البيوت التي كانت تنجب الوطن (لاتفتشوا عن الجزائر في الخرائط |نور الهدى قرباز

أكاديمية |الجزائر

البيوت التي كانت تُنجب الوطن
لا تفتشوا عن الجزائر في الخرائط…
ابحثوا عنها في بيت من طين، سقفه من خشب الدفلى، وجدرانه مطلية بالجير، تتسلل من شقوقه رائحة المطر، وتملأ أركانه رائحة الحطب المشتعل. هناك، في ذلك الركن المنسي من القرية، كانت الأوطان تُربى كما يُربى الأطفال، وكانت الحرية تُخبز كل صباح مع الكسرة، وتُخض في الشكوة، وتُغزل مع خيوط الصوف.
كان الفجر لا يوقظهم، بل كانوا هم من يوقظون الفجر.
صوت الرحى يسبق صياح الديك، وصوت الشكوة يتهادى مع نسيم الصباح، ودخان التنور يتصاعد في السماء كأنه دعاء أم لا تعرف من الأدعية إلا ما يحفظ أبناءها في الجبل.
في صدر الدار جلست الضاوية…
امرأة لم تكن تحمل شهادة، لكنها كانت جامعة في الحكمة، ولم تكن تملك مالًا، لكنها كانت أغنى نساء القرية بالعزة. أرملة حملت أعباء الحياة وحدها، وربّت أبناءها على أن الوطن لا يُورث، وإنما يُفتدى.
كانت تمخض الشكوة بذراعين أنهكهما العمر، فيخرج الزبد كما يخرج الأمل من قلب الصابرين. ثم تنتقل إلى جراب البن، تنتقي حباته بعناية، تحمصها فوق مقلاة سوداء، فتفوح رائحة القهوة في البيت، وكأنها تبشر بقدوم ضيف عزيز تعرف أنه قد لا يمكث طويلًا.
بعدها تجلس أمام الرحى.
تسكب حفنة من القمح، وتبدأ في إدارة الحجر.
يدور الحجر…
وتدور معه سنوات عمرها.
يتساقط الدقيق ناعمًا، وتتشكل في قلبها كسرة تعرف لمن ستكون.
كانت تهمس:
“هذه للحسين… سيأخذها إلى الجبل.”
وفي الجهة الأخرى من الدار، كانت ابنتها، والدة والدي، الخامسة بين إخوتها، تجلس أمام المنسج الخشبي. تحرك قدميها في هدوء، وتنساب خيوط الصوف بين أصابعها. لم تكن تنسج ثوب زينة، وإنما كانت تحيك قشابية لزوجها الصحراوي؛ الرجل الذي اعتاد أن يشق الوديان ليلًا، يحمل المؤونة إلى المجاهدين، ويشارك في صنع السلاح، ويعود قبل الفجر كأن الأرض أخفت آثاره.
كانت تعرف أن القشابية لن تمنع الرصاص، لكنها قد تمنع عن كتفيه لسعة برد الجبل.
كل غرزة كانت دعاء.
وكل خيط كان خوف زوجة تخفي دمعتها حتى لا تضعف عزيمة رجلها.
وفي فناء الدار، كانت النار تشتعل تحت قدر النحاس.
حبات الكسكس تتبخر، وخضر الأرض تتعانق في القدر؛ القرع، واللفت، والجزر، وما جادت به الحقول. لم تكن المائدة عامرة، لكنها كانت مباركة، لأن كل لقمة فيها كانت تعرف طريقها إلى أفواه الرجال الذين يحرسون الجزائر من فوق الجبال.
أما زوج ابنة الضاوية، ذلك الصحراوي، فكان قليل الكلام، حتى ليحسبه الغريب صامتًا، لكنه إذا حضر العمل سبق الجميع، وإذا نادى الوطن لبّى قبل أن يسمع النداء كاملاً.
كان يصنع السلاح للمجاهدين في الخفاء، وينقل المؤونة عبر المسالك الوعرة، ويخاطر بحياته كل ليلة. لم يكن ينتظر جزاءً ولا شكورًا، وكان يرى أن خدمة الجزائر شرف لا يقاس بالمال.
وحين جاء الاستقلال، واصطف كثيرون يطلبون المنح والامتيازات، طُلب منه أن يسجل اسمه ليستفيد.
ابتسم في هدوء، وقال:
“ما قدمته للجزائر أمانة بيني وبين الله… لا أبيعه براتب، ولا أستبدله بمنحة.”
وأغلق الباب.
وظل فقير الجيب…
غني الضمير.
أما الحسين…
فكان مع إخوته في الجبل.
يتقاسمون كسرة أمهم، وقهوتها، ودعاءها، ويقتسمون كذلك الجوع، والبرد، والخطر. كانوا يعرفون أن الموت يراقبهم من كل صخرة، لكنهم كانوا يؤمنون أن الوطن الذي يولد بالدم لا يموت.
غير أن الثورة، كما أنجبت رجالًا أوفياء، كشفت أيضًا وجوهًا باعت ضمائرها.
لم يصل العسكر إلى المخابئ بذكائهم…
وصلوا بخيانة من عرف الطريق.
وفي أحد المداشر، كان الحسين في مخبئه مع رفاقه، ينتظر انقضاء الليل.
وفجأة…
حاصر الجنود المكان.
ضاقت الأرض.
واقتربت الشهادة.
ووصل الخبر إلى الضاوية بكلمات بقيت محفورة في ذاكرة العائلة:
“الحسين حايقبل… ولقى العسكر مخبّيه… اسمحيلي يا والدتي.”
لم تصرخ.
لم تلطم وجهها.
رفعت يديها إلى السماء، وقالت بصوت ثابت:
“اللهم تقبله في الشهداء.”
كانت تعرف أن الأمهات لا يخسرن أبناءهن إذا ماتوا من أجل الجزائر… بل تهبهم الجزائر أبناءً لكل بيت، واسمًا لكل جيل.
كبرت القرية…
ورحل أصحاب الرحى.
وسكتت الشكوة.
واختفى صوت المنسج.
لكن رائحة الكسرة الساخنة ما زالت تحفظ أسماءهم، ورائحة القهوة ما زالت تشهد أن هنا عاشت امرأة اسمها الضاوية، أنجبت رجالًا حملوا الوطن فوق أكتافهم، وربّت ابنة أنجبت رجالًا ساروا على الدرب نفسه.
رحم الله الحسين، ورحم كل من حمل بندقية، أو رغيفًا، أو قربة ماء، أو قطعة صوف، أو دعاء أم.
فالجزائر لم يحررها السلاح وحده…
حررتها أيضًا الرحى، والشكوة، والمنسج، والتنور، ونساء مجهولات لم تُكتب أسماؤهن في الكتب، لكن أسماءهن كُتبت في ضمير الوطن.
وأكاد أراه…
الحسين، يعبر طرقات قريته كما كان يفعل قديمًا، يبتسم لأبناء أخته، ولأبناء إخوته، ويرفع صوته الذي لم تطفئه الشهادة:
“إخوتي… لا تنسوا شهداءكم.
فالجزائر ليست ذكرى… إنها أمانة.
الجزائر أولًا…
الجزائر ثانيًا…
الجزائر… أبدًا.”