هو عقد مع الحياة :
قوس القزح في الثقافات التوحيدية رمز للعهد بين الخالق والمخلوق بعد الطوفان. توظيفه هنا بعد “البرق الذي يخطف الأمنيات” هو استدعاء مباشر لنموذج الطوفان/النجاة وتحويله إلى فعل إنساني : الأنثى ترسم العهد بريشتها ”
__________
القصة الثالثة : صمت المحراب
على ضفاف التوق، حيث لا شيء يروي الظمأ، كان النهر ينشق نصفين كلما لامسته عصاه. في الأفق مدّ يديه، تلامسان عباب السماء، لعل قُطبًا يأويه. وأرواح تحلق معه، يصطفون جميعًا في محراب صلاة صامتة.
تحول القاصة النص من ” كلمات بيارق ” إلى ” صلاة صامتة ” فهي تُطبق “” نظرية “صمت ما بعد الكلام” عند موريس بلانشو : هناك لحظة تبلغ فيها اللغة حدها فتصمت ، ويصبح الصمت هو الدلالة الأقصى .””
اعتبر كقارئة هذه القصة خاتمة الرحلة وزمنها زمن التوق الأبدي : ” على ضفاف التوق، حيث لا شيء يروي الظمأ ” : بعد المغادرة والخلق ، تأتي لحظة السكون : المعجزة تتكرر لكن بصيغة إنسانية متجردة : “النهر ينشق نصفين كلما لامسته عصاه ” إحالة إلى سيدنا موسى ( التناص الديني في القصة ) ، لكن العصا هنا بيد الحافي العادي ، لا النبي : فكل من وصل لهذه المرحلة أصبح قادراً على شق بحر يأسه .
المشهد الأخير هو قمة التجرد : ” في الأفق مدّ يديه ، تلامسان عباب السماء، لعل قُطباً يأويه ” . محاولة اللمس المباشر للمركز / للغاية . لتختم القصة بجمع الشتات في طقس صامت : ” وأرواح تحلق معه، يصطفون جميعاً في محراب صلاة صامتة ” : ف الصمت هنا ليس عجز اللغة ، بل ذروتها : بعد أن قالت الكتب كل شيء في القصة الأولى ، ورسمت الريشة كل شيء في القصة الثانية ، لم يبق إلا الصمت كلغة للمحراب المفتوح على السماء في القصة الثالثة . فالقصة كانت محطة الوصول : الحافي الذي بدأ بتذكرة سفر ، انتهى بمحراب : المدينة بقيت خلفه ، والسماء أصبحت موطنه .
فماهي العلاقة بين الثلاثية ؟
تربط القصص الثلاث علاقة تصاعدية ، فكل قصة تُبني على سابقتها ( عبقرية القاصة في ترتيب القصص ) و تحول معنى ” الحفاء ” إلى مستوى أعمق : يمكن تتبع هذا المسار عبر محطات التحول كما يلي :
في “حفاة المدن” يكون الفعل الأساسي هو المغادرة في زمن القطع المفاجئ ، والمكان انتقال من المدينة إلى أعتاب السماء ، فيتحول الحافي من مجرد ساكن في المدينة إلى مهاجر مقدس يحمل سلاح الكلمة والكتاب . ثم في ” قوس قزح ” ينتقل الفعل إلى الإبداع في زمن ما بعد الكارثة ، والمكان يصبح فوق الأنقاض مباشرة ، فيتحول الحافي من مهاجر إلى خالق يرسم العهد الجديد بريشته . وأخيراً في “صمت المحراب” يصبح الفعل هو الابتهال في زمن التوق الأبدي ، والمكان على ضفاف السماء المفتوحة ، فيتحول الحافي من خالق إلى مصلٍ صامت تكتفي روحه بالإشارة دون كلام .
وهكذا يختبر العنوان ” حفاة المدن ” نفسه بثلاثة معانٍ متتالية : حفاء الجسد أي التجرد من متاع المدينة وأثقالها ، ثم حفاء الروح أي المشي على جرح العالم وأنقاضه دون أن تتلوث الروح ، وأخيراً حفاء اللغة أي الصمت في المحراب بعد أن استنفدت الكلمة والريشة كل ما عندهما .
فيتضح جليا مما تقدم أن هذه الثلاثية تثبت أن المدينة لا تُهزم بالمواجهة المباشرة ، بل بالتجرد منها : “حفاة المدن” ليسوا ضحايا الحضارة بل شهودها الحقيقيون وهاربوها الأذكياء ، مشوا بلا نعال فنجوا من ألغامها ، وحملوا كتبهم فانتصروا على ضجيجها ، ورسموا قوس قزح فأسسوا عالمهم ، وأخيراً صمتوا فبلغوا السماء . وهكذا تُعلن الثلاثية أن التجرد ليس خسارة ، بل جواز العبور الوحيد من ضجيج الأسفلت إلى سكينة الضوء . فمن مشى على جرح العالم بقدمين عاريتين ، هو وحده من استحق أن يقف في المحراب الأخير ، يصلي صامتاً وتحت قدميه مدن بأكملها ، فالثلاثية انتصار ” الحافي و العاري ” .
بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/تونس
__________
#المراجع :
https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura20-aya12.html
https://www.baheth.info/all.jsp?term=%D8%AD%D9%81%D9%8A
https://www.egyptianbook.org/
https://repository.ksu.edu.sa/handle/123456789/14989
https://archive.org/details/spaceofliteratur0000blan
https://surahquran.com/aya-18-sora-20.html
https://www.darsaqi.com/Author/Adonis
nourelmarifa.com
https://mjaf.journals.ekb.eg/article_150247.html





