الخيانة تصبح في صندوق الأقتراع وجع لاتصنعه السياسة بل القرابة|محمد عبد العزيز شميس

الدكتور محمد عبد العزيز شميس مصر

-تصبح الخيانة في صندوق الاقتراع …وجع لاتصنعه السياسة بل القرابة
يقول المثل: “الرجال تُعرف عند الشدائد.” والانتخابات من أعظم الشدائد التي تمتحن النفوس، فلا تكشف عدد المؤيدين بقدر ما تكشف معادن البشر. فيها تسقط الأقنعة، ويظهر من كان يصفق لك في العلن، بينما يحفر لك حفرة في الخفاء. عندها تدرك أن بعض الناس لا يؤلمهم سقوطك بقدر ما يزعجهم نجاحك.
وقد صدق الله تعالى حين قال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43]. فالمكر قد يحقق لصاحبه مكسبًا عابرًا، لكنه يترك في روحه خسارة لا تعوض، ويطارد سمعته قبل خطواته.
ليس مؤلمًا أن يصوت ضدك منافسك، فهو يمارس حقه، لكن الموجع أن تجد من تربى معك، وتقاسم معك الخبز والذكريات، يبيع المودة بثمن موقف عابر أو مصلحة مؤقتة أو حسد دفين. تلك ليست منافسة انتخابية، بل سقوط مدوٍّ في امتحان الوفاء.
والخائن يشبه ذلك الصَّرْف الذي يتنقل من جيب إلى جيب؛ يأتي من يحمل الأمانة ليضعها في جيبه، ثم لا يلبث أن ينتقل إلى جيب آخر كلما وجد مصلحة جديدة. لا وطن له إلا المنفعة، ولا عهد له إلا ما يوافق هواه. يظن أن كثرة تنقله ذكاء، بينما هي في الحقيقة إعلان دائم عن فقدان الثبات، حتى يصبح بلا قيمة معنوية مهما كثرت الجيوب التي مر بها.
والأعجب أن بعضهم يظن أنه انتصر، وهو في الحقيقة خسر أثمن ما يملك: احترامه لنفسه. فالأصوات تُحصى في يوم، أما المواقف فتُحفظ في الذاكرة سنوات، وما يزرعه الإنسان من غدر يحصده عزلة، وما يبنيه على الخذلان لا يدوم.
لقد علمتنا الانتخابات أن القرابة لا تُقاس بالألقاب، بل بالمواقف. وأن الدم وحده لا يصنع الأهل، بل يصنعهم الصدق والوفاء والشهامة. أما من اختار الخيانة طريقًا، فقد كشف نفسه قبل أن يكشف غيره، وخسر من رصيده الأخلاقي أكثر مما كسب من أي مصلحة عابرة.
ويبقى أصحاب المبادئ واقفين، لا لأنهم لم يتعرضوا للخذلان، بل لأنهم رفضوا أن يصبحوا نسخة ممن خذلهم. فالكرامة لا يمنحها صندوق اقتراع، ولا يسلبها صوت عابر، وإنما يحفظها ضمير حي لا يساوم على الوفاء، حتى وإن تغيّرت الوجوه، وتبدلت المصالح، وسقطت الأقنعة. فالتاريخ لا يخلّد أصحاب المقاعد، بل يخلّد أصحاب المواقف.