
قراءة نقدية ل قصيدة (تنهيدات العيون)للشاعرة ماجدة الريماوي | طه دخل الله عبد الرحمن
كاتب وناقد|فلسطيني
تنهيدةُ العيونِ وسؤالُ الوجود: مقاربةٌ نقديةٌ في شعريةِ ماجدة الريماوي
في البدء كان السؤال
في فضاءٍ يمتزجُ فيه الخاصُ بالعام، والفرديُ بالجمعي، تنهضُ قصيدةُ ماجدة الريماوي “تنهيدات العيون” لتؤسسَ خطاباً شعرياً فريداً، تتقاطعُ فيه الذاتُ الشاعرةُ مع الذاتِ الجمعيةِ الفلسطينية، في لحظةٍ من لحظاتِ البوحِ المكثفِ والاستفهامِ الوجودي. ليست “تنهيدات العيون” مجردَ ومضاتٍ عاطفيةٍ عابرة، بل هي رحلةٌ في أعماقِ الروحِ الإنسانية، تبدأُ من الذاتِ لتنتهيَ إلى الوطن، وتبدأُ من الهمسِ لتنتهيَ إلى الصرخة.
شعريةُ العنوان: بين المادي والروحي
ينهضُ العنوانُ “تنهيدات العيون” على مفارقةٍ بلاغيةٍ لافتة؛ فالتنهيدةُ في الأصلِ صادرةٌ عن الصدر، لكن الشاعرةَ تُسقطُها على العيون، وكأنها تمنحُ البصرَ قدرةً على التنفسِ الوجداني. إنه انتقالٌ من فيزيولوجيا الجسدِ إلى ميتافيزيقا الروح، حيث تتحولُ العينُ من أداةِ إبصارٍ إلى كائنٍ حيٍ يتنهدُ ويتأوهُ ويسأل.
هذا التركيبُ الإضافيُ (تنهيدات + العيون) يخلقُ توتراً دلالياً يُربكُ أفقَ التلقي، ويدفعُ القارئَ للتساؤل: كيف تتنهدُ العيون؟ وما الذي يجعلها تتنهد؟ ومن ثم يتحولُ العنوانُ نفسُه إلى بوابةٍ تأويليةٍ مفتوحةٍ على مصراعيها.
جدليةُ التمردِ والحلم: السطحُ العصيُ وفضاءُ الممكن
تستهلُ الشاعرةُ نصَها بفضاءٍ مكانيٍ ذي دلالةٍ رمزيةٍ عميقة:
وهنا على السطح العصي
هنا تفتحت الحياة
إنه “السطحُ العصي”، ذلك المكانُ الحدوديُ بين الأرضِ والسماء، بين الانغلاقِ والانفتاح، بين الممكنِ والمستحيل. والعصيُّ هو ما لا يُطاوع، وما لا يُستساغُ ترويضُه، فكأن الحياةَ لا تتفتحُ إلا في الأماكنِ التي تقاومُ التطويع، وفي اللحظاتِ التي تثورُ على السكون.
وتكتملُ الصورةُ بصورةِ الشيخِ الذي “تدفق بالشباب”، في توليفةٍ تجمعُ بين حكمةِ العمرِ وثورةِ الشباب، بين الخبرةِ والتوقِ، في سعيٍ دؤوبٍ نحو “مشتهاة”، تلك التي تختزنُ كلَّ أحلامِ الذاتِ وتطلعاتِها. ولعل لفظةَ “الخلوات” تحملُ في طياتِها إحالةً صوفيةً إلى لحظةِ الصفاءِ والتجلي، حيث يختلي العاشقُ بمحبوبه، وحيث تختلي الروحُ بذاتها.
غصنُ المتيمةِ الصغير: أنثروبولوجيا الحنان
في المقطعِ الثاني، تنتقلُ الشاعرةُ من فضاءِ التمردِ إلى فضاءِ الحنان، مستعينةً باستعارةٍ نباتيةٍ رقيقة:
غصن المتيمة الصغير
يرنو إليك وباهتمام
الغصنُ هنا ليس مجردَ صورةٍ جمالية، بل هو كيانٌ كاملٌ له عيونٌ ترنو، وروحٌ تحنو، وأذنٌ تسمعُ النجوى. إنه تجسيدٌ للبراءةِ المتطلعة، وللحياةِ في طورِ تشكلِها الأول. وفي هذه الصورةِ تتداخلُ حواسُ البصرِ والسمعِ واللمس، فيما يشبهُ احتفالاً حسياً بالوجود.
