
ربما|« حيدر الأديب
كاتب وناقد |عراقي
ربما
ــــــــــــــــــــ
الخميس
استيقظت وفي فمي طعم طريق لم اسلكه.
كانت الساعة معلقة على الجدار كجرح يصر على الدوران، وكل دقيقة تسقط منها تترك حفرة صغيرة في الغرفة.
كتبت اسمك على البخار، فتنفست المرآة وجهك ثم اخفته في زجاجها.
ربما كانت تخاف عليك مني.
الجمعة
مر النهار بطيئا.
الشمس موظفة متعبة تختم وجوه الناس بخاتم الغياب، والشارع دفتر حضور لا يتذكرني
في الطريق الى السوق، رأيت رجلا يجر ظله خلفه بحبل قصير.
كان الظل يتعثر، والرجل يعتذر للرصيف.
اشتريت برتقالة.
حين قشرتها، خرجت منها شمس صغيرة، أغمض البائع عينيه وطلب مني أن أعيدها.
اشتريت رغيفا
حين وضعته على الطاولة تمدد منه بيت قديم، ام عند التنور، واب يلوح من حرب بعيدة.
كسرته، فتناثر المساء على اصابعي.
وضعت نصفه على الطاولة، وتركت النصف الاخر للمساء.
الجوع ايضا يحتاج شريكا كي يصدق انه حي.
السبت
رن الهاتف.
لم يكن صوتك.
كان الصمت يجرب حنجرته في اذني.
قلت الو، فتدحرجت الكلمة في السلك حتى وصلت الى مدينة مجهولة، وهناك جلست على رصيف وانتظرتك مكاني.
ربما كل مكالمة فائتة قبر صغير لصوت كان يستطيع ان يغير حياتنا.
رن الهاتف عند الظهيرة.
وضعت اذني عليه، فسمعت البحر يصعد الدرج.
قلت: الو.
انكسرت موجة في الغرفة، وتركت على السجاد فردة حذاء نسائية.
الاحد
حلمت انني امشي داخل قلبك.
حلمت اني اقبّلك جدا
الممرات ضيقة، والابواب كثيرة، وعلى كل باب سنة من عمري.
فتحت بابا فوجدت طفولتي تنام تحت معطفك.
فتحت آخر فوجدت مشيبي يمشط شعرك.
عند الباب الاخير كانت امرأة تحمل وجهي وتسألني:
من منكما تأخر عن الآخر؟
استيقظت قبل ان اجيب.
الاثنين
غسلت قميصي الذي عانقتك به.
خرج الماء رماديا، كأن الغسالة كانت تعصر المسافة
نشرته في الشرفة.
هبت الريح، فانتفخ جسد غائب داخله، ولوح لي بذراعين فارغتين.
ربما للثياب ذاكرة أكثر وفاء من اجسادنا.
كان القميص ابيضا
في الماء ظهرت بقعة زرقاء، كبرت قليلا، ثم صارت نافذة.
اقتربت منها فرأيتك تجلسين في الجهة الاخرى، تقرئين كتابا غلافه وجهي.
طرقت الزجاج.
رفعت رأسك، وقلبت الصفحة.
الثلاثاء
ذهبت الى المقهى.
كان النادل يمسح الطاولات بقطعة من الغروب.
طلبت قهوة، فوضع امامي فنجانا تتنفس حافته.
شربت رشفة، فاستيقظت في فمي مدينة كاملة، شوارعها ضيقة وبيوتها تعرف اسمك.
جلست في المقهى الذي جمعنا اول مرة.
أتذكر رائحة المكالمة الأولى كيف شاعت في لساني وجسدي
الكرسي المقابل حافظ على انحناءة ظهرك، والطاولة خبأت ضحكتك في شق صغير قرب حافتها.
طلبت فنجانين.
شربت الاول، وتركت الثاني يبرد امام مكانك.
القهوة التي لا يشربها أحد تتحول ليلا الى عين سوداء تراقب صاحبها وهو يخسر ما تبقى منه.
الاربعاء
سألتني امي لماذا أبدو شاحبا.
قلت: السهر.
كيف اشرح لها أنك غادرت من دمي، وأن وجهي ما زال واقفا على الضفة ينتظر عودته؟
وضعت يدها على جبيني، فشعرت ان طفولتي كلها عادت دقيقة واحدة، ثم انسحبت بهدوء كي لا تراك في رأسي.
سألتني ثانية مع من تتحدث ليلا؟
قلت: مع نفسي.
نظرت الى الكرسي المقابل، ثم وضعت كوبا ثانيا من الشاي وغادرت.
بقي البخار يصعد من الكوبين، ويتعانق فوق الطاولة كي لا نضطر نحن الى ذلك.
الخميس
مر اسبوع كامل.
لم يحدث شيء يستحق الكتابة:
استيقظت، مشيت، تحدثت، اكلت، ضحكت قليلا، وعدت الى البيت.
الحياة بارعة في تمثيل عافيتها.
عند منتصف الليل فتحت النافذة.
كان القمر قطعة نقود تركها الله في جيب السماء، وكانت المدينة تعد خسائرها تحت ضوئه.
فكرت ان ارمي هذه اليوميات.
ثم رأيت اسمك يتحرك بين السطور، كسمكة بقيت حية في كتاب غرق صاحبه.
عدت الى هذه الصفحات.
وجدت الايام قد غيرت ترتيبها، والاثنين ينام مكان الجمعة، والاربعاء يضع رأسه في حضن السبت.
بحثت عن اليوم الذي عرفتك فيه.
كان ممزقا من الدفتر، وخيط رفيع من الضوء يخرج من مكانه.
مددت يدي.
نزف الغد.







