
قراءة مغايرة في عبثية ادب فرانتس كافكا|علي احمد جديد
كاتب |سوري مقيم في لندن
بدأت فلسفة “الأدب العبثي” في أوروبا مع القرن التاسع عشر مستَمِّدةً أصولها من فلسفة “الوجودية” للفيلسوف الدانماركي (سورين كيرك غارد) التي كانت تهتم بالجوانب الإنسانية دون الجوانب الأخرىٰ ، لتؤكد أن الإنسان هو المسؤول عن سعادته وإيمانه ، وعن أسلوب حياته دون الاحتياج لأي مؤثِّرٍ خارجي . وبينما كانت النخبة الفكرية في أوروبا تعمل علىٰ ترويج فلسفة “العدمية” التي تعني أن الحياة خالية من أي معنىً سواءً الغاية التي يوجدها الإنسان بنفسه أو بجوهرها كما كان يعتقد (فردريك نيتشه) ، جاءت “العبثية” كخطٍّ فلسفي جديد لأبرز شخصيات مذهب “العبثية” الفرنسيين (صاموئيل بيكيت) عام 1906 . ثم تطوّرت في أدب الفيلسوف الفرنسي ـ الجزائري (ألبير كامو) وفي بعض المفاهيم من الخط الفلسفي التي تضمنتهما روايتيه “أسطورة سيزيف و الغريب”. وبذلك انطلقت فلسفة “العبثية” كتيّارٍ أدبي في فرنسا ، ومنها انتقلت إلىٰ سائر الآداب العالمية وبصورةٍ خاصة في تلك التي كانت تعاني من آثار الحرب العالمية .
قامت فلسفة “العبثية” علىٰ انتهاج الإنسان في بحثه عن معنىٰ الحياة والكون من عدم معناهما بثلاثة طرق :
*) أولاً : الهروب من الحياة ، وهذا لم يكن يعني (الانتحار) ، بل الهروب الفكري والعزلة ، لأن الانتحارَ وسيلةٌ غير صحيحة للتهرّب من المعاناة .
*) ثانياً : التَوَجّه نحو الإيمان بالمعتقدات الدينية والروحية التي تسعىٰ إلىٰ عالمٍ متعالٍ والعيش بخمولٍ وركود في ظلِّ (الوهم) الديني .
*) ثالثاً : الإيمان بـ”العبثية” التي تعني أن الإنسان سيظل يحاول ـ عبثاً ـ الوصول إلىٰ الحقيقة دون أنْ يُدركَها ، لأن الكونَ مجرّدُ أوهامٍ وتخيّلاتٍ لاتصل إلىٰ نهايات مُطلَقَة ، وأنَّ البشر يحاولون تاريخياً إيجاد أيِّ معنىً لحياتهم ، وغالباً ما تؤدي نتائج هذا البحث تقليدياً إلىٰ واحدةٍ من نتيجتين اثنتين :
“إما أنَّ الحياة لا معنىٰ لها ، أو أنَّ الحياة تنطوي في داخلها علىٰ هدفٍ غامضٍ ومَنصوص (مُقَدَّر) من سُلطةٍ أعلىٰ” .
وبذلك كانت فلسفة “العبثية” لا ترىٰ في السلوك الإنساني أيَّ مضمونٍ حقيقي لتصرفات الإنسان وأفعاله الأخلاقية سواء في الخير أو في الشَرّ ، لأن الفراغ الروحي والابتعاد عن الإيمان يُجرِّدُ الحياة من أي معنىٰ أو غايةٍ بعد أنْ سيطرت الآلةُ علىٰ الإنسان في سعيه للتمدّن المؤدي إلىٰ انحلال المجتمع وتفككه من الروابط الأُسَرية والاجتماعية ، ولأنَّ تصويرَ الحياة المعاصرة وما فيها من تشتتٍ وفقدانٍ للرؤية الواضحة قد حوَّل الحياةَ إلىٰ وجودٍ بلا معنىٰ . وكان ذلك نتيجةَ التأثّر بالأفكار القَبَّالية اليـ.ـهو.دية التي صاغها (سيغموند فرويد) في نظرياته لعِلم النفس التحليلي ، وفي إيحاءاته عن الأحلام والأوهام بعد أن وصل (ألبير كامو) في فلسفته “الوجودية” للمجتمع إلىٰ مفهوم الفلسفة “العبثية” عن طریق التَمرّد علیه ومجابهته ، وكان الوحید من بین الفلاسفة الذي خرج بنتیجة أنَّ “العَبثَ” لا یترك الفكرة مجرَّدةً من الحل ، لأن الوجودَ موجودٌ ولا أحد يريد أن يراه سواءً في الأهوال وفي الصراعات الدموية ، أو في أخطر المآسي البشرية ، إلّا أنّ المقصود من ذلك ليس التعرّف إلىٰ الـ”لامعنىٰ” ، بل التعلّق به والتعلّم من التفاهات المحيطة بالكون لأنها مفتاح الحكمة ، ومفتاح المزاج الجيد والرضا .
