في مرايا الثقافة: السرب والقطيع|حيدر الأديب

 

كاتب وناقد | العراق

في مرايا الثقافة: السرب والقطيع
……………………………………..

كلما ازداد عدد الأسماء في المشهد الثقافي، ارتفعت أصوات الاحتفاء بما يسمى الحراك الثقافي. ولكن هذه الكثرة لا تقول شيئًا عن قيمة هذا الحراك. ويبقى السؤال معلقًا: هل نحن أمام سرب يحلق في أفق المعرفة، أم أمام قطيع يتقدم في طريق واحد؟

السرب ظاهرة معرفية قبل أن يكون صورة بصرية. تتجاور فيه العقول، وتتقاطع، وتتنافس، ويولد كل عقل أفقًا جديدًا للعقل الآخر. لا يخشى الشاعر شاعرًا، ولا الناقد ناقدًا، ولا المفكر مفكرًا. الجميع يدرك أن الإبداع لا يضيق بالمبدعين، وأن الفكرة الكبيرة تلد أفكارًا أكبر منها. لهذا تبدو حركة السرب صاعدة دائمًا، فكل جناح يمنح الجناح الآخر قدرة أعلى على التحليق.

القطيع يعيش بمنطق مغاير. يخشى كل موهبة جديدة، ويستقبل كل صوت مختلف بوصفه خطرًا على التوازن الهش الذي صنعه. تتحول الثقافة إلى شبكة مصالح، ويصبح التصفيق عملة متداولة، ويغدو الصمت أمام الرداءة وسيلة للنجاة. عند تلك اللحظة يفقد النص مكانته، ويحتل الاسم المشهد، ثم تحتل العلاقة مكان الاسم، ثم يحتل الولاء مكان العلاقة، حتى يختفي الأدب كله خلف ستار من المجاملات.

السرب ينتج مدارس، لأن كل تجربة تضيف لبنة إلى البناء. القطيع ينتج نسخًا متجاورة، تتغير عناوينها، وتبقى روحها واحدة. تقرأ عشرات المقالات، فتجد الفكرة ذاتها، واللغة ذاتها، والانفعال ذاته، وكأن الجميع يكتب من دفتر واحد، أو يخشى مغادرة الجملة التي اعتادها الوسط الثقافي.

حين يظهر عقل استثنائي، يلتف السرب حول منجزه، يقرأه، يناقشه، يختلف معه، ثم يدفعه إلى مساحات أبعد. القطيع يفتح محكمة عاجلة. يبدأ التفتيش في النوايا، ثم في العلاقات، ثم في التاريخ الشخصي، لأن الفكرة الجديدة تهدد استقرار العقول الكسولة أكثر مما تهدد قناعاتها.

أكثر ما يخشاه القطيع سؤال لا يملك له جوابًا. السؤال يربك الاصطفاف، ويوقظ الوعي الفردي، ويكسر لذة التكرار. لهذا تتحول الأسئلة الكبرى إلى تهمة، ويتحول صاحبها إلى شخص مزعج، مع أن الحضارات لم تبدأ بإجابة، فقد بدأت بسؤال امتلك شجاعة الظهور.

المشهد الثقافي العربي يحمل الصورتين معًا. ثمة أسراب صغيرة تواصل التحليق بصمت، تكتب، وتبحث، وتجرب، وتغامر، ولا تنتظر إذنًا من أحد. وثمة قطعان كبيرة تعيش على إعادة تدوير الأسماء، وتبادل الثناء، وصناعة النجومية داخل دائرة مغلقة لا يدخلها سوى من يتقن طقوسها.

كل نهضة ثقافية بدأت بسرب صغير، وكل انحدار ثقافي بدأ حين أقنع القطيع نفسه أنه يمثل الجميع. التاريخ الأدبي لا يحتفظ بعدد الواقفين في الصف، فهو يتذكر الذين غادروا الصف وصنعوا طريقًا جديدًا.

الثقافة التي تحتضن الأسراب تزداد اتساعًا مع كل موهبة تولد فيها. الثقافة التي تحكمها القطعان تزداد ضيقًا مع كل موهبة تخسرها. تلك هي العلامة الفاصلة بين مجتمع يصنع المستقبل، ومجتمع يكرر ماضيه حتى يظن أن التكرار إنجاز.