
المنتخب الوطني بين إدارة الأزمة وصناعة المستقبل تشخيص الأزمة المدخل الحقيقي لإصلاح منظومة كرة القدم الجزائرية
الدكتور أحمد بوسكرة
أستاذ الإدارة والتسيير الرياضي
جامعة مسيلة -الجزائر
المقال الرابع
لقد كشف الخروج من كأس العالم 2026 عن حالة من الجدل الواسع داخل الأوساط الرياضية والإعلامية الجزائرية، وتعددت التفسيرات بين من أرجع الإخفاق إلى الجهاز الفني، ومن حمّل المسؤولية للاعبين، ومن رأى أن الخلل يكمن في طريقة تسيير الاتحاد الجزائري لكرة القدم، بينما يرى آخرون أن الأزمة تتجاوز الجوانب الفنية لتشمل عوامل مرتبطة بالاتصال الرياضي، وتأثير وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وطبيعة العلاقات داخل المنظومة الكروية، وهو ما يستدعي قراءة علمية موضوعية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والانطباعات الآنية.
ومن منظور الإدارة الرياضية الحديثة، فإن أول خطوة في إدارة أي أزمة لا تتمثل في اتخاذ قرارات سريعة أو البحث عن مسؤول، وإنما تبدأ بالتشخيص العلمي الدقيق للأزمة، والكشف عن أسبابها الحقيقية، المباشرة وغير المباشرة.
فالإدارة الرياضية الحديثة تقوم على مبدأ أساسي مفاده أن جودة القرار ترتبط بجودة التشخيص؛ فلا يمكن التخطيط للمستقبل وبناء مشروع إصلاحي ناجح دون فهم دقيق للعوامل التي أدت إلى الإخفاق.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من التساؤلات التي ينبغي أن تكون منطلقًا لأي عملية إصلاح:
– هل تمتلك الاتحادية الجزائرية لكرة القدم آليات مؤسسية لإجراء تقييم شامل بعد كل مشاركة دولية؟
– هل توجد لجنة دائمة أو هيئة مستقلة تتولى التقويم الذاتي، وتحليل الأداء، واستخلاص الدروس؟
– هل تعمل الاتحادية وفق مخطط استراتيجي واضح يتضمن أهدافًا محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس تسمح بتقييم مدى تحقيقها؟
إن طرح هذه التساؤلات لا يهدف إلى البحث عن مسؤول أو تحميل طرف بعينه تبعات الإخفاق، وإنما يمثل المدخل العلمي لفهم الواقع كما هو. فالتشخيص في الإدارة الرياضية ليس أداة للمحاسبة فقط، بل هو وسيلة للكشف عن مواطن القوة والضعف، وتحديد الأسباب الجذرية للأزمة، بما يسمح ببناء قرارات إصلاحية تستند إلى الأدلة والمؤشرات، لا إلى الانطباعات أو ضغوط اللحظة.
إن الإجابة عن هذه التساؤلات تمثل المدخل الحقيقي لفهم الأزمة. فكل مشروع رياضي ناجح يقوم على دورة متكاملة تبدأ بالتخطيط، ثم التنظيم، فالتنفيذ، فالمتابعة والتقييم، وصولًا إلى التصحيح والتحسين المستمر. أما في غياب هذه الحلقة، فإن القرارات تصبح رهينة ردود الأفعال والضغوط الآنية، وهو ما قد يؤدي إلى تكرار الأخطاء نفسها، وإعادة إنتاج الأزمة في الاستحقاقات القادمة، وفي مقدمتها كأس أمم إفريقيا 2027، ثم الاستعداد لكأس العالم 2030.
وتشير ألدراسات في إدارة الأزمات إلى أن المؤسسات الرياضية الرائدة لا تنتظر وقوع الأزمة حتى تبدأ في التفكير في الحلول، بل تمتلك منظومات دائمة لإدارة المخاطر، والمتابعة، والتقييم، والتقويم المستمر.
لذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تمتلك كرة القدم الجزائرية آلية مؤسسية لإدارة الأزمات، أم أن التعامل مع الإخفاقات لا يزال يعتمد على الاجتهادات وردود الأفعال؟
كما أن تشخيص الأزمة ينبغي أن يشمل جميع مكونات المنظومة الرياضية، دون استثناء، من الحوكمة والتسيير، وآليات اتخاذ القرار، والاتصال والتواصل، والجهاز الفني، والإعداد البدني، والتحضير النفسي والذهني، والطب الرياضي، وتحليل الأداء، وجودة التكوين، ومستوى البطولة الوطنية، وحتى البيئة الإعلامية المحيطة بالمنتخب.