ولمعرفة حقيقة “الأدب العبثي” أكثر ، فهو مذهب في الأدب العالمي جاء نتيجة المفاهيم (الوجودية والتجريدية والسريالية) في كلٍّ من الفن التشكيلي والأدب ، وبذلك كانت “العبثية” مذهباً بوهيمياً يُستخدَم في أشكال الأدب من الرّوايات والقصص أو المسرحيات والقصائد التي تركِّز علىٰ تجارب الشّخصيات من أبطال الأعمال الأدبية في أوضاعٍ لاتمكِّنهم من إيجاد هدفٍ أصيلٍ لحياتهم . وغالباً ما تتمثل هذه الأوضاع بأحداثٍ وأفعالٍ لا معنىٰ لها وتأتي دون مقدِّمات لتنتهيَ بلا أهداف مطلقاً . وبذلك يمكن تصنيف أعمال الأديب اليـ.ـهو.دي التشيكي (فرانتس كافكا) كلها تحت مظلة
” الأدب العبثي ” أو “البوهيمي – الكابوسي” من خلال استعراض روايته الأشهر عالمياً والأحبِّ إلىٰ قلبه ، والتي كتبها بعنوان ” المسخ ” .
تدور أحداث رواية “المسخ” كما كتبها (فرانتس كافكا) مُخلِصاً ليـ.ـهود.يته التي كان يعاني منها في أوروبا ، حول بطلها (غريغور سامسا) الذي يعمل بائعاً ، ويعيل عائلةً متوسطة الأفراد في مدينة أوروبية شديدة الانتماء لأخلاقياتها المادية ، وفيها يتحوّل (غريغور) بشكل “عبثي” ومن غير مقدِّمات إلىٰ (حشرة) ليواجِهَ صعوباتٍ كبيرةً في التأقلم مع وضعه الجديد . وفي ذات الوقت ، تجتاح عائلة (غريغور) المشاكل النفسية والاجتماعية ، لاعتقاد الجميع – بل أمنياتهم – أنْ يكونَ (غريغور) قد مات ، لأنهم لم يستطيعوا فَهمَ واستيعابَ وجوده وهو في حالته الجديدة . وبينما كان (غريغور) يعاني من صعوبةٍ في التعامل مع حياته الجديدة ، ويشعر بالإحباط والعزلة ، إلّا أنه رغم ذلك كان يُصرُّ علىٰ محاولة التحسن بشكل تدريجي من خلال تصميمه علىٰ التأقلم مع حالته الطارئة حتىٰ يشعرَ بالرضىٰ في تَقبُّلِ حياته المفروضة عليه بقسوة ، إلّا أنَّ بيئته المحيطة كان لها رأيها الآخر .
تُعتبر رواية “المسخ” عملاً أدبياً عميقاً برموزه ، تناول (كافكا) من خلالها موضوعاتٍ متعددةً ، مثل العزلة القسرية والتحوّلات النفسية والاجتماعية ، لتكون من أكثر الأعمال الأدبية التي تثير الجدل وتترك أثرها العميق في القارئ المتلقي ، لأنها تحتاج إلىٰ قراءةٍ دقيقة وإلىٰ تفسيرٍ هادئ مُعمَّق للوصول إلىٰ فهم ما ترمز إليه دلالات أحداثها .
تميّز أسلوب (فرانتس كافكا) في روايته “المسخ” بالتعبير الدقيق والمُفصَّل ، وحمل في ثناياه العديد من الرموز التي تحتاج إلىٰ التفسير لأنه اعتمد وصف الحالات النفسية والجسدية لكل شخصيات الرواية محافِظاً علىٰ الهدوء في أسلوبه وعلىٰ الرَوية وعدم التشويش .
وبعد أن تمّت ترجمة رواية “المسخ” إلىٰ العديد من اللغات ، حظيت بشعبية واسعة ، وهو مادفع إلىٰ اعتبارها من الأعمال الأدبية الرائدة في الأدب العالمي وتحديداً الأدب “العبثي” الحديث .
