بين النص والذاكرة تجربة متجددة مع الاسود يليق بك لاحلام مستغانمي بقلم الناقد د طارق لعرابي

بين النص والذاكرة
تجربة متجددة مع «الأسود يليق بك» لأحلام مستغانمي.
رواية لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة

على
د.طارق لعرابي الجزائر
قبل الحديث عن تجربتي الخاصة مع «الأسود يليق بك»، لا بد من الإشارة إلى أن أحلام مستغانمي تُعد من الأصوات الأدبية التي استطاعت أن تمنح الرواية العربية المعاصرة خصوصية أسلوبية وجمالية لافتة. فهي لا تكتب الحكاية بوصفها تسلسلًا للأحداث فحسب، بل تجعل من اللغة نفسها فضاءً للتأمل وإعادة اكتشاف الذات. وفي نصوصها تتجاوز الكلمات وظيفتها التعبيرية التقليدية لتصبح حاملة للذاكرة والأسئلة والمشاعر الإنسانية العميقة.
لقد نجحت مستغانمي في بناء مشروع أدبي يقوم على المزاوجة بين الشعرية والسرد، حيث تتداخل الصور اللغوية المكثفة مع الرؤية الفكرية في نسيج واحد. ولذلك لا يغادر القارئ أعمالها محمّلًا بالأحداث فقط، بل مثقلًا بالتأملات والأسئلة التي تستمر في مرافقته طويلًا بعد انتهاء القراءة. ومن هنا يمكن فهم المكانة التي تحتلها أعمالها في الوجدان العربي المعاصر، بوصفها نصوصًا قادرة على مخاطبة العقل والوجدان في آن واحد.
لعل أكثر ما يفسر عودتي المستمرة إلى هذه الرواية هو أنها لم تعد بالنسبة إليّ مجرد نص أدبي أقرأه في أوقات الفراغ، بل أصبحت رفيقًا فكريًا ووجدانيًا أعود إليه كلما أردت أن أستعيد شيئًا من هدوئي الداخلي أو أن أتأمل بعض الأسئلة التي تفرضها الحياة على الإنسان. فعندما أجلس أمام البحر حاملاً الرواية بين يديّ، أشعر وكأن المشهد كله يتحول إلى حوار صامت بين المكان والنص والذات؛ زرقة الماء الممتدة أمامي تستدعي اتساع المعاني التي تحملها الرواية، وحركة الأمواج المتواصلة تذكرني بتقلبات الحياة التي لا تستقر على حال، بينما تبقى بعض القيم الراسخة، كالكرامة والوفاء والصدق مع الذات، ثابتة في مواجهة كل المتغيرات.
وفي كل مرة أعيد قراءة الرواية، أكتشف أنني لا أبحث عن الأحداث بقدر ما أبحث عن نفسي بين السطور. فهناك عبارات أتوقف عندها طويلًا لأنها تلامس تجارب إنسانية عشتها أو مشاعر مررت بها في مراحل مختلفة من حياتي. وقد أجد في جملة واحدة ما يعادل ساعات من التأمل، لأنها تمنحني زاوية جديدة لفهم موقف قديم أو إحساس ظل عالقًا في الذاكرة. وهكذا تتحول القراءة من فعل ثقافي إلى تجربة وجودية أراجع من خلالها علاقتي بالحياة وبالناس وبالزمن.
إن القيمة الحقيقية لهذه الرواية تكمن في قدرتها على مرافقة القارئ في مراحل عمره المختلفة؛ فالمعاني التي يلتقطها المرء في قراءة أولى ليست هي ذاتها التي يدركها بعد سنوات من التجارب والخبرات. لذلك أشعر أن الرواية تتجدد كلما تجددت رؤيتي للعالم، وكأنها نص حيّ يرفض أن يُستنفد أو يُختزل في تفسير واحد. فكل مرحلة من مراحل العمر تضيف إلى القراءة بعدًا جديدًا، وتجعل القارئ أكثر قدرة على استيعاب ما تختزنه الكلمات من دلالات نفسية وإنسانية عميقة.
ومن هذا المنطلق، أصبحت «الأسود يليق بك» جزءًا من ذاكرتي القرائية والوجدانية، لا لأنها رواية ممتعة فحسب، بل لأنها تمثل نموذجًا للأدب الذي ينجح في إقامة علاقة مستمرة مع قارئه. فكل عودة إليها تشبه العودة إلى مكان مألوف يحمل في تفاصيله شيئًا من الطمأنينة وشيئًا من الحنين. إنها لا تمنحني متعة القراءة فقط، بل تدفعني إلى مراجعة أفكاري ومواقفي ونظرتي إلى الحياة، وتذكرني بأن الإنسان لا يُقاس بما يملكه من نجاحات أو مكاسب، بقدر ما يُقاس بقدرته على الحفاظ على قيمه في لحظات الاختبار.
ولهذا أجدني، كلما أغلقت صفحات الرواية، لا أشعر بأنني أنهيت قراءة كتاب، بل كأنني أنهيت جلسة حوار عميقة مع نفسي. أرفع بصري نحو الأفق الممتد أمام البحر، وأدرك أن بعض الكتب لا تُقرأ مرة واحدة ثم تُنسى، بل تصبح جزءًا من التكوين الفكري والوجداني للإنسان. وتبقى هذه الرواية، على وجه الخصوص، شاهدًا على قدرة الأدب الرفيع على ملامسة أعماق النفس الإنسانية، وإثارة أسئلة لا تنتهي حول الحب والكرامة والوفاء ومعنى أن يبقى الإنسان وفيًّا لذاته مهما تغيرت الظروف وتعاقبت الأزمنة.