ثقافة الاختلاف قبل ثقافة الحوار| صالح بن سعيد الحمداني

كاتب |سلطنة عمان

في مجتمعاتنا اليوم يكثر الحديث عن أهمية “ثقافة الحوار”، لكننا نغفل أحياناً أن الحوار لا يؤتي ثماره ولا ينجح إلا إذا سبقه شيء أكثر عمقاً وهو “ثقافة الاختلاف”، فقبل أن نتقن فنّ التحاور علينا أن نتعلم كيف نتقبل أن للآخر حقاً في أن يرى ما لا نراه وأن يملك رأياً مغايراً دون أن يتحوّل ذلك إلى خصومة أو قطيعة، إن أخطر ما يواجه المجتمعات هو الخلط بين رفض الفكرة ورفض صاحب الفكرة فحين نختلف ينبغي أن ينصب خلافنا على الفكرة ذاتها لا على من يحملها، أما إذا تحوّل الاختلاف إلى كراهية وحقد وبغضاء فإنه لا يبقى مجرد نقاش فكري وإنما يصبح معولاً لهدم العلاقات الاجتماعية وتفتيت النسيج الإنساني، فالاختلاف سنة كونية بين البشر ليس طارئاً ولا استثناءً ولكنه قاعدة أصيلة في الحياة، فقد يختلف الناس في ألوانهم وألسنتهم وطباعهم ويختلفون تبعاً لذلك في أفكارهم ومواقفهم وهذا التنوع هو ما يمنح المجتمعات القدرة على الإبداع والتجديد، ولو اتفقت البشرية كلها على رأي واحد وفكر واحد لأصبح العالم ساكناً جامداً بلا تطور لأن الاختلاف هو الذي يفتح باب النقاش، والنقاش هو الذي يولّد الأفكار الجديدة، ولهذا فإن تقبّل الاختلاف شرط أساسي من شروط النهضة لا خياراً ثانوياً.

ثقافة الاختلاف تعني أن ندرك أولاً أن رأينا ليس الحقيقة المطلقة وأن من يخالفنا ليس بالضرورة مخطئاً أو عدواً، إنها تعني احترام حق الآخر في أن يرى الأمور من زاوية مختلفة ومناقشته بأدب دون جرحٍ أو إسقاطٍ لقيمته الإنسانية هي ثقافة تقول “أنا أرفض فكرتك لكنني لا أرفضك أنت”، وهذا جوهر المدنية الحديثة التي تقوم على الاعتراف بالتعددية الفكرية والدينية والسياسية، والمشكلة الكبرى التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية ـ وربما كثير من الثقافات الأخرى ـ هي أننا نخلط بين الرأي وصاحبه فإذا خالفك شخص في قضية سياسية أو اجتماعية اعتبرته خصماً وربما قطعت علاقتك به تماماً.

هذا الخلط يجعل الحوار عبثياً لأنه يتحول إلى ساحة اتهامات شخصية بدلاً من أن يكون ساحة لتبادل الأفكار. وبدلاً من مناقشة الحجج، ننشغل بمهاجمة الأشخاص، وبدلاً من احترام الاختلاف نغرق في الكراهية والبغضاء، ولو طرحنا سؤالاً جوهرياً لماذا نحتاج إلى ثقافة الاختلاف قبل الحوار؟ لوجدنا أن الحوار أداة لكنه لا يؤدي وظيفته ما لم يكن هناك استعداد نفسي لقبول نتيجته، فما جدوى الحوار إذا كنا لا نحتمل أصلاً وجود رأي مخالف؟ إن ثقافة الاختلاف هي الأساس النفسي والأخلاقي الذي يجعل الحوار ممكناً فهي تهيئ العقول لتقبل النقاش بهدوء وتمنع تحول الخلاف الفكري إلى خصومة شخصية وبدونها يصبح الحوار مجرد صراع أصوات لا يصل إلى نتيجة، انظر إلى منصات التواصل الاجتماعي اليوم؛ أغلب النقاشات تتحول بسرعة إلى مشادات مليئة بالاتهامات والتجريح، السبب ليس نقص المعلومات بل غياب ثقافة الاختلاف، فبدلاً من مناقشة الفكرة ننشغل بالطعن في نوايا أو أخلاق من طرحها، وفي السياسة كثيراً ما نرى أحزاباً أو تيارات تعتبر المختلف معها عدواً وجودياً بينما في الدول التي سبقتنا حضارياً يبقى الخلاف السياسي إطاراً للتنافس المشروع لا للكراهية الدائمة.

يبقى السؤال كيف نزرع ثقافة الاختلاف في ذواتنا؟ الإجابة تبدأ من التربية فعلينا أن نعلم أبناءنا منذ الصغر أن الخلاف أمر طبيعي وأن الرأي المختلف لا يقلل من قيمة صاحبه، في المدارس والجامعات ينبغي أن نشجع الطلاب على النقاش المفتوح وأن نكافئ من يطرح أفكاراً مبتكرة حتى لو خالفت التيار العام، كما أن لوسائل الإعلام دوراً محورياً، إذ يمكنها تقديم نماذج لحوارات راقية تقوم على احترام الرأي الآخر، بدلاً من البرامج الصاخبة التي تحول الخلاف إلى معركة، فالاختلاف لا يعني العداء، علينا أن ندرك أن الاختلاف لا يلغي إنسانيتنا المشتركة، فقد نرى العالم من زوايا متباينة لكننا نظل بحاجة إلى التعاون والتعايش، إن ثقافة الاختلاف هي الضمانة الحقيقية لسلام المجتمعات فهي التي تحوّل التنوع إلى مصدر غنى بدلاً من أن يكون سبباً للصراع، نحن اليوم بحاجة ملحة إلى ترسيخ ثقافة الاختلاف قبل أن نتحدث عن ثقافة الحوار فبدونها سيظل الحوار مجرد شعار يعلو دون أن يثمر، فلنتعلم أن نفصل بين رفض الفكرة ورفض صاحبها وأن ندرك أن الخلاف لا يبرر الكراهية أو البغضاء، حينها فقط يصبح الحوار طريقاً للبناء والاختلاف مصدراً للتجديد وتصبح مجتمعاتنا أكثر قدرة على التعايش والإبداع.