الرياضة وصناعةصورة الدولة كيف كسبت الجماهير الجزائرية قلوب الأمريكيين| أحمد بوسكرة

الرياضة وصناعة صورة الدول.. ….
كيف كسبت الجماهير الجزائرية
قلوب الأمريكيين؟

​بقلم: الأستاذ الدكتور أحمد بوسكرة

​يأتي هذا المقال امتدادًا لسلسلة مقالاتنا السابقة التي تناولت مفهوم الدبلوماسية الرياضية ودور الرياضة في صناعة صورة الدول، والتي أكدنا فيها أن الرياضة، إلى جانب أهدافها التنافسية والسعي نحو تحقيق الألقاب والميداليات، أصبحت اليوم إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، ووسيلة استراتيجية لبناء السمعة الدولية، وإعادة تشكيل الصورة الذهنية للدول، وتعزيز التقارب بين الشعوب، وترسيخ قيم التفاهم والتعايش في الوعي العالمي.

​ولم تعد هذه الرؤية مجرد طرح نظري، بل جاءت أحداث كأس العالم 2026 لتقدم نموذجًا ميدانيًا حيًا يجسد هذه الفكرة بكل أبعادها.
​فما شهدته مدينة لورانس بولاية كنساس الأمريكية، التي احتضنت المعسكر التدريبي للمنتخب الوطني الجزائري، من تفاعل استثنائي مع الجماهير الجزائرية من قبل مختلف فئات المجتمع المحلي، بما في ذلك السكان والسلطات المحلية والمؤسسات المدنية والمتطوعون، وما تركته هذه الجماهير من أثر إنساني وحضاري ووجداني عميق في نفوس سكان المدينة، يؤكد أن السلوك الراقي والروح الرياضية قادران على تحقيق ما قد تعجز عنه الخطابات السياسية والإعلامية.

​”ولعل أكبر شاهد على ذلك المبادرات الرمزية التي شهدتها المدينة احتفاءً بالمنتخب الوطني والجماهير الجزائرية، حيث أنجز الفنان الأمريكي ستان هيرد (Stan Herd) عملاً فنياً أرضياً ضخماً يجسد العلم الجزائري، كما شهدت المدينة العديد من الأنشطة الثقافية والمجتمعية التي عكست عمق العلاقة التي نشأت بين لورانس وضيوفها الجزائريين، لتبقى شاهدة على ما صنعته هذه التجربة من محبة واحترام وتقدير متبادل بين الشعبين.

​ولم يتوقف هذا الأثر عند حدود المظاهر الاحتفالية، بل امتد إلى الحياة اليومية للمدينة، حيث رافق كثير من السكان الجماهير الجزائرية في الساحات العامة والمطاعم والفعاليات الرياضية، وتقاسموا معها لحظات إنسانية صادقة حول عشق كرة القدم، حتى أصبح عدد منهم يتابع تدريبات المنتخب الجزائري ومبارياته ويشجعه بشغف، في مشهد يعكس قدرة الرياضة على بناء جسور التواصل والتفاهم بين الشعوب، حتى في المجتمعات التي لم تكن كرة القدم تمثل فيها الرياضة الأكثر شعبية.

​إن هذا النموذج يجسد بصورة عملية كيف يمكن للجماهير الرياضية أن تسهم في صناعة الصورة الذهنية للدولة، ويؤكد أن المواطن، أينما وجد، قادر على أن يكون سفيرًا لوطنه من خلال أخلاقه وسلوكه واحترامه للآخرين. كما يبرز أن التظاهرات الرياضية الكبرى ليست مجرد منافسات رياضية، بل تمثل فرصًا استراتيجية ينبغي للدول، وفي مقدمتها الجزائر، استثمارها بوعي لتعزيز حضورها الدولي، وترسيخ مكانتها، وبناء جسور الصداقة والتفاهم بين الشعوب