لاشك بأن رواية “المسخ” عمل أدبي فريد من نوعه ، تحدّث عن قضايا الإنسانية العميقة والمعقدة ، واعتمد الأسلوب الدقيق والتعبير المفصَّل في نقل المعاني والأفكار بشكلٍ واضح وجَليٍّ وناجح في صياغة أسلوب الأدب العبثي بامتياز . إذْ نجح (فرانتس كافكا) في روايته “المسخ” برسم الآثار النفسية والاجتماعية التي ترتبت علىٰ هذا التحوّل الذي ينتهي بالبطل إلىٰ الانتحار . لأنّ المعاملة التي كان يتلقاها (غريغور) من عائلته ، وزوّارهم ، ومحاولاتهم إخفائه ، ووصول شعورهم بالخزي منه ، كان ذا رمزيةٍ كبيرة في تحليل سيكولوجية المجتمعات الأوروبية التي كانت في تلك الفترة لا تتقبّل بسهولة وجود الأقلية اليـ.ـهو.دية التي تعيش بينهم والتي تختلف عنهم في التفكير والسلوك وفي أمورٍ حياتيةٍ كثيرة . وكذلك حال الأفراد المُهمَّشين في الفقر أمام جبروت رأسمالية البيئة التي يعيش فيها ، وحال كل الأقليات الدينية والثقافية ، وحتىٰ أصحاب الإعاقات الذين هم من أبنائهم ، ويكشف في الرواية عن معاملة عائلة (غريغور) له فور مسخه عمّا تعتمره نفوس الآخرين من التصريح بالاختلاف ومن الإساءة إلىٰ المختلفين عنهم . وقد شكّل حَدَثُ التحوّل الطارئ عند بطل الرواية (غريغور) انعكاساً للاغتراب الذي يعانيه الإنسان حين يقرِّر التخلّص من الالتزام والاستنزاف الإنساني الذي كان يعيشه ، لأن بطل الرواية (غريغور سامسا) كان يعمل كالآلة التي لاتتوقف من أجل إعالة عائلةٍ كانت تعتمد عليه رغم امتلاك أفرادها المقدرة علىٰ العمل وإعالة أنفسهم ، وذلك ما حدث فعلاً بعد مَسخه . ورغم أن التحوّل الذي حصل كان انقلاباً من حالة “وجودية” وتقليدية إلىٰ حالة “عبثية” مُغايِرةٍ للبطل وللعائلة علىٰ حَدٍّ سواء ، إلا أنّه كان يمثّل له تحرراً من المسؤولية التي كانت تسرق حياته كاملةً بكل تفاصيلها الصغيرة منها والكبيرة .
اعتبر (كافكا)في بناء شخصية (غريغور) أنَّ البشر أنانيون من خلال تأكيده بأنّ الرحمة والاحترام مشروطان بمدىٰ الفائدة المادية التي يمكن للآخرين الحصول عليها من الشخص ، لأنَّ (غريغور) عندما كان يُعيلُ أسرتَه كان يتلقىٰ معاملةً مختلفة عن تلك التي صار يتلقّاها بعد تحوّلِه إلىٰ “مسخ” ، ولأن فائدته بعد المَسخ باتت منعدمةً لدىٰ أفراد عائلته ، صاروا يعاملونه كعالةٍ عليهم وكحِملٍ ثقيلٍ غيرِ مرغوبٍ في وجوده . واستفزَّت فيه هذه المعاملة السيئة مشاعرَ الاكتئاب العميق ودفعته إلىٰ الهروب بالانتحار ليتخلّصَ من وضعه ، وليقدّمَ نفسَه فداءً لعائلته التي لا يريد إرباكها وتكليفها أكثر مما تستطيع . أي أنه لم يتوقف عن العطاء حتىٰ بطريقةِ رحيله عن الذين أساؤوا إليه .
كانت رواية “المسخ” عملاً أدبياً تتيح تفاصيلها للقارئ فرصةَ التعرّف إلىٰ الأساليب والتقنيات الأدبية المختلفة ، بدءاً من الوصف الدقيق والتعبير المفصَّل ، وصولاً إلىٰ الرموز والمعاني الدقيقة . وذلك ما يستفزُّ مَلكات القارئ في النقد وفي البحث عن المعاني الخفية وعن الدلالات العميقة للنَصّ .
ولأن الرواية تتناول في أحداثها حالةَ شخصٍ تحوّل إلىٰ (حشرة) ، فإنَّ هذه الحالة الخيالية كانت تصويراً دقيقاً عن العزلة وعن التمييز الذي كان يواجهه الفرد “اليـ.ـهو.دي” في المجتمع الأوروبي ، وكذلك هي العلاقة المتوترة بين أفراد العائلة والعلاقة مع السلطة – ربّ العائلة الذي ينفق عليها ، وربّ العمل الذي يدفع الأجر – لأنَّ تميّز الشخصية الرئيسية في الرواية “غريغور سامسا” بالهدوء والخجل ، هو ما استنهضَ فيه السعيَ إلىٰ تطوير شخصيته مع تطوّرِ حالته الجديدة التي انقلب إليها . ويمكن القول بأنَّ تصرفات الشخصيات الثانوية في الرواية كانت تعكس صفات المجتمع في التعامل مع المختلفين والمتميزين فيه .
كما عكست الرواية العديد من الحالات النفسية المعقّدَة ، كالشعور بالعزلة والإحساس بالقلق وبالخوف والتوتر ، فتُوضِح عمقَ هذه الحالات النفسية وما يمكن أن يترتب عليها .
لم تهمل الرواية مناقشة المواضيع الاجتماعية ، فاستعرض (كافكا) من خلال أحداثها أهمية العلاقات الاجتماعية ، والعائلية ، والسلطة .. والهُويّة الذاتية ، ليوفِّر الإمكانية علىٰ فَهمِ هذه العلاقات وأثرها علىٰ الفرد في المجتمع .