ثم يتعالى المشهدُ مع “صفق أجنحة الحمام” ليكتسبَ بعداً نورانياً، حيث “يهيم فوق غصونه الخضراء أطياف ابتسام”. الابتسامُ هنا ليس فعلاً، بل أطيافُ فعل، إنه أثرُ الجمالِ لا الجمالُ نفسُه، إشارةٌ إلى ما وراء المرئي، إلى ما لا يُدركُ إلا بالقلب.
فلسفةُ العيون: بين الصبرِ والوعدِ والأمل
في المقطعِ الثالث، تنتقلُ الشاعرةُ من الشعري إلى الفلسفي، صانعةً ما يشبهُ النظريةَ في فينومينولوجيا العيون:
هل تذكرين مقالنا
عن أصل فلسفة العيون
إنه سؤالٌ يستحضرُ الماضي ليؤسسَ للحظةِ الراهن، سؤالٌ يفترضُ حواراً سابقاً، ومقالاً مشتركاً، وفهماً متبادلاً. والعيونُ هنا ليست مجردَ أعضاء، بل هي فلسفةٌ قائمةٌ بذاتها، لها أصولٌ وفروعٌ ومدارس.
ثم تنتقلُ الشاعرةُ إلى تعريفِ الصبرِ والوعدِ من منظورِ العيون:
الصبر أن تتجاوب العينان
في أفق الحنين
والوعد في أن تلتقي
الحدقات عند غد أمين
إنه تأسيسٌ لقاموسٍ جديدٍ للعشق، حيث الصبرُ ليس احتمالاً سلبياً، بل هو تجاوبٌ إيجابيٌ في فضاءِ الحنين، وحيث الوعدُ ليس كلاماً يُقال، بل هو التقاءُ حدقاتِ العيونِ عند أفقِ المستقبل. واللافتُ أن الشاعرةَ تنهي هذا المقطعَ بصورةٍ نورانيةٍ جامعة: “في وحدة الأمل المنير / بقوة العزم اليقين”، وكأنها تؤكدُ أن فلسفةَ العيونِ لا تكتملُ إلا بالأمل، ذلك النورُ الذي يبددُ ظلامَ الانتظار.
جدليةُ السؤالِ والجواب: عيناكِ والمطلق
في المقطعِ الرابع، يتصاعدُ الخطابُ ليبلغَ ذروتَه الفلسفيةَ والصوفية:
عيناك: هل بحر الهوى
عيناك والأسر المحال
إنه سؤالٌ يضعُ العينينِ في مواجهةِ المطلق: هل هما بحرُ الهوى اللامتناهي؟ أم هما الأسرُ المستحيل؟ إنها ثنائيةٌ تجمعُ بين السعةِ والضيق، بين الحريةِ والقيد، في توليفةٍ تُعبرُ عن جوهرِ التجربةِ العاطفيةِ في كلِّ تجلياتِها المتناقضة.
ثم يأتي الأمرُ المفاجئ:
لا “تتعبي” الدنيا
ولا الإنسان في هذا السؤال
إنه نهيٌ عن السؤال، أو ربما هو اعترافٌ بأن السؤالَ أكبرُ من أن يُجابَ عنه، فالأجدرُ أن يُتركَ السؤالُ معلقاً، وأن يُنصتَ إلى “أنات قلبي حين تخفق بابتهال”. وهنا تتحولُ العينانِ من موضوعٍ للسؤالِ إلى مصدرٍ للتطهيرِ والجمال، حيث “عيناك طهر القلب / تنعشه بألوان الجمال”. إنها نقلةٌ نوعيةٌ من العينِ كسؤال، إلى العينِ كخلاص.
