بين الذات والواقع دراسة نقدية في(رواية موريس)للكاتب هادي المياح|عبد الكريم حمزة عباس

كاتب وناقد| عراقي

بين الذات و الواقع دراسة نقدية في رواية موريس للكاتب هادي المياح
========================
رواية موريس للكاتب هادي المياح – الصادرة عن دار توليب للطباعة و النشر و التوزيع –العراق – بغداد –شارع المتنبي – عام 2026- بواقع 75صفحة من القطع المتوسط.
في السرد التقليدي تكون العلاقة بين الذات (الكاتب أو السارد) والواقع واضحة إلى حد كبير، حيث يُستخدم السرد التقليدي كوسيلة لنقل أحداث أو تجارب من العالم الخارجي، أما في سرد رواية موريس للقاص الروائي هادي المياح، تصبح العلاقة أكثر تعقيدًا،إذ يندمج الذاتي بالموضوعي ويزول الحد الفاصل بين التجربة الشخصية والتصورات الذهنية عن الواقع.

في هذه الرواية، لم تكن الذات مجرد صوت روائي يسرد الأحداث، بل كيانًا متغيرًا يتنقل بين التوثيق الذاتي والخيال، حيث يكتب المؤلف نصوصًا قد تبدو ذاتية، لكنها تمتزج بعناصر تخيلية تعيد تشكيل الحدث الواقعي، تبدأ القصة من لحظة ذاتية، ثم تتطور إلى بناء أدبي متحرر من الواقع المباشر.
وهذا ما يذكرنا بما ورد في كتاب (اعترافات) للكاتب السويسري – الفرنسي جان جاك روسو (1712 – 1778 م)،حيث نرى أن الكاتب يقدم سردًا ذاتيًا، لكنه لا يلتزم بالحقيقة المطلقة، بل يعيد صياغة الواقع وفق رؤيته الخاصة. (1)

عادة في السرد التقليدي، يتم تصوير الواقع كما هو أو بتغييرات طفيفة، بينما في سرد رواية موريس، يصبح الواقع:
أ- متعدد الطبقات: حيث تتداخل الأزمنة، وتتشابك الرؤى الشخصية مع الحقائق الخارجية.
ب -غير مستقر: إذ يتم تقديم المشهد الواحد من زوايا متعددة، أو يُعاد سرده بصيغ مختلفة داخل النص ذاته.
ج – مختلطًا بالحلم واللاوعي: مما يجعل التجربة السردية أقرب إلى تدفق الوعي أو السريالية.

هذا النوع من السرد شبيه بسرد رواية الساعة الخامسة والعشرون للكاتب الروماني
كونستانتين فيرجيل ( 1916 – 1992 م)،حيث يتم تقديم الواقع بطريقة متداخلة، و تختلط الأحداث الحقيقية بالكوابيس والهلاوس الفكرية. (2)
من أبرز سمات سرد رواية موريس أن الذات الساردة قد تكون:
ا- حاضرة بقوة: حيث يصبح الكاتب جزءًا من النص، مستخدمًا ضمير المتكلم ليجعل القارئ يتماهى مع تجربته.
ب- مخفية ضمن السرد: حيث يتم إلغاء الحدود بين الذات والموضوع، ليصبح النص قائمًا على لغة شاعرية خالصة دون هوية سارد واضحة.
ج- مجزأة بين شخصيات متعددة: حيث يتم توزيع الأنا الساردة على عدة شخصيات تحمل أبعادًا مختلفة من تجربة الكاتب.

وهذا يبدو واضحا في نصوص الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف(*)،حيث نجد أن الراوي قد يختفي كليًا داخل تيار من التداعيات الفكرية، و يبدو السرد وكأنه ناتج عن وعي غير محدد الهوية.
السرد في هذا النوع من الروايات ليس مجرد طريقة للكتابة، بل هو أحيانًا شكلًا من أشكال مقاومة الواقع أو إعادة تشكيله، حيث يصبح:
أ- وسيلة لتحدي السرديات التقليدية: عبر كسر الأنماط المألوفة وإيجاد طرق جديدة للكتابة.
ب – فضاءً للتعبير عن الهواجس الوجودية: مثل الأسئلة حول الحياة، والموت، والحرية، والمعنى
ج – أداة للتحرر من القيود اللغوية والموضوعية: إذ يتم تجاوز النمط التقليدي للسرد لصالح كتابة أكثر انسيابية وانفتاحًا.