تميّزت رواية “المسخ” بأسلوبٍ أدبي دقيق وبارع في استخدام الرمزية والتعبير المجازي ، وذلك ما سَهّل نقل المعاني والأفكار بشكل واضحٍ وجَليٍّ يعطي القارئَ المجال الواسع والفرصة في خوض تجربة أدبية ممتعة وفريدة . فكانت رواية “المسخ” رحلةً مُرعِبةً تحملُ أبعاداً نفسية كثيرة لذلك الشخص الذي يعيش غريباً عن مجتمعه حين يكتشف اغترابه أمام نفسه في محاولة للتعبير عن حالة العجز لدىٰ الإنسان المعاصر .
كان (كافكا) يرسم في رواياته لوحاتٍ سوداءَ بأقلامٍ سودٍ عن عبثية الحياة التي لا جدوىٰ من استمرار العيش فيها ، ليُدخِلَ القارئَ في عالمه السوداوي القاتم بسرعةٍ كبيرة ، كي لا يكلّف نفسه عناء السرد والتفاصيل الأدبية التي تعكس شكله الروائي ، واستخدم حروفه بدقة شديدة ليس من أجل توضيح رؤيته ، وإنما من أجل تغلغل المُتلَقي عميقاً في غِمار عالمه الكابوسي .
ورغم أن الشغفَ بالآداب لا يُجيز وجودَ العواطف في العلوم من حيث المبدأ ، لأن ذلك يتنافىٰ مع طبيعتها . إلا أنَّ التساؤل الذي يطرح نفسه بتحليلٍ علميٍ عميقٍ وشاملٍ ، يدعو لدراسة أعمال (فرانتس كافكا)
ـ عربياً ـ كخطوة في درب الدعوات إلىٰ إحلال السلام العادل في المنطقة العربية ، كما أن الاهتمام في كيفية تناول (كافكا) عربياً منذ العام 1939 ، أو في كيفية فَهم أعمال (كافكا) وأسباب تأويلها ، وسرعة انتشار تأثيرها في الأعمال الأدبية العربية خلال السبعين سنة الأخيرة ، سيكشف وجود خطوات و مراحل في تناول (كافكا) وتلميعه من خلال أعماله ، التي يجب النظر إلىٰ دلالاتها المجتمعية والفكرية الإيديولوجية والأدبية . ففي العام 1939 كانت البدايات المبكرة للاشتغال “العربي – الفرانكفوني” بأعمال الكاتب (فرانتس كافكا) ابن العاصمة التشيكية “براغ” دون البحث في خلفيته الشخصية أو العقائدية ، وذلك في أوساط “السريالية” الوافدة ، حيث كان الشاعر المصري (جورج حنين) من أشهر ممثليها في الوطن العربي وكتب فيها عدداً من مقالاته باللغة الفرنسية . كما أنَّ دراسة أعمال (كافكا) دفعت الأديب الكبير (طـٰه حسين) إلىٰ طرح أفكاره المتعلقة بالقراءة (العلمانية) للتشريعات و للتقاليد الإسلامية ، ووفَّرت للشاعر (جورج حنين) الحجج والذرائع التبريرية لنضاله في إطار الحركة السريالية في سياق الحركة العلمانية . وفي ستينيات القرن العشرين المنصرم التي اتسمت بغزارة الترجمة لأعمال (كافكا) إلىٰ اللغة العربية والتي لم يرافقها اهتمامٌ متزايدٌ في أوساط المثقفين فحسب ، بل رافقها أيضاً تنامي القراءة المُنتِجَة ، والالتباس في معالجة المواضيع والقضايا “الكافكاوية” في الأعمال العربية المعاصِرة ، وذلك ما يُبيِّن انعكاس النقل الفكري الذي تعنيه المعالجة الأدبية المستقلة ، بل ويُظهِر المكانة الرفيعة التي باتت تتبوأها أعمال (فرانتس كافكا) في محاولات ترويج الدعوة إلىٰ “الحركة العربية التجديدية” الملموسة بحماسة إلىٰ حدٍّ بعيدٍ في تلك المرحلة . وقد أتت قراءة أعمال (كافكا) في سياقٍ سياسيٍ بدأ في سبعينيات القرن الماضي ضمن جدلٍ سياسيٍ ملتهب حول صهـ.يو.نية (فرانتس كافكا) اليـ.ـهو.دي .