العينانِ الهاربتان: استعارةُ القلقِ الوجودي
في المقطعِ الخامس، ننتقلُ إلى فضاءٍ جديد، حيث العينانِ “هاربتان / سارحتان في الشط الوحيد”. إنها صورةٌ مركبةٌ توحي بالاغترابِ والعزلةِ والبحثِ عن معنىً في عالمٍ موحش:
تتنهدان وتخفيان
معاني القلق الشديد
وتحومان على الخليج
كطائر مضنى طريد
التشبيهُ بالطائرِ “المضنى الطريد” يمنحُ العينينِ بعداً تراجيدياً، فهما ليستا فقط هاربتين، بل مطاردتين، منهكتين، تبحثان عن ملاذٍ في فضاءٍ لا يرحم. والأهمُ من ذلك أن العينينِ هنا “تتساءلان عن المعاني كلها / ويهمها معنى شريد”. إنها ثنائيةُ الكلِّ والجزء، المطلقِ والشريد، المعنى الكلي والمعنى الهارب، في تجسيدٍ لحالةِ القلقِ الوجودي الذي يبحثُ عن إجابةٍ ولا يجدها.
فينومينولوجيا التنهد: بين الشكوى والبشرى
يبلغُ النصُ ذروتَه التحليليةَ في المقطعِ السادس، حيث تُفككُ الشاعرةُ ظاهرةَ التنهدِ إلى ثنائيةٍ دلاليةٍ بالغةِ العمق:
فللتأوه والتنهد معنيان:
فتنهد الشكوى يزمجر:
آه قد طال الأوان
وتأوه البشرى يغرد:
آه قد حل الزمان
إنه تفكيكٌ سيميائيٌ دقيقٌ لصوتِ “آه” ذي الدلالةِ الواحدةِ في الظاهر، والمتعددِ الدلالاتِ في الجوهر. فالتنهدُ الأولُ يزمجرُ، والثاني يغردُّ، والأولُ يعبرُ عن طولِ الانتظار، والثاني عن حلولِ الميعاد. وبين الزمجرةِ والتغريد، بين “طال الأوان” و”حل الزمان”، تنبثقُ الأسئلةُ الكبرى:
أي المعاني تكتم العينان
إذ تتنهدان؟
إنه سؤالٌ يظلُ مفتوحاً على كلِّ الاحتمالات، وكأن العينينِ تختزنانِ المعنيين معاً، فلا الشكوى وحدها، ولا البشرى وحدها، بل جدليةٌ وجوديةٌ من الألمِ والأمل.
من الذاتِ إلى الوطن: القدسُ وسؤالُ المصير
في المقطعِ السابع، يحدثُ التحولُ الدراميُ الأكبرُ في القصيدة، حيث تنتقلُ الشاعرةُ من الخاصِّ الذاتي إلى العامِّ الجمعي:
قلق تأوه أو تنهد
في العيون يسائل الليل البهيم:
أيطول هذا الليل
والقدس في حزن مقيم
أيدوم هذا الويل بأمتي
والظالمون ملحفون بأنواع النعيم؟
إنه انتقالٌ من العينِ الفرديةِ إلى العينِ الجمعية، من الهمِّ الشخصي إلى الهمِّ الوطني. لم تعد العيونُ مجردَ أعضاءٍ فردية، بل صارت عيونَ الأمةِ كلِّها، تنظرُ إلى القدسِ في حزنِها المقيم، وتتساءلُ عن طولِ ليلِ الاحتلالِ والظلم. واللافتُ هنا المفارقةُ الموجعةُ بين “الظالمين ملحفون بأنواع النعيم” وبين الأمةِ التي تعاني “الويل”.
هذا المقطعُ يُمثلُ ذروةَ الالتزامِ في القصيدة، حيث تتحولُ الشاعرةُ من أناها الفرديةِ إلى أناها الجمعية، في تحولٍ يُذكرُنا بأدبِ المقاومةِ الفلسطينيِّ الذي يجعلُ من الذاتِ مرآةً للوطن، ومن الهمِّ الخاصِّ تعبيراً عن الهمِّ العام.
الخاتمةُ المفتوحة: سؤالُ الذلِّ والليلِ البليد
ينتهي النصُ نهايةً مفتوحةً على سؤالٍ وجوديٍ لا يحتملُ إجابةً فورية:
يتثاءب الليل البليد
وفي مآقيه الوجوم
وتساءلت:
أيدوم هذا الذل ردحاً من عذاب؟
هل يدوم؟
الليلُ هنا “بليد”، لا يتحرك، ثقيل، وفي مآقيه “وجوم”، وكأن الطبيعةَ كلَّها تشاركُ في الحزنِ والسؤال. وتأتي الأسئلةُ مزدوجةً: سؤالٌ عن دوامِ الذل، وآخرُ عن دوامِ العذاب، وكلاهما معلقٌ في فضاءِ النص، بلا جواب.
