
العودة إلى الطين للكاتب العراقي احمد سعدون البزوني( كتابة الهوية خارج اسوار النقد التقليدي) |الدكتورة نور الهدى قرباز
أكاديمية |الجزائر
العودة إلى الطين … كتابة الهوية خارج أسوار النقد التقليدي

ليست العودة إلى الطين في هذا المنجز رجوعًا إلى التراب بوصفه مادة الخلق الأولى، وإنما عودة إلى الذاكرة التي حاول الزمن اقتلاعها، وإلى الإنسان الذي ظل يحمل أرضه فوق كتفيه حتى صار جزءًا من تضاريسها. هنا لا يكتب أحمد سعدون البزوني عن الطين، وإنما يكتب بالطين، ويجعل الكلمات تتشكل كما تتشكل الجرار في يد خزاف يعرف سر النار والماء معًا.
يفتتح الكاتب نصوصه باعتراف وجودي صادم: “طينيون”. ليست مفردة للانتماء، وإنما إعلان فلسفي يهدم التصنيفات كلها. فالإنسان عنده لا يُعرَّف بسلطته، ولا بمدينته، ولا بانتمائه السياسي، وإنما بمقدار ما بقي من طينه الأول داخل روحه. لذلك يتحول الطين إلى أم، وإلى ذاكرة، وإلى وطن، وإلى عقيدة جمالية تواجه التصحر الروحي الذي أصاب الإنسان المعاصر.
هذا الكتاب يرفض الوقوف داخل القوالب الأكاديمية الضيقة. إنه يخرج من الجامعة إلى الحقول، ومن قاعات النقد إلى التنور، ومن المصطلحات المغلقة إلى اللهجة التي ما زالت تحمل رائحة الخبز الساخن. لذلك جاءت لغته متحررة من الاستعراض، مؤمنة بأن الكلمة التي لا تصل إلى الناس لا تستحق أن تسمى أدبًا.
يخوض البزوني معركة أخرى أكثر خطورة؛ معركة الدفاع عن الجنوب العراقي. الجنوب هنا ليس جغرافيا، وإنما حضارة تتعرض منذ عقود إلى محاولات التشويه والاختزال. لذلك يقف الكاتب في مواجهة الصورة الإعلامية التي صنعت من الإنسان الجنوبي شخصية ساخرة، ويعيد بناء هذه الصورة بالحجج التاريخية، وبالشواهد الحضارية، وبالذاكرة الجمعية التي تمتد من سومر إلى حاضر العراق.
تتحول صفحات الكتاب إلى محكمة ثقافية، يجلس التاريخ فيها شاهدًا، وتقف الدراما المتهمة في قفص السؤال. لا يكتفي الكاتب بالاحتجاج، وإنما يكشف الآليات التي صنعت هذا التشويه، ويضع الإعلام والسياسة والنقد أمام مسؤولياتهم الأخلاقية، مؤكدًا أن أخطر استعمار ليس احتلال الأرض، وإنما احتلال الصورة الذهنية للإنسان.
ومن أكثر ما يلفت الانتباه أن المؤلف لا يفصل بين الأدب والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع. تتحاور هذه الحقول داخل النص كما تتحاور الأنهار قبل أن تصب في البحر. يستدعي أرسطو، ويستحضر سومر، ويجاور دوستويفسكي مع الحكاية الشعبية، ويمنح الأمثال والأغنيات الشعبية القيمة نفسها التي يمنحها للنصوص الفكرية. هكذا يصبح الكتاب فسيفساء معرفية تتجاوز الحدود التقليدية بين العلوم.
لغة المكان تشكل العمود الفقري لهذا المنجز. القرية ليست ديكورًا سرديًا، وإنما كائن حي يتنفس داخل الشخصيات. اللهجة ليست زينة صوتية، وإنما وثيقة حضارية تحمل بقايا الحضارات المتعاقبة، وتحفظ ما عجزت الكتب الرسمية عن حفظه. لهذا تبدو المفردة الشعبية في الكتاب أكثر صدقًا من عشرات المصطلحات المنمقة.
ويعلن المؤلف تمرده أيضًا على النقد الذي تحول، في رأيه، إلى استعراض لغوي معقد، يخاطب النخب ويغادر الناس. يوجه سهامه إلى الناقد الذي يغرق النص في المصطلحات، وينسى الإنسان الذي كتب النص من أجله. إنها دعوة إلى نقد يستعيد إنسانيته، ويعيد الأدب إلى قارئه الطبيعي.
من الناحية الأسلوبية، يتنقل الكاتب بين المقالة، والشهادة، والخاطرة، والسرد، والتوثيق التاريخي، والاستشهاد الفلسفي، في بنية هجينة لا تعترف بالفواصل الجامدة بين الأجناس الأدبية. هذا التعدد يمنح النص طاقة كبيرة، ويجعله قادرًا على مخاطبة القارئ العادي كما يخاطب الباحث المتخصص.
أما الطين، فهو الشخصية الكبرى في الكتاب. ليس عنصرًا طبيعيًا، وإنما رمز للثبات، والكرامة، والخصوبة، والذاكرة، والولادة المستمرة. كل طريق يقود إلى الطين، وكل سؤال ينتهي عنده، وكل هوية تستمد شرعيتها منه.
إن القيمة الحقيقية لهذا المنجز لا تكمن في المعلومات التي يقدمها، وإنما في الجرأة التي يكتب بها. إنه كتاب يرفض الصمت، ويقاوم النسيان، ويؤمن أن الدفاع عن الهوية يبدأ من الدفاع عن الكلمة. لذلك يخرج القارئ من صفحاته وهو يشعر أن الطين ليس مادة خلق الإنسان فقط، وإنما آخر القلاع التي تحتمي بها الذاكرة من الخراب.
في النهاية، لا يكتب أحمد سعدون البزوني كتابًا عن الجنوب، ولا عن الريف، ولا عن الطين. إنه يكتب سيرة الإنسان الذي حاول الجميع اقتلاعه، فازدادت جذوره عمقًا. يكتب عن وطن يسكن التراب، وعن تراب يسكن الإنسان، وعن ذاكرة تعرف أن الحضارات لا تموت ما دام هناك من يكتبها بصدق، ويحرسها بالكلمة.