وبناءً علىٰ المقارنة بين القراءات المتباينة لروايته “بنات آوىٰ وعرب” فإن التركيبات المختلفة للصـ.ـهيو.نية في وجهات النظر المتنوعة التي عاينت كل ما هو يهـ.ودي التَوَجُّه في أعمال (كافكا) ، حيث أبصر فيها المراقبون الأوروبيون ، تحديداً ، تاريخاً يهـ.ود.ياً – عربياً ، وصراعاً يهـ.ود.ياً بذريعة ما حدث في المحرقة النازية التي جاءت بعد مخاض يهـ.ودي لترجمة (وعدبلفور) عملياً ، بينما انطلقت المراجعات العربية من زاوية الصراع العربي – الإسر.ائيـ.لي ومن الهزائم العربية الناتجة عنه ، لتفرز قراءاتٍ متباينةً في أعمال (كافكا) توصل للقول بأنه صهـ.يو.نيٌ مناصرٌ للصـ.ـهيو.نية . وهذا يعني ـ علىٰ المستوىٰ المجرد ـ أننا أمام نظرة مختلفة إلىٰ الصراع في الشرق الأوسط ، وتفتح مدخلاً منطقياً لفهم الصراع العربي – الإسـ.رائـ.يلي ، وتحديداً عبر هذه التعددية في الأبعاد التي تُفضي إلىٰ قراءة عربية سليمة لأعمال اليهـ.ودي (كافكا) بحيث لا يمكن تصنيفه ، ككاتبٍ يهـ.ودي من منظورٍ عربيّ لأن التحليل الدقيق لعمليات القراءة – العابرة للثقافات – والعمل العلمي الأدبي المُفصَّل والمبني علىٰ معرفة تاريخية جذرية هو في نفس الوقت مناشدة مقبولة ومتلهفة لرؤية الصراع العالمي بشكلٍ واقعي جديد ، خاصة ، بعد سقوط الأقنعة التي تتستر اليوم علىٰ تحديث (سايكس – بيكو ) ومحاولات استنساخها أمام جريمة الإبادة الجماعية التي تتم ممارستها اليوم في كلٍّ من غزّة والجنوب اللبناني .
عانىٰ (كافكا) من أبيه كشخصية متسلطة تركت أثراً عميقاً فيه ، وكان يعاني طيلة حياته من الصداع النصفي والأرق حتىٰ تمَّ تشخيص مرضه في عام 1917 بـ(السِلّ) ليقضي ماتبقىٰ من حياته في مصح . وكان (كافكا) قد عهد بمخطوطاته لصديقه وكاتب سيرته (ماكس برود) الذي قال بأنه أوصاه وهو علىٰ فراش الموت أن يحرَقَ أعماله بعد وفاته ، ولكن (برود) لم يُنفِّذ رغبته واحتفظ بآثار (كافكا) المخطوطة ليعمل علىٰ نشرها فيما بعد . وعندما تُطرَح قضية (يهـ.ود.ية كافكا) وعنصريته فهناك من يرىٰ أنه لم يكن يهـ.ود.ياً وحسب ، بل وصهـ.يو.نياً متطرفاً حتىٰ النخاع ، وهناك من يراه غير مكترث بيهـ.ود.يته بل ومعادياً للصـ.ـهيو.نية . كما يتضح أيضاً وجود تناقُضٍ عميقٍ بين مذكراته من ناحية ، وبين رواياته من ناحية أخرىٰ . ففي مذكراته يظهر اهتمامه الشديد بالموضوع اليهـ.ودي ، علىٰ عكس رواياته التي يلتزم فيها الصمت حياله . بينما تنجلي المذكرات عن إشارات إلىٰ المدينة اليهـ.ود.ية القديمة وعن “الغيتو” والمشروع الاستيطاني الصهـ.يو.ني حتىٰ أنه – كافكا – كان قد حضر أحد المؤتمرات الصهـ.يو.نية . أما رواياته فلا تكاد تشير إلىٰ الموضوع اليهـ.ودي بشكل علني وسافِر ، ففي رواية أمريكا (1927) توجد شخصيات من كل الجنسيات (ألمان ومجريون وإيرلنديون وفرنسيون وروس وسلاف وإيطاليون) ولا يوجد بينهم سوى يهـ.ودي واحد لا تحمل شخصيته أية صفة من تلك التي تدل علىٰ يهـ.ود.يته . وفي رواية (المحاكمة – 1925) يسعىٖ (كافكا) إلى كشف فساد دار الحاخامية اليهـ.ودية ، سليلة (سنهدرين – مجلس الحاخامات اليهـ.ود الأعلىٰ) الموجود في تركيا ـ استانبول منذ العام 1492 و حتىٰ اليوم . وفي رواية “المسخ” (1927) يشير فيها إلىٰ التاجر اليهـ.ودي المتجول . ورواية القلعة (1926) التي قال فيها صراحة بأنها “حصن صهـ.يون” فترمز وظيفة “المسَّاح” إلىٰ حياة اليهـ.ود الدونية في أوروبا وإلىٰ ضرورة معرفة قوانينها وعاداتها وإيجاد نوع من العلاقة الجيدة بينها وبين القلعة التي أرادها رمزاً إلىٰ السلطة الدينية اليهـ.ود.ية العليا . وحين أسقط (كافكا) في روايته رمز “سور الصين” علىٰ حدود الدولة اليهـ.ود.ية المُرتقَبة ، إنما أراد الإيحاء بأن “سور الصين” سيُشكِّل أساساً راسخاً لبرج (بابل) جديد حيث الرمز التاريخي لمدينة السبي والشتات في التاريخ اليهـ.ودي !! وأن بدو الشمال هم “العرب” ، وأن “أبواب الهند” هي “أبواب فلسطين” وسيف الملك هو “سيف داود ـ دايفيد” .
