
قراءة نقدية في ثلاثيةالقصة القصيرة جدا(مقام الخلود القسري) للقاصة الهام عيسى|سعيدة بركاتي
ناقدة |تونسية
قراءة نقدية في ثلاثية ققج إلهام عيسى/سوريا
بقلم الأستاذة الناقدة سعيدة بركاتي/ تونس
تحت عنوان ” مقام الخلود القسري ”
القصة الأولى: عناق
النص:
“طوقته بجسدها مشرعة سواحل يديها ابت ان تفارقه فكان اللقاء ابديا.”
#القراءة:
العنوان يخدعك في البداية :”عناق” توحي بلحظة دفء عابر. لكن النص يبني قانوناً كونياً جديداً.
“طوقته بجسدها” : الجسد هنا ليس حضناً، هو سجن دائري دون زوايا. الأنوثة تتحول من مفعول به إلى فاعل مطلق. هي لا تعانق، هي تحتجز وتلغي المسافة.
“مشرعة سواحل يديها” : هذه نقطة التحول البلاغي. اليدان صارتا جغرافيا : ساحل مفتوح يغري بالدخول، لكنه يلغي الأفق. فالمرأة صارت وطناً، والمحبوب سفينة دخلت بإرادتها ولم تعد تملك الخروج.
ثم تأتي الكلمة التي تكسر الزمن : “ابت”. رفض مطلق لقانون الكون الذي يقول إن كل لقاء ينتهي . وعقوبة هذا الرفض أو جائزته : “فكان اللقاء ابديا”.
إذن المعادلة كاملة: جسد كامل مع جغرافيا مفتوحة و إرادة رافضة النتيجة : خلود قسري.
الخلود هنا ليس نعمة. هو سجن من حرير. الأبدية تعني الخروج من التاريخ، أي الموت داخل الحب. القاصة تقول: الأنوثة حين تحب لا تقدم حضناً، تقدم وطناً. ومن يدخل سواحلها المشرعة يكتب على نفسه الخلود.
القصة الثانية: عتب
النص:
” نزف حد الاستنزاف ، ادرك انه لن ينجو من طوابير المحق الجماعي ، فالجميع رحلوا دون ان يلقوا نظرتهم الاخيرة عليه ، دفن نفسه بالثرى حياء وعتب من وعلى السماء .”
#القراءة:
العنوان “عتب” هو آخر ما تبقى من الأمل. ما دمت تعاتب فأنت ما زلت تنتظر أحداً. لكن النص يذبح هذا الأمل فوراً: “نزف حد الاستنزاف”. العتب تحول من شعور إلى دم لا يتجدد.
ثم تتسع الدائرة من الفرد إلى الجمع: “طوابير المحق الجماعي”. البطل يدرك أن مأساته ليست استثناء. هناك صف طويل للمحو، والكل ينتظر دوره.
وهنا أقسى سطر في النص: “فالجميع رحلوا دون ان يلقوا نظرتهم الاخيرة عليه”. النظرة الأخيرة هي أقل حقوق الميت. من يُحرم منها يصير شبحاً وهو حي. لا أحد يشهد على انطفائك.
فكانت الخاتمة منطقية ومروعة في آن واحد: “دفن نفسه بالثرى حياء”. هذا انتحار رمزي بيد الفاعل. الحياء هو “ابت” المكسورة من القصة الأولى. عجز عن رفض الفراق، فاختار رفض الفضيحة. اختفى بكرامة قبل أن يرميه الطابور.
وينتهي بعتب معلق: “من وعلى السماء”. يعاتب السماء لأنها صمتت، ويعاتب نفسه لأنه تجرأ وعاتبها. السماء هنا مفتوحة: الله، الوطن، الحبيب، الفكرة الكبرى… الكل غائب.
فـ”عتب” ليست قصة لوم. هي قصيدة عن جيل دفن نفسه حياءً لأنه أدرك أنه آخر الواقفين في طابور لن يصل.
القصة الثالثة: الموت
النص:
“وقفت وحدها دفعت التكاليف كاملة ، حتى مداد الآخرين ،لم يحاسبها احد فقد تأخر الجيش والوطن، وحده الموت لم يتأخر!”
#القراءة:
العنوان يحول الموت من حدث نهائي إلى ذات حاضرة ومستقلة. الموت شخص، موظفة، محاسبة.
” وقفت وحدها دفعت التكاليف كاملة” : اقتصاد العدم. هي تسدد فواتير الجميع. “حتى مداد الآخرين” داخل في الحساب. الشاعر والكاتب دفعوا بالكلام ثمن البقاء، لكن الموت لا تقبل المقايضة. تقبض الأرواح نقداً.
ثم ينهار كل شيء بجملة واحدة: “لم يحاسبها احد فقد تأخر الجيش والوطن”. الجيش والوطن هما رمزا الحماية والانتماء. حين يتأخران يسقط القانون، وتسقط المحاسبة، ويسقط الشرف. فيفرغ المكان ولا تبقى فيه إلا سلطة واحدة.
و تأتي القاصمة: “وحده الموت لم يتأخر!”. الكل يتأخر: العدالة، الدولة، الرحمة. إلا الموت فهي دقيقة كساعة. فصارت الحياة فوضى، والموت هو النظام الوحيد الباقي.
إذن “الموت” هنا ليست موت فرد. هو “موت مؤسساتي”. يأتي حين يغيب المعنى. وفي بلاد يتأخر فيها الجيش والوطن، لا يبقى إلا الموت ليقبض الثمن كاملاً.
#الخلاصة الجامعة للثلاثية
إذا وضعنا النصوص الثلاثة جنبا إلى سنرى قوساً واحداً:
“عناق” تبدأ بـ “ابت” : ذات ترفض قانون الفراق فتصنع خلودها بنفسها. النتيجة: سجن أبدي.
“عتب” تنتهي بـ “حياء” : ذات أنهكها الرفض فتدفن نفسها. النتيجة: اختفاء بكرامة.
“الموت” تحسم بـ “تأخر” : غياب السلطة كلياً فتنفرد الموت. النتيجة: قبض فوري.
++ القاسم المشترك
الثلاث قصص تؤرخ لعالم واحد غاب فيه “الشاهد”. غاب الزمن فرفضته الإرادة. غابت الجماعة فدفنت الذات نفسها. غاب الوطن فانفرد الموت.
وحين يغيب الشاهد، تسقط كل الخيارات الوسط. لم يعد أمام الإنسان إلا ثلاثة مصائر متساوية في القسوة: أن يخلد داخل قبضة، أو يختفي حياءً، أو يُقبض نقداً.
وهذا هو “مقام الخلود القسري”: أن تُجبر على البقاء، أو على الرحيل، أو على الفناء… ولا خيار رابع.








