قد أبرق الورق»

إصدار

 

«قد أبرق الورق»

للشاعر أسامة محمد سعداوي

 

مصطفى بوغازي/ الجزائر

 

تتفرد المجموعة الشعرية «قد أبرق الورق»في أزمنة المآسي الكبرى لا بوصفها ترفًا جماليًّا أو محاولةً لاستعراض العضلات البلاغية، بل باعتبارها وثيقةَ وجدانٍ صاخبة وصرخةَ وجودٍ تُعذب الصمت وتستفزّ الذهول. وفي هذا السياق تتبدّى نصوص الشاعر أسامة سعداوي، الموسومة «قد أبرق الورق» و الصادرة عن منشورات القرن الحادي والعشرين الجزائرية في طبعته الأولى لسنة 2026، كشهادةٍ أدبيةٍ وُلدت من رحم الحصار ونزيف الفاجعة.

يقدم الإصدارُ ملامحَ عالمٍ شعريٍّ ينصهر فيه الرمز بالواقع، وتلتقي فيه المرارة بالقسوة؛ إذ يُهدي المؤلفُ سطورَ كدّه إلى أرواح شهداء غزة، مانحًا المتلقي مفتاحًا يلج من خلاله إلى أرض القضايا العادلة، وعلى رأسها القدس وفلسطين التي تشكل البوصلة المحورية والقلب النابض لهذا الكتاب الممتد عبر صفحاته المائة والثماني والعشرين.

​إن المحتوى الذي يضمه هذا المتن ليس مجرد قصائد متتابعة تُقرأ بغرض المتاع اللفظي، بل هو منسوجٌ كطقسٍ جنائزيٍّ يحفل برائحة الزعتر، والبرتقال، والليمون، وممزوجٍ بصراخ الضحايا وأنين الأمهات وتحت ركام الجغرافيا النزيفة. تتوزع نصوص الديوان — بدءًا من «ترانيم مقدسية»،، و«وصايا البرتقال»، وصولًا إلى «كنعاني حتى العظم» و«سؤال من دموع الأبرياء» لتصوغ ملحمةً تفيض بالتأمل الفلسفي والتنديد السياسي، حيث يتحول الحجر إلى خبز، والطفل المسجى إلى أنشودة، والقصيدة إلى بندقية رمزية ترفض المساومة أو الارتماء في أحضان الهزيمة. تتجلى الشكوى من رتابة المنفى وعجز النظام العربي والصمت الدولي المحنط، مما يجعل النصوص ترشح بالوجع الساخر والكوميديا السوداء التي تعري الواقع المتهاوي وتصدم غفلة القارئ.

 

​ومع الغوص في القراءة لأهم ما تضمنته هذه الوجبة الأدبية، يلاحظ المرء كيف نجح أسامة سعداوي في استدعاء الرموز المكانية والتاريخية كعكّا، وغزة، والقدس، وشخصيات رمزية كصلاح الدين، ومحمود درويش، ليعيد تشكيل الهوية الكنعانية المقاومة. غير أن المتن يسير على خط فاصل بين الغنائية العاطفية المشتعلة وبين التفكيك السريالي ، لقد استطاع البناءُ اللغوي في أحيان كثيرة أن يلتقط صورًا مبهرة تعكس شاعريةً جياشة تشد الأنفاس؛ كقوله في رثاء الشهداء أو محاورة طيف القدس، حيث تتشابك التشبيهات الاستعارية برداءة الواقع وسرياليته لتخلق صدمة جمالية لدى المتلقي.

إن القارئ المدقق يسعده هذا التدفق العاطفي النازف والتزام الكاتب الصادق بقضايا أمة تُستباح، إلا أنه قد يلحظ تفاوتًا في النفس الشعري داخل الصفحات؛ إذ تجنح بعض المقاطع إلى الصراخ الخطابي الذي يطغى على التكثيف الرمزي، وكأن غليان الألم لدى المؤلف كان أسرع من صقل الصورة الشعرية وترهيف معمارها، بالزخم والشحنة الشعورية الشديدة .

لقد قدم الشاعر أسامة سعداوي وثيقة أدبية صادقة تأنف الخنوع وتستبسل بالكلمة في زمن التهاوي والتطبيع. لقد نجح في توظيف لغة ثائرة لا تهادن، وجعل من «قد أبرق الورق» رايةً محاطةً بقناديل الأمل وجمر الذات، ليشكل هذا الإصدار إضافةً حيّة للعدسة الأدبية التي تُوثق مأساة فلسطين وتخلد بطولة صمودها بلغةٍ تنبض حرارةً واستبسارًا