في كتاب( اللاطمأنينة) للكاتب البرتغالي فرناندو بيسوا( 1882 – 1935 م)، يستخدم الكاتب اللغة كأداة لمساءلة الواقع، حيث يتحول النص إلى تأملات ذاتية تتحدى ثبات الواقع و المعاني و المفاهيم. (3)
القارئ في السرد التقليدي يبحث عن الحبكة والشخصيات، بينما في هذه الرواية وأمثالها، يصبح التلقي أكثر تعقيدًا، حيث يواجه القارئ:
أ- نصًا مفتوحًا للتأويل: يمكن قراءته من زوايا متعددة دون أن تكون هناك دلالة واحدة مغلقة.
ب – تجربة لغوية شعورية: حيث يكون التركيز على الإحساس بالنص أكثر من متابعة أحداثه.
ج – حالة تفاعل ذهني: إذ يُطلب من القارئ أن يشارك في إعادة بناء المعنى من خلال خياله الخاص.

وهذا ما يشبه أعمال الكاتب الياباني هاروكي موراكامي (1949- 1971 م)(**)،حيث نجد أن القارئ مدعو لتفسيرالنصوص بطريقته الخاصة، و ذلك بسبب دمج عناصر السرد الواقعي مع الخيال الفلسفي.
رواية موريس ليست مجرد انعكاس للواقع، بل هي محاولة لإعادة بنائه وفق رؤية ذاتية ، إنها نص مفتوح على التأويلات حيث تندمج الذات بالعالم ويتحول الواقع إلى مادة خام يعاد تشكيلها بلغة جديدة.
في هذ الإطار يصبح القارئ شريكًا في بناء المعنى، وتتخذ الكتابة بعدًا يتجاوز حدود السرد التقليدي.

(1):المؤلف جان جاك روسو: Jean-Jacques Rousseau
عنوان الكتاب: اعترافات (Les Confessions).
اللغة الأصلية: الفرنسية.
تاريخ التأليف: بين عامي 1765 و1770.
.تاريخ النشر: نُشر بعد وفاة المؤلف، صدر الجزء الأول عام 1782، والجزء الثاني عام1789

(2)المؤلف كونستانتين فيرجيل غوروغيوConstantin Virgil Gheorghiu
عنوان الرواية: الساعة الخامسة والعشرون / The Twenty-Fifth Hour)
اللغة الأصلية: الرومانية ثم صدرت ترجمة فرنسية مبكرًا، واشتهرت بها عالميًا
سنة النشر الأولى: 1949
نوع العمل: رواية سياسية وفلسفية

المؤلف فريناندو بيساوا: Fernando Pessoa(3)-
العنوان: كتاب اللاطمأنينة / The Book of Disquiet)
اللغة الأصلية: البرتغالية
سنة التأليف: كُتبت نصوصه بين عامي 1913 و1935
سنة النشر الأولى: 1982 (بعد وفاة المؤلف بـ47 عامًا).

(*) الاسم الكامل: أديلين فرجينيا وولف Adeline Virginia Woolf.
تاريخ الميلاد: 25 يناير 1882، لندن، إنجلترا
تاريخ الوفاة: 28 مارس 1941، لويس، ساسكس، إنجلترا
الجنسية: بريطانية
مجالها: الرواية، النقد الأدبي، المقالة
التيار الأدبي: الحداثة
أبرز مؤلفاتها:
السيدة دالاواي (Mrs Dalloway) – 1925.
إلى المنارة (To the Lighthouse) – 1927.
أورلاندو (Orlando) – 1928.
غرفة تخص المرء وحده (A Room of One’s Own) – 1929.
الأمواج (The Waves) – 1931.

(**) الاسم: هاروكي موراكامي Haruki Murakami:
تاريخ الميلاد: 12 يناير 1949.
الجنسية: ياباني.
المهنة: روائي، كاتب قصص قصيرة، ومترجم.
التيار الأدبي: الأدب المعاصر، الواقعية السحرية، ما بعد الحداثة.
أبرز مؤلفاته:
الغابة النرويجية (Norwegian Wood) – 1987.
كافكا على الشاطئ (Kafka on the Shore) – 2002.
وقائع طائر الزنبرك (The Wind-Up Bird Chronicle) – 1994–1995.
جنوب الحدود، غرب الشمس (South of the Border, West of the Sun) – 1992.