
لانريد القمر أعيدوا إلينا حقنا في الأرض|نور الهدى قرباز
-د.نور الهدى قرباز-لا نريد القمر… أعيدوا إلينا حقّنا في الأرض.
أيها السادة… المواطن لا يريد أن يصبح رائد فضاء
كلما اجتمع الكبار على طاولة، حضر المواطن غائبًا.
يتحدثون عنه ساعات طويلة، حتى تكاد تظن أن الرجل يجلس بينهم، بينما هو في الحقيقة واقف في طابور، أو عالق في حافلة، أو يحسب ما تبقى من راتبه قبل أن ينتصف الشهر.
الغريب أن الجميع يعرف ما يريده المواطن…
إلا المواطن نفسه.
السياسي يعرف.
والخبير يعرف.
والمحلل يعرف.
والمذيع يعرف.
وابن خالة المحلل يعرف.
أما المواطن، صاحب القضية، فيبدو أنه آخر من يُستشار في أمره.
لكن دعونا نوقف المسرحية قليلًا ونسأله.
ماذا تريد يا هذا؟
هل تريد السفر إلى المريخ؟
قال: لا.
هل تريد يختًا بطول خمسين مترًا؟
قال: لا.
هل تريد جزيرة خاصة في المحيط الهادئ؟
ضحك.
ثم قال:
أريد بابًا أغلقه على نفسي فقط.
ففي كثير من البيوت لم تعد الأسرة تعيش معًا، بل تتكدس معًا.
الأب يحلم بالهدوء.
والأم تحلم بالخصوصية.
والابن يحلم بمكتب يراجع عليه دروسه.
والبنت تحلم بمساحة تحفظ فيها أسرار عمرها.
لكن الغرفة الواحدة تبتلع الجميع كما تبتلع الحقيبة القديمة أشياء أكثر مما تحتمل.
ثم سألناه:
ماذا تريد أيضًا؟
قال:
أريد أن آكل دون أن أشعر أنني أرتكب جريمة مالية.
يريد أن يشتري اللحم دون أن يلتقط صورة تذكارية معه قبل الطبخ.
يريد أن تصبح الفاكهة غذاءً لا مناسبة وطنية.
يريد أن يكبر أطفاله على البروتين لا على الوعود.
فأجساد كثيرة أصبحت تشبه بيانات التقشف أكثر مما تشبه أجساد البشر.
ثم سألناه:
وماذا أيضًا؟
قال:
أريد أن أمرض باطمئنان.
يا لها من أمنية مرعبة!
في الدول الطبيعية يخاف الإنسان من المرض.
أما عندنا فأحيانًا يخاف من فاتورة المرض أكثر من المرض نفسه.
يريد دواءً يجده.
وموعدًا طبيًا يأتي قبل أن يشفى وحده أو يموت من الانتظار.
ثم سألناه:
وماذا أيضًا؟
قال:
أريد سيارة صغيرة.
لا لالتقاط الصور.
ولا لاستعراض العضلات.
بل لأنه تعب من قضاء ساعتين للوصول إلى مكان يبعد عشرين دقيقة.
تعب من مطاردة الحافلات كأنها طرائد برية نادرة.
تعب من العودة إلى البيت منهكًا قبل أن يبدأ يومه الحقيقي مع أسرته.
ثم سألناه:
وماذا أيضًا؟
قال:
أريد عطلة.
فاستغرب البعض من جرأة الطلب.
وكأن البحر خُلق للأثرياء وحدهم.
وكأن الجبال لا يحق للفقراء رؤيتها.
وكأن الراحة امتياز طبقي لا حق إنساني.
يريد أسبوعًا واحدًا لا يحسب فيه الأسعار.
يومين فقط ينسى فيهما الأقساط والفواتير والديون.
ثم صمت قليلًا.
فقلنا له:
هل هذا كل شيء؟
قال:
لا…
هناك شيء أهم.
أريد من يسمعني.
ليس من يتحدث باسمي.
بل من يسمعني.
لقد شبعنا من الذين يشرحون لنا ما نشعر به.
ويخبروننا بما نحتاجه.
ويرسمون أحلامنا نيابة عنا.
حتى أصبح المواطن مثل طفل يبكي، بينما يتجادل الكبار حول تفسير سبب بكائه دون أن يكلف أحدهم نفسه بحمله.
يا سادة…
المواطن لا يريد أن يصبح رائد فضاء.
ولا يريد أن ينافس أثرياء العالم.
ولا يريد أن يشتري طائرة خاصة.
إنه يريد أشياء لو سمعها أجدادنا لظنوها بديهيات:
بيتًا لا يخنقه.
غذاءً لا يحرمه.
علاجًا لا يهينه.
راتبًا لا يختفي في الأسبوع الأول.
عطلة لا تستلزم قرضًا.
وحياة لا يشعر فيها أنه يقضي عمره كله يطارد الأساسيات.
والمأساة ليست أن هذه الأحلام كبيرة…
المأساة أن زمنًا كاملًا جعل الإنسان يحلم بأشياء كان يفترض أن تكون عادية.
حتى صار المواطن يقف في آخر النهار، منهكًا، ويقول بسخرية مرة:
لا أريد الكثير… أريد فقط أن أعيش قبل أن أموت.هلا فهمتمونا أيها المترشحون …







