من يشنقه صوت الماضي لن يخاطب المستقبل| عبد السلام أضريف

 

لكل انسان دخل خضم متاهات الحياة ،وبعد عمر طويل ،حتما لذيه ماضٍ ، تعايش من خلاله مع مختلف المراحل العمرية ، ماضي تَكَون من زخم متنوع من الذكريات والتجارب والوقائع، طبيعتها تختلف من حيت درجة الحرارة ،والأثر، وهي حقيقة مجموعة من السلوكيات والمغامرات ،تم تشييدها بدقة متناهية ، دون ترتيب أو تخطيط مسبق لها ، بحيت ستبقى راسخة على صفحات مرافىء الزمن اللاشعوري، كما يقول عالم النفس سيجموند فرويد،لا تتغير ولا تتاَثر بفعل الزمن ، كما أنها غير خاضعة للتقادم. فلكل انسان مجموعة من الوقائع والاحداث تَشكٌلت في الزمن الماضي عبر ضوء وَقُود لا مرئي، غير خاضع لمقاييس وقواعد العقود المدنية من بيع او شراء ، وَقود هو اساس تعبئة مجموعة من الوسائل والآليات التي عملت بطريقة صامتة،وهادئة في بناء شخصية الحاضر ، فضلا عن كونها شعلة ما زالت متقدة لكونها تستمد قوتها من شجرة مباركة زيتونة توحي بفضل نورها اشعاعا الهدف منه تعبيد الطريق من أجل بناء تصور مستقبلي .

الماضي بوقائعه ،وصمود تحدياته ، بدفىء هوائه ومائه ، بمغامرات حكاياته،وبحرارة سلوكياته ، بجرءة تحليلاته التي لاسند علمي لها ولا شرعية ، والتي كانت دوما تحليلات ذات أبعاد خاطئة ،بل احيانا يترتب عليها الفشل ،او عقوبات زجرية، وكم كان احساسنا مع ذلك متناقضا، ضنا منا ان ذلك الفشل ظرفي ومتجاوز ، ويمكن التغلب عليه عند المحاولات الاخرى،لكن الخيبة والفشل كانتا هما نبراس النتائج، ومع ذلك كنا لا نندب حضنا ،وذون ان ندرك تماما بأن مرحلة الماضي هي مرحلة انتقالية تُصنع من أجل بناء الحاضر ، وليست مرحلة استرخاء ولعب ولهو .
الماضي زمن مضطرب الأطوار تَشَكّل من خلال تراكم خبرات متعددة ، الجميل منها كان كذلك في عرف ووعي اللحظة الزمنية ، و السيء منها كذلك ،حيت ان الفشل الذريع كان هو القاعدة الاساس في مجملها وخاصة في مرحلة الطفولة والمراهقة، فضلا عن التوترات الأسرية، المقرونة انذاك بروح المغامرة عند الشخص الذي كانت عنده ،وبحثه الدائم عن مَرافيء جديدة محاولا الرُّسُو عندها،اضافة الى العناد الخاص ،في كل واقعة ،وضد كل من يحاول انتشاله من قوقعة معاركه مع الذات ،وضد كل من يثير غضبه ، ذون الاكتراث بصواب سلوكه ام مجانبته له، هذا الماضي هو اللبنة الاساس في تشكيل شخصية الفرد، وهو جزء لا يمكن نكرانه ،او التغاضي عنه ، فهو مُخزن بمخازن ذاكرة العمر وسيبقى مُسطرا فيها بحبر غير قابل لا للتلف ولا للمحو، لانه اقوى من كل شيء، واَهوَن من كل شيء، فتجارب ما بعد الطفولة والمراهقة من دراسة،من تكوين ومن علاقات وصداقات ،فضلا عن تجارب استثنائية اخرى، بدورها ستأخذ مكانها ضمن زوايا الذاكرة ، ولا يمكنها ان تحل محل التجارب السابقة ، بل تُكملها ، وهما معا يشكلان مُكونات شخصية الحاضر في مواجهة كل المستجدات من احداث ووقائع يصادفها الانسان في مشواره الحياتي ،لا شيء يندثر ولا شيء يضيع ، ولكن الكل يتشكل من جديد في اطار مكون جديد يتلاءم والمعطيات الجديدة .
تجارب الماضي عبارة عن ذكريات حفرناها داخل أعماقنا، وصورٌ حفظناها في عيوننا، حنين عظيم حبسناه داخلنا، واشواق باتت واضحة بكلماتنا، والحب لا يمكن أن نخفيه عنا .فحينما أعود بأفكاري الى الماضي، مفتشا بين شواطىء الذكريات عن بقايا سعادة اللحظات التي اَثتث بنيان زمن الانفتاح على المحيط الخارجي وعن الاَنا ،فتأخذني الحميمية إلى فترة كان في عرفنا وفي وَعينا المحدود ان كل شىء ممكن تحقيقه وتنزيله على ارض الواقع ،من ذون اي تعقيدات ، لكن الواقع كان اقوى واكبر ، وأن الزمن بجبروته وصرامة ثوانيه الحادة الماضية تمر قُدما من غير توقف ولا تعب، لحظات أمامنا ولا تزال نفس المشاعر فينا، ودفاترنا لا زالت مملوءة برسومات طفولتنا، ومقاعدنا لا زالت تحوي دفء حكاياتنا.
كثير من الناس يعيشون طويلاً في الماضي فلا يقبلون الخروج منه لكونهم ينتمون إليه وجدانا وعقلا ، لكن الواقع ان الماضي ليس حاجزا ،او منصة لا يجوز القفز عليها، او انه عبارة عن أريكة للاسترخاء الدائم عليها،بل هو محطة تمكننا من مواجهة المستقبل – واِن غابت عنه مؤشرات المستقبل المتفائل ،فمن يشنقه صوت الماضي يستحيل عليه مخاطبة المستقبل ،ولكن من لذيه الجرأة على السيطرة الفعلية على مختلف تلاوينه مؤهل فعليا على السيطرة على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يمكنه السيطرة على انفعالات الماضي .

صفوة القول ، فالماضي قوة ناعمة لكنها ممتنعة ، حيت ان الانسان مهما بلغت درجة نضجه ووعيه وسطوته، ليس بمقدوره أن يمحو الماضي بما يحوي من ذكريات بصورة قطعية، اعتبارا لكون الماضي لذيه من القوة ما يفوق حجم ارادة التغيير أو النكران ، وهنا تكمن سلطة الماضي بعبقه وبهندسته الثلاثية الأبعاد .

الله غالب 28 يوليو 2026