فمثل هذا التشخيص الشامل قد يكشف أن الأزمة ليست أحادية السبب، وإنما هي نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل التي تراكمت عبر سنوات.
ومن هنا، فإن المرحلة الأولى لإدارة الأزمة ينبغي أن تبدأ بتشكيل لجنة وطنية مستقلة ومتعددة التخصصات تضم خبراء في الإدارة الرياضية، والحوكمة، والمدربين، واللاعبين الدوليين السابقين المشهود لهم بالكفاءة، وعلم النفس الرياضي، وتحليل الأداء، والاتصال الرياضي.
ولا ينبغي أن يقتصر عمل هذه اللجنة على إعداد تقرير وصفي، بل يجب أن تعتمد منهجيات علمية في جمع البيانات، وتحليل الوثائق والمؤشرات الفنية، وإجراء المقابلات مع اللاعبين وأعضاء الطواقم الفنية والإدارية والطبية، والاستفادة من أدوات القياس والتقويم الحديثة، حتى يكون التشخيص قائمًا على الأدلة العلمية، لا على الانطباعات.
وتؤكد التجارب الدولية أن المنتخبات الكبرى لم تتجاوز أزماتها بالقرارات الانفعالية أو بتغيير الأشخاص فقط. فقد أجرت ألمانيا مراجعات واسعة لمنظومة التكوين والتطوير عقب خروجها من كأس العالم 2018، وأعادت إسبانيا تقييم مشروعها الفني بعد إخفاق مونديال 2014، بينما واصلت الأرجنتين مراجعة مشروعها بعد سلسلة من الإخفاقات القارية قبل أن تبلغ قمة العالم في عام 2022. ويجمع بين هذه التجارب عامل مشترك يتمثل في الاعتراف بالأزمة، وإخضاعها لتقييم علمي، ثم بناء مشروع إصلاحي واضح المعالم يحظى بإجماع مختلف الفاعلين.
وبالنسبة لكرة القدم الجزائرية، فإن إدارة الأزمة الحالية ينبغي أن تنطلق من جملة من الأولويات، في مقدمتها إجراء تقييم تشخيصي شامل، ومراجعة منظومة التكوين، وتقييم مستوى المنافسة المحلية، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وإشراك الكفاءات الوطنية من الجامعات ومراكز البحث والخبراء في عملية الإصلاح، مع إعداد مخطط استراتيجي يمتد إلى كأس العالم 2030، يتضمن أهدافًا واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وآليات دورية للمتابعة والتقييم والتقويم.
إن الأزمة الحالية، رغم صعوبتها، يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق نحو بناء منتخب وطني أكثر قوة واستقرارًا إذا أُديرت وفق مبادئ الإدارة العلمية، بعيدًا عن الحلول الترقيعية وردود الأفعال المؤقتة.
فالتاريخ الرياضي يعلمنا أن الأزمات ليست نهاية المشاريع، وإنما قد تكون بدايتها الحقيقية عندما تمتلك المؤسسات الشجاعة في النقد الذاتي، والإرادة في الإصلاح، والرؤية في صناعة المستقبل.
إن تشخيص الأزمة ليس غاية في حد ذاته، بل هو المدخل الحقيقي لإدارة الأزمة، وإدارة الأزمة هي الخطوة الأولى نحو صناعة المستقبل. فكلما كان التشخيص أكثر دقة وموضوعية، كانت القرارات أكثر فاعلية، وكلما انتقلت المؤسسات من ثقافة ردود الأفعال إلى ثقافة التخطيط والتقييم المستمر، أصبحت الأزمات فرصًا للإصلاح .
ومن هنا، فإن مستقبل المنتخب الوطني لن يُبنى بتغيير الأشخاص فقط، بل ببناء منظومة رياضية تتعلم من أخطائها، وتستثمر في كفاءاتها، وتؤسس لنجاح مستدام.
وفي المقال القادم من هذه السلسلة سنناقش:
“الحوكمة الرياضية وإعادة بناء المنتخب الوطني: كيف تصنع المؤسسات القوية منتخبات قوية؟”