وقد عارض (كافكا) بشدة اندماج اليهـ.ود مع الشعوب الأخرىٰ ذاهباً إلىٰ أن المدينة اليهـ.ود.ية القديمة غير الصحية ، أي “الغيتو” ، هي الحقيقة الأكثر رسوخاً بالنسبة إلىٰ اليهـ.ود من الشوارع العريضة للمدينة المبنية حديثاً . وقد ذكر أن “أرض كنعان” هي أرض الأمل الوحيد لتحقيق الوعد التلمودي وتجسيد أسطورة “أرض الميعاد” حين أَتبَع الرمز الخاص بالانعزال اليهـ.ودي في “الغيتو” بعبارة :
“نحن لسنا سوىٰ شبحٍ زال ، أما أرض كنعان فهي ليست بأرض علىٰ الإطلاق ، وإنما هي حلم ووعد” . وإن استنباط الدلالات التاريخية للوقوف علىٰ المعادلات الموضوعية المادية والحسيَّة للرمز “الكافكاوي” استناداً إلىٰ بعض العوامل الخارجة عن كتابات (كافكا) بتَبنّيه الرؤية الصهـ.يو.نية في أدبه دليل الإحساس العميق بالغربة والعزلة الروحية حتىٰ وسط الأهل والأصدقاء ، وكذلك الوعي بالذات وما يؤدي إليه هذا الوعي ، وعلاقة الإنسان بالسلطة وبيروقراطيتها القاتلة ، والانسحاب والانسلاخ اجتماعياً ، وتلاشي الهدف والإحساس بالهزيمة ، فقد عبَّر (كافكا) عن كل هذه الموضوعات بأسلوب غامض مُغلَق لا يسمح بتسرب ذرّة من الضوء . والواقع أن أدباً يتناول هذه الموضوعات وبهذا الأسلوب لايمكن أن يكون إلا أدباً صهـ.يو.نياً ، لأن الأدب الصهـ.يو.ني أداة أيديولوجية ووسيلة ناعمة إلىٰ هدف واضح بطريقة مباشرة ، ولذا ، فإن ترويج الأدب “الكافكاوي” لابد أن يتسم بالوضوح . كما أن الأدب الصهـ.يو.ني يهدف إلىٰ الدفاع عما يُسمَّى “حق الشعب اليهـ.ودي” الذي يحمل خصائص عِرقية وإثنية عنصرية خاصة وثابتة عبر الزمان والمكان ، بل ويُركِّز على قداسة هذا الشعب باعتباره “شعب الربّ المختار” الذي يجب عليه الانعزال عن “الأغيار” خلف أسوار “الغيتو” المعروف كعلامة مميزة في تاريخ الشتات اليهـ.ودي . لأن الطبيعة البشرية بالنسبة له طبيعةٌ متقلِّبة كالغبار وغير مستقرة ولا تحتمل أية قيود . كما أن اليهـ.ودي بالنسبة له أيضاً الذي يعتبره العالم شخصية هامشية تقف بين عوالم مختلفة ولا تنتمي إلىٰ أيٍّ منها . وهو يؤكد عدم انتمائه إلىٰ أيّ عالم .
هذا ما يتصل بالمواقف الصهـ.يو.نية وبالمضمون اليـ.ـهو.دي في أدب (كافكا) بشكل عام .
وإذا بدأنا مع (كافكا) الإنسان والكاتب . فقد كان (كافكا) يهـ.ود.ياً مندمجاً ومدركاً للكتابات الدينية اليهـ.ود.ية و كتابات المؤلفين اليهـ.ود ويهتم بها كما يهتم بالموضوع اليهـ.ودي . وذلك أمر فرضته عليه عدة عناصر ، من أهمها أنه رغم الرغبة الصادقة لقطاعات كبيرة من يهـ.ود وسط أوربا في الاندماج ، بل والانصهار في الحضارة الغربية ، ورغم محاولات الكثير من المجتمعات قبولهم ودمجهم وصَهرهم ، إلا أن عملية مثل هذه لا يمكن أن تتم في جيل واحد أو جيلين ، فقد كان لدىٰ الجيل الأول والثاني من اليهـ.ود المندمجين شعور بأنه إذا تخلىٰ عن العزلة “الغيتو” فإنما يتخلىٰ عن الأمن الذي كان يشعر به الفرد اليهـ.ودي وراء أسواره ، بل سيجد نفسه في عالم مُعادٍ له . ولا شك أن الحركات المعادية لليـ.ـهود التي كان يتصاعد نفوذها وتزداد شعبيتها قد عمَّقت هذا الإحساس لدىٰ كثير من المثقفين اليهـ.ود . كما أن هجرة “يهـ.ود اليديش” أي يهـ.ود أوروباالشرقية الذين كان يتزايد عددهم داخل الإمبراطورية النمساوية المجرية ، ساهم في خلخلة وضع اليهـ.ود المندمجين ، وهو الوضـع الذي فُرضَ علىٰ يهـ.وديٍّ مندمج مثل (ثيودور هرتزل) ليبحث عن حل للمسألة اليهـ.ود.ية ، أي مسألة يهـ.ود شرق أوروبا ، وأن يصوغ الحل الصهـ.يو.ني مايعني أن الموضوع اليهـ.ودي قد فرضَ علىٰ (كافكا) قراءة الكتابات الدينية اليهـ.ود.ية وكتب المؤلفين اليهـ.ود العلمانيين علىٰ حَدٍّ سواء . فقرأ كُتبَ (القبَّالة) اليهـ.ود.ية وكتب طائفة اليهـ.ود الحسيدية ، ودرس اللغة العبرية ، وقرأ الكثير من الكتابات الصهـ.يو.نية أو شبه الصهـ.يو.نية حتىٰ أنه كتب دراسات عن تأييده للمشروع الاستيطاني الصهـ.يو.ني في فلسطين من أرض كنعان السورية .
