
محراب السراب وقداسة الغرق حين بذوب المجاز في لغة الحقيقة قراءة لقصيدة لقاء وتراتيل للشاعر سعيد محتال
طه دخل الله عبد الرحمن |ناقد فلسطيني
قراءة لقصيدة – لقاء… وتراتيل – للأستاذ الشاعر سعيد محتال 20-07-2026
محراب السراب وقداسة الغرق… حين يذوب المجاز في لجة الحقيقة
ثمّة نصوص لا تُقرأ بقدر ما تُعاش، ولا تُفهم بقدر ما تُستبطن، ولا تُحلل بقدر ما تُستنطق من أغوارها السحيقة. وقصيدة “لقاء.. وتراتيل” للشاعر سعيد محتال تنتمي إلى هذه الزمرة النادرة من الكتابة التي تجعل من اللغة جسداً حياً ينبض بالدم، لا أداةً محايدةً للنقل والتوصيف. إنها ليست قصيدةً عن الأمل والانتظار فحسب، بل هي تأسيسٌ لميثولوجيا ذاتية متكاملة، يُعاد فيها خلق العالم انطلاقاً من خراب الروح، وتُبنى فيها كاتدرائية من السراب لا تقل قداسةً عن أي معبدٍ شُيد من الحجر.
لنبدأ من العتبة الأولى، من ذلك “وحدي” الذي يتصدر النص كطلقةٍ ناريةٍ تثقب صمت البياض. ليست هذه الوحدةُ انعزالاً رومانسياً مألوفاً، وليست اغتراباً وجودياً مجرداً، بل هي حالةٌ من الصفاء المأساوي الذي يجعل الذاتَ مركزاً للكون وضحيتَه في آنٍ معاً. “أُجالس في المدى إعصاري” – والتعبير هنا يتجاوز الاستعارة إلى ما يشبه التعويذة. الإعصار ليس ضيفاً، بل هو النديم، هو الجليس في مجلس العدم. إنها طقوسٌ سريةٌ تُقام على مذبح الذات، حيث تتحول الكارثةُ إلى طقس، والفوضى إلى نظامٍ مضاد.
ثم يأتي الفعل “أطوي” ليكمل هذه الليتورجيا الشخصية. طيُّ الشراع ليس استسلاماً، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل هو تأجيلٌ نبيل، هو احتفاظٌ بإمكانية الإبحار عبر الامتناع المؤقت عنه. إن الشاعر هنا يُمارس “صياماً بحرياً”، نوعاً من التقشف الوجودي الذي يمتنع فيه عن الحركة كي يختبر جوهرها. وفي قلب هذا الامتناع، يلمع الأمل “كمنارة”، لكنها منارةٌ ملتبسة: إنها “تغازل” ولا تهدي فحسب، إنها “تقود” المجداف ولا تكتفي بالإشارة إلى الطريق. الأمل هنا ليس وعداً سلبياً، بل فاعلٌ إغوائي، عاشقٌ ماكر يتقن لعبة الحضور والغياب، لعبة الظهور والاختفاء التي ستتحكم في إيقاع القصيدة حتى نهايتها.
وعندما نصل إلى “مُبتغايَ قادمٌ / يلامس موج الطريق”، نكون قد دخلنا منطقةً أكثر كثافةً وتركيباً. فالمبتغى هنا ليس مجرد هدف يُسعى إليه، بل هو كينونةٌ مستقلة، فاعلٌ نحوّي ونفسي يتحرك بإرادته. وإذا كان يلامس “موج الطريق”، فهذا يعني أن الطريق نفسه قد تحول إلى بحر، وأن الوسيط الذي يُعبر عليه أصبح متطابقاً مع العائق الذي يعترض حركة العبور. إنها لحظةٌ من التماهي المطلق بين الحل والمشكلة، بين الداء والدواء، وهي لحظةٌ صوفيةٌ بامتياز، تذكرنا بتلك الحالات التي يتحدث فيها المتصوفة عن “الحق” الذي يصبح “طريقاً” و”رفيقاً” و”مقصداً” في آن.