إنها خاتمةٌ تُبقي الجرحَ مفتوحاً، والسؤالَ قائماً، والقلقَ مستمراً. وفي هذا تكمنُ عبقريةُ النصِّ، الذي لا يُغلقُ أفقَ التأويل، ولا يقدمُ إجاباتٍ جاهزة، بل يتركُ القارئَ في حالةِ توترٍ خلاق، متورطاً في الأسئلةِ التي طرحها النصُّ، باحثاً عن إجاباتِه هو، لا عن إجاباتِ الشاعرة.
خاتمة: شعريةُ السؤالِ المقاوم
إن ما يميزُ قصيدةَ “تنهيدات العيون” لماجدة الريماوي هو قدرتُها الفائقةُ على المزجِ بين الخاصِّ والعام، بين الذاتي والجمعي، بين العاطفي والسياسي، في نسيجٍ شعريٍ واحدٍ متماسك. إنها قصيدةٌ تبدأُ من الذاتِ لتنتهيَ إلى الوطن، وتبدأُ من الهمسِ لتنتهيَ إلى الصرخة، وتبدأُ من السؤالِ الفلسفيِّ لتنتهيَ إلى السؤالِ الوجودي.
إن “تنهيدات العيون” ليست مجردَ تنهيداتٍ عابرة، بل هي تنهيداتُ شعبٍ بأكمله، وشعريةُ مقاومةٍ ترفضُ الاستسلام، وأسئلةٌ معلقةٌ تنتظرُ إجابةَ التاريخ.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
5/08/2026
****************
القصيدة:
تنهيدات العيون:
وهنا على السطح العصي
هنا تفتحت الحياة
وتمرد الإنسان يبحث في
القلوب وفي الشفاة
شيخ تدفق بالشباب
كيما يفوز بمشتهاة
فاستطيب “الخلوات” آمالاً
وأراه تمسكها يداه.
*
غصن المتيمة الصغير
يرنو إليك وباهتمام
يحنو على نجواك في طرب
فيأسره الكلام
ويهزه صوت الحنان
وصفق أجنحة الحمام
فيهيم فوق غصونه الخضراء
أطياف ابتسام.
*
هل تذكرين مقالنا
عن أصل فلسفة العيون
الصبر أن تتجاوب العينان
في أفق الحنين
والوعد في أن تلتقي
الحدقات عند غد أمين
في وحدة الأمل المنير
بقوة العزم اليقين.
*
عيناك: هل بحر الهوى
عيناك والأسر المحال
لا “تتعبي” الدنيا
ولا الإنسان في هذا السؤال
بل فاسألي أنات قلبي
حين تخفق بابتهال
عيناك طهر القلب
تنعشه بألوان الجمال.
*
عيناك هاربتان
سارحتان في الشط الوحيد
تتنهدان وتخفيان
معاني القلق الشديد
وتحومان على الخليج
كطائر مضنى طريد
تتساءلان عن المعاني كلها
ويهمها معنى شريد.
*
تتنهدان وتسألان
فللتأوه والتنهد معنيان:
فتنهد الشكوى يزمجر:
آه قد طال الأوان
وتأوه البشرى يغرد:
آه قد حل الزمان
أي المعاني تكتم العينان
إذ تتنهدان؟
*
قلق تأوه أو تنهد
في العيون يسائل الليل البهيم:
أيطول هذا الليل
والقدس في حزن مقيم
أيدوم هذا الويل بأمتي
والظالمون ملحفون بأنواع النعيم؟
قلق تنهد في العيون
وراح في جزع يحوم.
*
يتثاءب الليل البليد
وفي مآقيه الوجوم
وتهامست في لهفة حمراء
أنفاس النجوم
ومضت يرنحها الأسى
والشوق أطياف النسيم
وتساءلت:
أيدوم هذا الذل ردحاً من عذاب؟
هل يدوم؟
_____
ماجده الريماوي
فلسطين🇵🇸
٤_٨_٢٠٢٦