وإن المصادر الغربية لفكر (كافكا) كانت كثيرة التنوع والعمق ، فقد تأثر بكلٍّ من (كيرك غارد و ديستويفسكي وفلوبير و تومـاس مان و هيـس ومكسيم غـوركي و نيقولاي غوغول) وبالفكر الاشتراكي والفوضوي في عصره . كما يبدو أنه كان معادياً للرأسمالية ولاقتصاديات السوق التي تحوِّل الإنسان إلىٰ شيء رخيص .
كان (كافكا) يعبِّر في رواياته عن إحساسه بالضياع الشامل . وكان في ذلك يُعبِّر عن موقف كثير من يهـ.ود عصره حيث كانت اليهـ.ود.ية الحاخامية تعاني من أزمتها العميقة بعد أن أخذت (القَبَّالَة) تَحِلُّ محلها بعقائدها العلمانية المختلفة ، مثل الصهـ.يو.نية والداروينية والماركسية والنازية . وكان موقف (كافكا) لا يختلف عن موقف كثيرين من نخبة المثقفين الغربيين الذين ابتعدوا عن عقائدهم وعن مجتمعهم بسبب تَصاعُد معدلات العلمنة ، وبسبب تآكل المجتمع التقليدي فاندفعوا نحو المجتمع الجديد في “الأرض الموعودة” الذي لم يجدوا فيه المعنىٰ الذي كانوا يحلمون بالوصول إليه ، كما لم تتحقق لهم الطمأنينة . بل إن أزمة الحاخامية اليهـ.ود.ية لم تكن إلا جزءاً من أزمة العقيدة الدينية في الحضارة الغربية كنتاجٍ للانتقال من مجتمع تقليدي إلىٰ مجتمع حديث ، ولكنه كان انتقالاً لا يأتي بالسعادة ، وإنما يؤدي للتحول إلىٰ عدم الاستقرار والغربة كما في رواية “المسخ” . وهذا يعني أن ظاهرة التحول لايمكن تفسيرها إلا علىٰ أساس يهـ.ودي خاص ، وعلىٰ أساس غربي عام ليكون كلٌّ من الأساسين اليهـ.ودي الخاص والغربي العام شيئاً واحداً .
يمكن أن يكون (كافكا) قد تجاوز الرفض في موقفه الديني ، ذلك أنه كان يمارس إيماناً دينياً عميقاً بيهـ.ود.يته . وكان يرىٰ أن “الكينونة – الهوية” لا تعني الوجود المادي وحسب ، وإنما تعني أيضاً الانتماء إلىٰ الربّ التلمودي (يَهْوَهْ) ، لأن قَبّاليته الحلولية تفرض عليه الاعتقاد بأن الربَّ (يَهْوَهْ) كامِنٌ في أعماق الذات اليهـ.ود.ية ويحلُّ فيها حلولاً أبدياً . وهذا الجزء في الفرد اليهـ.ودي هو الجزء غير القابل للدمار ، وهو ذاته عالَم المُطلَق والكمال المتجرد من الخطيئة ومن النقص ، كما هو العالَم الخاص بما يمكن تسميته قَبّالياً “اليهودي الإلـٰه” . لأن فكرة الحلول الإلـٰهي في الفرد اليهـ.ودي تعني أن يعيش حياة صحيحة يَنتُج عنها رفض العالم المحسوس (عالم السببية والمادة). وإذا كان الموقف السابق الرافض للدين كان يعبِّر عن أزمة الحاخامية اليهـ.ود.ية الخاصة وعن أزمة المعنىٰ في المجتمع الغربي ككل ، فإن هذا النوع من التطرف الديني يعبِّر عن رؤيتين متشابهتين إحداهما يهـ.ود.ية قَبَّالية ، والأُخرىٰ غربية وغيبية عامة (غنوصية) وكلتا الرؤيتين تطرحان فكرة الإلـٰه الخفي (الديوس ابسكونديتويس) في “الغنوصية” ، و(الإين سوف) في “القبَّالة” الذي تبعثرت شراراته واختلطت بالمادة بحيث لا يحلُّ (الإلـٰه) موجوداً إلا داخل الفرد اليهـ.