المشهد الصادم |ماهر اللطيف

المشهد الصادم

بقلم:ماهر اللطيف /تونس

بين يدي النص

هذا ليس قصة قصيرة، ولا محاولة أدبية.
إنه أثر الصدمة بعد ثلاثة أيام من وفاة والدي.
تركته كما خرج من قلبي، دون تنقيح يمحو حرارة اللحظة أو يغير حقيقتها.
رحم الله أبي، وجعل هذا النص دعاءً وذكرى قبل أن يكون كتابة.

إلى روح والدي رحمه الله…

ترددت كثيرًا، خفت، ارتعش جسدي، اختنق نفسي، شعرت بتوقف نبضات قلبي، وتصبب العرق من جبيني… توقف الوقت عندي، ولم يعد المكان يعنيني ولا الإنسان. أظلم كل شيء حولي حتى بات النهار ليلًا، والنور ظلامًا.

ظللت على تلك الحال حتى سمعت صوتًا يناديني، وأصابع تشير إليّ:

ادخل وأغلق الباب… أنت بكره.

تلعثمت ولم أجد ما أقول. وجدتني أجر قدمي جرًا نحو تلك الغرفة التي كانت لغزًا بالنسبة إليّ. لماذا أنا هنا؟ ما دوري؟ وما الإضافة التي يمكنني أن أسديها؟

فجأة انهمرت دموعي، وتصاعدت شهقاتي، واهتز جسدي، وكل العيون مصوبة إليّ، لائمةً ومعاتبة. ثم قال الرجل الغريب عني:

كف عن البكاء، فهو بحاجة إلى الدعاء. لا تعذبه وتؤلمه، فهو يسمعك.

كفكفت دموعي، وتماسكت، واعتدلت قدر الإمكان. تسمرت عيناي في جثة والدي الممددة أمامي على ذلك المغسل الحديدي، شبه عارية، لا يستر عورتها إلا قطعة قماش. جثة هامدة لا تتحرك مهما فعل بها المُغَسِّل، ومهما قلبها، وحركها، وتحسسها.

وكنت طوال عملية الغسل أتابع جسد والدي، لعله يتحرك، يفتح عينيه، يعود إلى الحياة، يناديني، أو يستنجد بي، فأُنقذه من جبروت المُغَسِّل الذي لم يترك شبرًا من جسده إلا غسله ونظفه.

كما كنت أستحضر كلمات فقيدي وتصرفاته، إشاراته وابتساماته، ضحكاته ونكاته… كنت أتخيل فمه ينطق باسمي، فأصيح دون أن أشعر:

– نعم يا أبتاه.

– خذ بيدي وساعدني على النهوض.

– السمع والطاعة، أيها البطل.

– تحرك… لماذا لم تفِ بوعودك؟

كنت أحاول التقدم، لكنني أعجز عن ذلك، فقد رأيت نفسي محنطًا، مثبتًا في مكاني… همس أخي الأصغر في أذني:
كف عن الهراء والعبث. استقم وادعُ لوالدك بدل هذا المشهد المسرحي.

لملمت نفسي وعدت إلى رشدي حتى انتهت عملية الغسل، ثم التعطير، فالتكفين، ووُضع في مكانه في انتظار موعد موكب الدفن.

اقتربت من الجثمان، مثل سائر الأقارب والأصدقاء، وقبلت جبين والدي لآخر مرة، وسيف يمزق أوصالي من الداخل، ودموعي محبوسة في عيني حتى لا أبلل وجه أبي وهو يستعد للسفر الأبدي.

ثم حُمل الجثمان على الأعناق وسط موجة من التكبير وذكر الله والدعاء للميت. كثرت الأيدي التي تتسابق إلى حمل النعش، وساد الموكب جو من الإيمان والوقار، والاحترام لهذا الحدث الجلل، من المنزل إلى الجامع.

هناك صلينا العصر، ثم صلاة الجنازة، وعندها انفجر بركان الدموع، وفقدت السيطرة على نفسي، رغم محاولات الجميع تهدئتي وثنيي عن ذلك.

ثم انتقلنا إلى المقبرة، حيث ووري والدي الثرى بعد دقائق معدودة. تمنيت لو كنت مكانه، لو استطعت أن أهديه الحياة. كنت أتألم، وأصيح، وأرتعد… ومع كل حفنة تراب تلقى عليه، كنت أتمنى أن أمنع الناس من حرماني من والدي، ومن تغطيته بالتراب، إلى أن اختفى، ولم أعد أرى غير تلك الكومة من التراب.

تقبلت التعازي، ولم أكن أعي وجوه المعزين، فقد كنت أناجي خيال أبي الذي لم يفارقني لحظة، أخاطبه، وأرجوه أن يكف عن المزاح ويعود معي إلى المنزل… لكن هيهات، فقد صدر الحكم ونُفذ؛ حكم الواحد الأحد الذي لا يقبل طعنًا ولا استئنافًا.

عدت إلى المنزل، ويا ليتني ما عدت. كان صدى صوت أبي في كل مكان، وصورته تتجول هنا وهناك. فراشه، وملابسه، ونعاله، وأدواته الخاصة… كل شيء في مكانه، كأنه يناديه: “خذنا… استعملنا… فقد يئسنا من البطالة.”

لم أنم ليالي وأيامًا وأنا أنتظر عودة أبي. كنت أحدق في الباب مترقبًا طلعته البهية… لكنها لم تأتِ.

حتى وجدتني في عيادة الطب النفسي.