فضايا إنسانية ظلال الخير

الكاتبة نعيمة السّعديّة- سلطنة عُمان

قال الله تعالى في سورة الزّلزلة:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾.

الخير هو كلّ سلوك يهدف إلى تحقيق الصّلاح والإحسان، والنّفع للفرد والمجتمع.
وهو كلّ ما وافق شرع الله، وأثمر نفعًا في الدّنيا وثوابًا في الآخرة، وهو مرتبط بالنّيّة الصّالحة، وامتثال الأوامر، والابتعاد عن النّواهي، ونفع المخلوقات.

والخير من أسمى القيم والأخلاق والفضائل المرتبطة بالإرادة الطّيّبة الصّالحة، وهو كلّ ما من شأنه تحقيق الكمال والإحسان والنّفع المادّي والمعنويّ للفرد والمجتمع.
وما دامت نيّة الإنسان صادقةً في عمل الخير، اتّسعت رقعة الخير في الحياة.
للخير وجوه كثيرة تسهم في بناء الحياة؛ فعلى الإنسان أن يكون شريكًا في هذا البناء، وأن يعمل على إعلائه في مواجهة تحدّيات الشّرّ، مهما طال أمده.

لا تستصغر فعل الخير مهما كان بسيطًا؛ فقيمته عظيمة في القلوب مهما بدا صغيرًا، وهناك صور لا تعدّ ولا تُحصر للخير منها: الابتسامة، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في ذلك: “تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ…”

وهذا القول الكريم دليلٌ واضح على اتساع دائرة الخير وتشعّبه حتّى وإن كان فعلًا في غاية البساطة. كما أنّ الكلمة الطّيّبة لها أثرٌ بالغ الأهميّة في قلوب الآخرين، وفي ذلك قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾

فإنّ إماطة الأذى عن الطّريق، ومواساة المحتاجين ومساعدتهم، وتعليم الآخرين وقضاء حوائجهم، وغيرها من الأعمال الّتي قد نراها صغيرةً في أعيننا، هي عظيمة في أثرها، وتزرع السّعادة في القلوب.

وهناك من الخير ما يكون خفيًّا بين الإنسان وربّه؛ فثمّة أيادٍ تمتدّ في الخفاء؛ فلا ينتظر فاعل الخير شكرًا أو ذكرًا، بل يرجو الأجر والمثوبة من لدن ربّ كريم. ولا يرتبط فعل الخير بالغنى؛ فهو لا يقتصر على المال، بل يمكن أن يكون علمًا، أو جهدًا، أو وقتًا، أو نصيحةً، أو دعاءً أو موقفًا نبيلًا.

قال أبو الفتح البُستيّ:
ازرع جميلًا ولو في غير موضعه
فلن يضيع جميلٌ أينما زُرع.

والخير الذي تمنحه للآخرين لا ينفعهم هم فقط، بل قد يكون هو الخير الذي ينقذك أنتَ؛ إذ يمتدّ أثر الخير إلى زوايا الحياة المختلفة، بدءًا من الأسرة؛ حيثُ يمتزج الودّ بالرّحمة في علاقة الإنسان بأفرادها، ومن أبرز صور ذلك: برّ الوالدين والرّحمة بالأولاد، والرّفق بين الزّوجين، وصلة الأرحام وغيرها من الآثار الجميلة الّتي تعود بالخير العَميم على فاعل الخير.

ولا يقتصر فعل الخير على محيط البيت فقط، بل ينتشر في كلّ مكان: المدرسة والجامعة والعمل والشّارع.
فربّما لا يتذكّر الطّالب كلّ الدّروس الّتي تلقّاها أثناء فترة دراسته في المدرسة، لكنّه قد يحمل في قلبه كلمةً طيّبةً قالها له معلّم فرفعت ثقته بنفسه أمام زملائه؛ فكلمة تشجيع قد تغيّر مسار إنسان.

ويُزهر الخير في المجتمع في جوانب حياته المختلفة، فنراه في تعاون أفراده، وتكافلهم وتراحمهم؛ فالمجتمع لا يُبنى بالقوانين والأنظمة وحدها، بل بالقيم الّتي يؤمن بها أفراده.
قال الرّسول الكريم: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”.

غير أنّ الحياة لا تخلو من نقيض الخير؛ فحيثُ يوجد الخير قد يمتدّ الشّرّ بظلاله كذلك، خصوصًا في زمنٍ كثرت فيه القسوة، لكن هذا لا يجعلنا نتنازل عن قيمنا الّتي تكمن في قلوبنا، بل ربّما يكون وجود القسوة دافعًا قويًّا إلى أن نكون أكثر رحمةً ورأفةً بالآخرين.

ورغم ما يقدّمه بعضنا من خيرٍ قد يُقابل بالجحود من قِبل بعض النّاس، فإنّ جحودهم لا ينبغي أن يطفئ فينا رغبة الخير؛ فما كان لله لا يحتاج إلى شاهدٍ من النّاس.

ومن أجمل أنواع الخير ما يمتدّ أثره إلى ما بعد رحيل صاحبه مثل: العلم، والصّدقة الجارية، وفي ذلك يقول الرّسول عليه أفضل الصّلاة والسّلام:
” إذا ماتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْه عَمَلُهُ إلّا من ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ”.

وللخير ثمارٌ يانعة شهيّة تطيب بها حياة الإنسان في الدّنيا، ويفوز بأجرها في الآخرة. فما أطيب ثمار الخير وما ألذّ طعمها!

فهيّا بنا نخوض غمار العطاء أينما كان، ولو لم نحقّق ما نصبو إليه بحذافيره؛ فيكفينا شرفًا أن نكون قد نوينا فعل الخير بشتّى ألوانه؛ لذا لا تنتظروا ردّ المعروف، واحتسبوا الأجر من عند الله تعالى؛ فنيل الأجر من لدنه عزّ وجلّ أعظم ما تسعد به الرّوح؛ فنحن بالخير نحيا وبه نستمرّ، وما أرقى النّعيم حين يكون في صورة خير!

فابحثوا وفتّشوا عن وجوه الخير وصوره؛ لتحيوا حياةً كريمةً في ظِلاله، وتسمو نفوسكم إلى أعلى قمم الحياة في الدّنيا والآخرة.