ودي الذي يحاول جاهداً أن يتجه نحو الالتحام به والعودة إليه ، ولكنها عودة أصبحت مستحيلة ، ولذلك يستحيل فهم “المحاكمة” في رواية “الحكم” ، كما يستحيل دخول “الحصن” في رواية “القلعة”. وتراث القبَّالية الحلولية والغنوصية تراث منتشر في الحضارة الغربية (الأوروبية و الأمريكية) بين اليه-.ود وغير اليه-.ود . إذ أن هناك (قبَّالة يهـ.ودية)، وهناك (قبَّالة مسيحية) ذات منشأ يهـ.ودي (المورمون و الإنجيلية) ، وهناك (غنوصية يهـ.ود.ية) و(غنوصية مسيحية إنجيلية) ، ومن الممكن تفسير هذا الجانب أيضاً علىٰ أساس يهـ.ودي خاص وأساس غربي عام ، وذلك مايمكن مُلاحظته في أهم جوانب روايات (كافكا) وفي شخصياتها الأساسية . فأبطال روايات (كافكا) رجال بلا تاريخ يعيشون خارج الزمان والمكان ، ويعيشون زماناً لا يمرُّ فيه تاريخ ، لأنه تاريخ خاص باليهـود ، وفي مكان لا اسم يدل عليه ، لأن الشتات جعلهم يوجدون في كل الأوطان ولا وطن لهم ، شخصيات تبحث عن شيء ما ولا تعرف هويته .. ويسقطون ضحايا شرٍّ لا يفهمون أسبابه . فتبدأ رواياته دائماً خارج نطاق التجربة اليومية ، كافتتاحية “المحاكمة” التي تقدِّم البطل (جوزيف ك.) وقد خضع للمحاكمة في جريمة لا يعرف ما هي ، كما أنه لا يعرف شيئاً عن طبيعة هيئة المحكمة التي تقرر إعدامه لتنتهي المحاكمة إلىٰ نهايتها العبثية حيث لاتوجد في روايات (كافكا) نهايات علىٰ الإطلاق ، وكذلك في رواية “القلعة” التي لا يصل بطلها إلىٰ أي هدف . ليكون تفسير هذه العزلة من منظور يهـ.ودي خاص ، لأن شخصيات (كافكا) في رواياته ليست بعيدة عن تجربته كيهـ.ودي مندمج ، و هُم أيضاً تركوا حيِّز (الشتتل) أي (البيوت الخشبية المميزة) وتركوا الزمان الشعائري اليهـ.ودي ودخلوا في وجود بلا زمان وبلا مكان ، التي هي حالة (الشتات ـ الدياسبورا) بلا خلاص ، وهو المصير اليهـ.ودي الذي يُلحِق باليهـ.ود الأذىٰ ، كما يراه ، دون ذنب اقترفوه ، وكأن حالة النفي والعزلة هي المصير الدائم لهم .
إنّ مأساة أبطال (كافكا) هي أيضاً مأساة كل الشخصيات التي تشعر بحالة النفي والغربة ، فهي شخصيات تفقد الإيمان حين تجد نفسها في مجتمع متناثر ذرّي لا رابط بين أجزائه ، أو في مجتمع تعاقدي يكون الإنسان فيه منفيّاً دائماً ، مجتمع ازدادت فيه معدلات الترشيد حتىٰ بات كل شيء آلياً أو شيئاً شبه آليّ يتم التحكم فيه ، ولكنه ترشيد إجرائي لا هدف له ولاغاية . ورغم تزايد تحكّم الإنسان ، إلا أنه لا يفارقه الشعور العميق بالاختناق وبأن وجوده عبثيٌ لا حول له ولا قوة ، وانتماؤه اليهـ.ودي يُعمِّق لديه في هذه العبثية ويزيد من حدَّتها .
عملياً ، لايمكن الانكار بأن (كافكا) بات يُستَخَدَمُ اسمه في الأدب كمصطلح لوصف الإحساس بالضياع والسقوط في شبكة متداخلة من الأحداث العبثية . ولعل عمق أثره يُبيِّن مدىٰ خصوصيته اليهـ.ود.ية ، وأن هذه اليهـ.ود.ية نفسها تعبيرٌ عن شيء جوهري يُراد به وَسْمُ الأدب العربي المعاصر عن سابق قصدٍ وإصرار تمهيداً لتعميم الفِكر التطبيعي شعبياً وترويجه للقبول به قبل اللجوء إلىٰ فَرضِه بأشكالٍ مباشرة أو غير مباشرة .
– لندن 20260 ـ