لكن التحول الأكثر إثارةً يحدث عندما ينتقل الشاعر من وصف المبتغى القادم إلى وصف علاقته الملتبسة به: “استتر خلف زفراتي”. هنا تنقلب الآية: الأمل الذي كان يلوح كمنارة، يختبئ الآن خلف زفرات الذات. كأن الزفرة – وهي علامة التعب والألم – تصبح حجاباً يستتر وراءه الأمل. إنها مفارقةٌ لاهوتية: الأمل لا يظهر في لحظات الصفاء، بل يكمن في أعماق المعاناة، في الزفير الذي هو آخر ما يتبقى من النفس قبل الموت. ثم يتعمق الغموض أكثر: “سرابا يموج على متن لجة.. وينوح؟ / خلف آهات وجه صبوح”. لدينا هنا أربع طبقات متداخلة: السراب (الوهم البصري)، اللجة (العمق المائي)، النواح (الصوت الحزين)، والوجه الصبوح (الجمال المضيء). استفهام “وينوح؟” المعلق بين سطرين، بين معنيين، بين احتمالين، يخلق فضاءً من التردد الدلالي العميق. هل السراب هو الذي ينوح؟ أم الأمل؟ أم المبتغى؟ أم الذات الشاعرة؟ لا نعرف، وفي هذا اللا-معرفة تكمن كل المعرفة. إنه “الغموض الواضح” كما يقول المتصوفة، حين تصبح الحقيقة أكثر وضوحاً كلما ازدادت غموضاً، وحين لا يعود السؤال بحاجة إلى جواب لأن السؤال نفسه صار هو الجواب.
بعد هذه الذروة من الكثافة الوجودية، ينتقل الشاعر إلى ما يمكن تسميته “طقس العزلة المقدسة”. الألفاظ هنا تشكل حقلاً دلالياً طقوسياً: “بصحبة”، “رفقة”، “نتجاذب”، “نرسم معا”. الغربة والوحدة تصبحان كائنين مرافقين، والشمعة الذائبة تصبح شريكاً في السهر. إننا أمام “ثالوث عزلة”: الذات، الغربة، الشمعة. الشمعة بالذات تستحق وقفة أعمق: إنها ليست مجرد مصدر ضوء، بل هي كائن يضحي بذاته من أجل الإضاءة، تذوب لتمنح الآخرين رؤية. أليست هذه هي وظيفة الشاعر نفسه؟ أليس الشاعر هو شمعته التي تحترق لتنير عتمة الوجود؟
“نرسم معا على جدران حائطي / رسومات تحاكي النزف.. / أصدافا منبعثة من قاع أعماقي”. هنا يصبح الإبداع عملاً دموياً، والكتابة شكلًا من أشكال النزف المقنن. الرسومات لا تُمثل النزف، بل “تحاكيه”، أي أنها تخلق نزفاً موازياً، نزفاً جمالياً قد يكون أكثر ألماً وحقيقةً من النزف البيولوجي. أما الأصداف المنبعثة من قاع الأعماق فهي استعارة مدهشة للإبداع الحقيقي: فالصدف لا يُصنع، بل يُستخرج من الأعماق، وهو يحمل في داخله جوهرةً (أو لؤلؤة) تشكلت عبر سنوات من الاحتكاك والألم. قاع الأعماق هنا هو اللاوعي الجمعي والشخصي معاً، هو ذلك المستودع السري الذي تنبثق منه الصور الأولى، البدئية، المؤسسة.
ثم يأتي السؤال الذي يقسم القصيدة إلى نصفين: “أليس مرسى الصبح قريب؟”. السؤال هنا استنكاري إنكاري، يخفي وراءه رجاءً ويأساً معاً. المرسى أصبح للصبح، وكأن الصبح سفينة تحتاج إلى رسو، أو كأن النهار ملاذ بعد ليل طويل من الإبحار في الظلمات. لكن الجواب لا يأتي مباشرة، بل يأتي وصفاً للرحلة المرعبة: “في غياهب جبي المظلم، / نصارع أمواج الظنون، / ونخوض بحراً من شكوك الغيوب”. صورة “الجب” تستدعي قصة يوسف حتماً، لكن الجب هنا ليس مكاناً للرمي والإهمال، بل فضاء للمصارعة والمخاض. أمواج الظنون وبحر الشكوك: لقد أصبحت المجردات الذهنية عناصر طبيعية، والصراع الفكري معركةً بحريةً حقيقية.
