
أمراء المنصات وفقراء الموهبة عندما تتحول اللجان إلى غابة والفن إلى وسيلة|د.نور الهدى قرباز كاتبة جزائرية
د.نور الهدى قرباز جامعة بسكرة .
أمراء المنصات وفقراء الموهبة… عندما تتحول اللجان إلى غاية والفن إلى وسيلة
من أكثر المشاهد إيلامًا في الحياة الثقافية أن ترى فنانًا أو أكاديميًا أو مثقفًا قضى سنوات طويلة في الدراسة والبحث والتكوين، ثم يختزل كل ذلك التاريخ في سؤال صغير: لماذا لم أكن في اللجنة؟
أيُّ مأساة هذه؟
كيف يمكن لإنسان يحمل شهادات عليا، أو يملك تجربة فنية طويلة، أو يقدّم نفسه بوصفه صاحب رسالة ثقافية، أن يقف أمام المرآة ذات يوم ويقيس قيمته بعدد الدعوات التي تصله، أو بعدد الصور التي يظهر فيها، أو باسم اللجنة التي جلس فيها؟
لقد أصبح بعض الناس يجمعون بطاقات الفنان كما يجمع الأطفال الطوابع البريدية، ويعدّون المناصب الثقافية كما يعدّ التجار أرباحهم اليومية، فإذا غابت أسماؤهم عن لجنة، أو لم ترد في قائمة، أو لم تظهر في صورة جماعية، تحولت الدنيا في أعينهم إلى مأتم شخصي، وكأن الفن مات لأن اسمه لم يُكتب في ورقة.
وكأن الثقافة لم تعد مشروعًا معرفيًا، بل مقعدًا في الصف الأول. وكأن الموهبة لم تعد معيارًا، بل دعوة رسمية وختمًا إداريًا.
المؤلم ليس أن يطمح الإنسان إلى التقدير، فذلك حق مشروع، بل أن يتحول التقدير إلى هوس، وأن يصبح الجلوس في اللجان أكبر من العمل نفسه.
ما قيمة لجنة لا يسبقها منجز؟ وما قيمة صورة إذا لم يسندها أثر؟ وما قيمة لقب إذا كان صاحبه يعيش على ذكره أكثر مما يعيش على عطائه؟
الفنان الحقيقي لا يبكي على كرسي ضاع منه، لأنه مشغول بصناعة ما هو أكبر من الكرسي. والمبدع الحقيقي لا يفتش كل صباح عن اسمه في القوائم، لأنه يفتش عن نفسه في العمل الذي ينجزه.
أما الذين جعلوا اللجان معيارًا للوجود، فإنهم يعلنون ـ من حيث لا يشعرون ـ إفلاسًا رمزيًا خطيرًا؛ فهم يطلبون من المؤسسة أن تمنحهم القيمة بدل أن يصنعوها بأنفسهم.
لقد عاش الرسام الهولندي فان غوخ فقيرًا ومات مجهولًا تقريبًا، ولم يكن عضوًا في لجنة، ولم يلهث خلف الصور الرسمية، لكنه اليوم يملأ متاحف العالم. وغيّر بيكاسو وجه الفن الحديث بريشته لا بعضوية لجنة، وصنع شارلي شابلن مجده الإنساني بالكاميرا والموهبة لا ببطاقة اعتماد أو ختم إداري.
وفي الأدب العربي، لم ينتظر نجيب محفوظ لجنة لتمنحه الخلود، ولم يكن أدونيس يسأل كل صباح عن قائمة المدعوين، ولم يحتج محمود درويش إلى صورة جماعية كي يصبح قصيدة أمة كاملة. لقد كتبوا، فأبقاهم التاريخ. أما غيرهم فقد جلسوا على آلاف الكراسي ثم غادروا دون أن يتركوا خلفهم سوى غبار المناسبة.
وقديماً قال العرب: “الذهب يبقى ذهباً وإن علاه الغبار، والنحاس يبقى نحاساً وإن صُقل ألف مرة.”
وقال الشاعر:
إذا غامَرْتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تَقنَعْ بما دونَ النجومِ
ولم يقل: إذا أردت المجد فابحث عن لجنة، أو انتظر دعوة، أو نافس على صورة.
ويكفي أن نتأمل قوله تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
فالآية قالت: اعملوا، ولم تقل: تفاخروا، أو تزاحموا، أو تنافسوا على المقاعد.
إن الكرامة الفنية أثمن من أن تُعلَّق على باب لجنة. وأغلى من أن تُربط بمقعد عابر. وأكبر من أن تُختزل في دعوة أو بطاقة أو صورة.
الفنان الذي يسحق كرامته بنفسه بحثًا عن الاعتراف، لا يستطيع أن يلوم الآخرين إذا لم يعترفوا به. فالقيمة التي لا يراها صاحبها في نفسه، لن يصنعها له كرسي، ولن تمنحها له لجنة، ولن تكتبها له صورة جماعية.
ولذلك فإن السؤال الذي سيبقى بعد سنوات ليس: من كان في اللجنة؟ ولا من جلس في الصف الأول؟ ولا من صافح المسؤولين؟
السؤال الوحيد الذي سيبقى هو: ماذا ترك وراءه؟
كم قصيدة بقيت؟ كم لوحة قاومت الزمن؟ كم لحن عبر الأجيال؟ كم كتابًا ظل يُقرأ بعد رحيل صاحبه؟
فالتاريخ الثقافي لا يحفظ أسماء أعضاء اللجان إلا في الأرشيفات المنسية، لكنه يحفظ أسماء المبدعين في ذاكرة الشعوب.
وحين تُطفأ الأضواء، وتُطوى القوائم، وتبهت الصور، لن يبقى في ذاكرة الناس من جلس على الكرسي، بل من استحق أن يجلس في قلوبهم.
أما اللجان فموسمية… وأما الموهبة فخلود.