“يا شمس قلبي.. ويا مرسى أماني!” – هذا النداء ليس مجرد التفاتة غزلية، بل هو تحويل للأنثى المخاطَبة إلى كيان كوني. هي شمس القلب، أي أنها مصدر الضوء والحرارة والجاذبية في آن؛ وهي مرسى الأماني، أي أنها نقطة الثبات الوحيدة في عالم متحرك. والتحدي الذي يطلقه الشاعر بعدها: “لست أبالي إن رمتني الأمواج وحيدا، / وقلبك، مرهون بجواري” يكشف عن منطق عشقي خاص: لا يهم ما يحدث لي، المهم أن قلبك رهينة عندي. إنه نوع من “الضمان الوجودي”، رهان على أن الخلاص مؤمن حتى لو كانت الرحلة مفعمة بالمخاطر.
الذروة الفلسفية للقصيدة تتحقق في المقطع قبل الأخير، حين يتحول الفجر من وعد خارجي إلى كيان فاعل: “فجر بزوغ الأمل يلوح، / يشق عباب ظلام كسوح”. الفجر هنا لا يشرق فقط، بل “يشق”، وكأن الظلام جسد صلب يحتاج إلى بضع جراحي. ثم يأتي السؤال الجوهري المزدوج: “فهل يدرك الفجر سفينة القلب الحزين؟ / أم يبقى الأمل سرابا يبخس الموج العنيد؟”. في الشطر الأول، الأمل فجر يدرك أو لا يدرك؛ في الشطر الثاني، الأمل سراب يبخس أو لا يبخس. “يبخس الموج العنيد” عبارة مذهلة: كيف يبخس السرابُ الموجَ؟ البخس هو النقصان والظلم، فهل الأمل-السراب يظلم الموج بأن يجعله أقل مما هو؟ أم أنه يقلل من شأنه، يحقره، يجعله عديم الجدوى؟ الاحتمالان قائمان، وفي هذه الازدواجية تكمن عبقرية الصورة.
بين “مد الليل وجزر النهار” – والعبارة هنا تقلب المألوف لأن المد عادة للبحر والجزر له، لكن الشاعر يجعل الليل يمتد كالبحر الآخذ في المد، والنهار ينحسر كالماء في الجزر – يتردد القلب الباحث عن مأوى وشاطئ. إنه “يطرد سواد الغيم العميم”، أي أن الفعل لم يعد انتظاراً سلبياً، بل صار طرداً إيجابياً، صراعاً من أجل الاستنارة.
ثم تنفجر الاستعارة الكبرى، استعارة العنقاء: “كي أغدو كعنقاء تولد من زبد السماء، / ليلة القيام من سبات المحيط”. العنقاء في الأسطورة تولد من رمادها، لكن عنقاء الشاعر تولد من “زبد السماء”، أي من الرغوة السماوية، مما يوحي بولادة كونية كبرى. إنها لا تولد في زمن عادي، بل في “ليلة القيام”، ليلة البعث الكوني حيث ينهض المحيط نفسه من سباته. تحويل المحيط إلى كائن يسبت ثم يقوم هو ارتقاء بالعناصر الطبيعية إلى مستوى الكينونة الواعية. هذه الصورة المركبة تدمج الأسطورة (العنقاء) بالطبيعة (السماء، الزبد، المحيط) بالدين (القيام) في توليفة شعرية نادرة.
التحليق الختامي: “أحلق عاليا فوق الموج كما أشاء” – هنا تتحقق الحرية المطلقة. الذات التي كانت تغرق في الموج تصبح فوقه، والحركة التي كانت خاضعة للأمواج تصبح خاضعة للمشيئة الذاتية. وحين يتحقق هذا التحليق، “حينها يدرك قلبي الغريق.. / أن الأمل ليس سرابا يلوح، / بل بدر يفيض.. / يهدي دروب السفين”. القلب ما زال غريقاً حتى وهو يحلق، وفي هذا المفارقة الأخيرة تتجلى كل مأساوية النص وجماليته. لكن هذا الغريق يعرف الآن أن الأمل لم يكن سراباً، بل كان بدراً فياضاً.
والبدر هنا ليس مجرد صورة للجمال والنور، بل هو “يفيض”، أي أنه يتجاوز حدود ذاته، يمنح ضوءه دون مقابل، يهدي “دروب السفين”. الخاتمة تعود إلى بحرية النص الأولى (السفينة، الدروب البحرية) لكن بعد تحول جذري: السفينة التي كانت مترددة في الإبحار، والتي كان شراعها مطوياً، أصبحت الآن مهتدية، تسير في دروب مضاءة. والسراب الذي كان يهدد بأن يكون خداعاً بصرياً تحول إلى بدر، أي إلى حقيقة كونية ثابتة.
إن ما يجعل هذه القصيدة عملاً استثنائياً ليس مجرد جمالياتها البلاغية، بل قدرتها على خلق “ميثولوجيا أمل” خاصة. الأمل هنا ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل هو يقين يولد من رحم الشك، نور ينبثق من قلب العتمة، طيران ينطلق من عمق الغرق. إنها قصيدة تقول لنا إن الأمل الحقيقي لا يأتي من خارج الذات، بل هو تلك العنقاء التي تولد من زبد سمائنا الداخلية، في ليلة القيام الخاصة بنا، حين ينهض محيط أرواحنا من سباته الطويل.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
20/07/2026
*******************
القصيدة:
لقاء.. وتراتيل
وحدي.. أُجالس في المدى إعصاري
أطوي شراعَ العُمر، أُرجئُ إبحاري
على أمل يلوح كمنارة
تغازل أحلامي، وتقود مِجدافي.
مُبتغايَ قادمٌ
يلامس موج الطريق
استتر خلف زفراتي،
سرابا يموج على مَتن لُجّة.. وينوح؟
خلف آهات وجهٍ صبوح.
بصحبة غُربتي ووحدتي،
رفقة شمعة تذوب
كزَبد على رمل
يُجاور عتمتي
نتجاذب سهر الليالي،
نَرسم معا على جُدران حائطي
رسوماتٍ تحاكي النّزف..
أصدافا منبعثة من قاع أعماقي.
أليسَ مرسى الصّبح قريب؟
في غياهب جُبّي المُظلم،
نصارع أمواج الظنونِ،
ونخوض بحراً من شُكوك الغيوب.
يا شمسَ قلبي.. ويا مَرسى أماني!
لستُ أبالي إن رمتني الأمواج وحيدا،
وقلبكِ، مرهونٌ بجواري.
أنتِ من سينيرُ مَضيقَ وجداني.
فجرُ بزوغ الأمل يلوح،
يَشقُّ عُبابَ ظلام كسوح
فهل يُدرك الفجرُ سفينةَ القلب الحزين؟
أم يبقى الأملُ سرابا يبخسُ الموجَ العنيد؟
يكاد يستكين في الأعماق ولا يُبين.
بين مدِّ الليل وجزر النهار يتردّد،
يبحثُ عن مأوى وشاطئ
يطرد سواد الغيم العميم
كي أغدوَ كعنقاءَ تولدُ من زَبدِ السماء،
ليلةَ القيام من سُباتِ المحيط.
أُحلّقُ عاليا فوق الموج كما أشاء،
حينها يُدرك قلبيَ الغريق..
أنَّ الأملَ ليس سرابا يلوح،
بل بدرٌ يفيضُ..
يَهدي دروبَ السَّفين.
سعيد محتال
المغرب







