سيمياء الخيانة وعبثية النهاية : قراءة نقدية فلسفية ونفسية في نص(طابورالموت) للقاصة الهام عيسى|الدكتور طارق لعرابي

ناقد أكاديمي|الجزائر

مقدمة:
تنهض القصة القصيرة جداً على تخوم الإيجاز البليغ والتكثيف الدلالي، مستنطقةً جوهر اللحظات الفاصلة لتفجير أبعاد كبرى في مساحة ضيقة تعج بالرموز. وفي نصها الموسوم بـ “طابور الموت”، ترسم الأديبة إلهام عيسى لوحة مأساوية بالغة العمق، تسطّر فيها انهيار النفس البشرية في درك الخيانة، وتتتبع مآلات هذا السقوط في مرآة العدالة الحتمية. يهدف هذا المقال الأكاديمي إلى تفكيك البنى الدلالية للخطاب السردي، وتتبع التحولات المأساوية للشخصية المركزية من منظور سيميائي ونفسي وفلسفي، كاشفاً عن آليات التدمير الذاتي والكوني التي يختزنها النص في بنائه المحكم.
يفتتح النص مشهده العبثي بعتبة صادمة تتمثل في عبارة “قبض الثمن”، وهي عبارة تختزل تحولاً أنطولوجياً خطيراً يعاني منه الكائن؛ حيث ينتقل من رحاب الانتماء العضوي والأخلاقي إلى مستنقع المقايضة البحتة. الثمن هنا ليس مجرد مقابل مادي، بل هو المقابل الرمزي لتنازل الإنسان عن إنسانيته وجذوره. ولا يتوقف هذا السقوط عند حدود الخفاء والمواربة، بل يتوج بعلانية فاجرة حين “تُوّج أمام الزور”. وهنا تجلت مفارقة التتويج في بيئة فاسدة؛ فالمؤسسات المزيفة أو البيئات المنحرفة لا تمنح أوسمة الشرف، بل تحتفي بالخونة وتضفي شرعية زائفة على أفعالهم على أنقاض القيم العليا. إن هذا التتويج الوهمي يعكس حالة من الانفصام المجتمعي حيث ينقلب الحق باطلاً، وتتحول الخيانة إلى وسام يرتديه الساقطون على غير هدى، متوهمين أن القوة المادية قادرة على صناعة التاريخ.

ويتصاعد التوتر الدرامي ليلامس حدود التوحش المطلق من خلال عبارة “بعد أن وقّع خنق أرواح والديه وأسرته، وأجهز على من كان يحمل اسمه”. يتجلى هنا عنف الخنق البطيء من خلال استخدام فعل “خنق” الذي يمنح النص بُعداً كابوسياً مُصوراً تخلص الجاني المنهجي من ينابيع وجوده الأول ومصادر دفئه الأبوي. الخنق هنا ليس فعلاً جسدياً فحسب، بل هو محاولة لاجتثاث الذاكرة العائلية وقطع الأوصال مع الماضي. وتتأكد فداحة المشهد في جريمة الانتحار الرمزي والبيولوجي؛ إذ بقتل من يحمل اسمه، يقترف الخائن إعداماً ذاتياً لامتداده التاريخي؛ فالاسم هو الهوية، وبإجهازه على حامله، يغدو الخائن كائناً هائماً في فراغ العدم، بلا أصل ولا صدى، مفرطاً في هوجيته حتى يفقد صلته بأبسط مقومات البقاء الإنساني السوي، ليموت رمزياً قبل أن يواجه مصيره المحتوم.
وفي خضم هذه المأساة المستعرة، تتكشف ميكانيزمات الدفاع النفسي لدى الشخصية في مفصل دلالي حاسم يتجسد في مفردة “متناسيًا”. يمارس الخائن هنا هروباً وجودياً واهياً من هول جريمته، متوخياً أن طمس ملامح الجريمة وصوت الضمير سيمنحه صك حصانة أبدية. هذا “التناسي” ليس نسياً طبيعياً، بل هو قناع هش يخفي خلفه رعباً داخلياً وتخبطاً نفسياً مريراً. من منظور التحليل النفسي، يعكس هذا التناسي محاولة قمع الشعور بالذنب الذي ينخس الضمير باستمرار، جاهلاً أن السنن الكونية لا تتبدل، وأن الذاكرة التاريخية والاجتماعية تظل متربصة بالخونة على مفارق الطرق؛ وكلما حاول الفاعل الهروب من جريمته، اقتربت منه حتمية المواجهة.

تتوج البنية الفنية للنص بخاتمة فلسفية ذات عمق تراجيدي تختزلها عبارة “متناسيًا أن خلف أبواب الخيانة طابورًا ينتظر صاحبه”. يتجسد “الطابور” في هذه اللحظة كقوة قدرية هائلة تعيد ترتيب التوازن المفقود في العالم السردي؛ فهو طابور الضحايا الذين استبيحت أرواحهم ظلماً، أو طابور الخونة الذين سبقوه وينتظرون لحوقه في مسير الهلاك ذاته. وهنا تكتمل المفارقة الكبرى؛ فالخائن الذي ترعش النشوة أطرافه فوق عرش الوهم والتتويج المزيف، يرتطم فجأة بحتمية الاصطفاف في طابور الموت والمحاسبة، ليغدو مجرد رقم عابر في نهاية حتمية لكل خيانة. تؤكد هذه الخاتمة أن العدالة الكونية والتاريخية لا تسقط بالتقادم، وأن خلف كل باب مغلق بالخيانة يتربص قدر صارم لا مفر منه.

خاتمة:
يُشكل نص “طابور الموت” للأديبة إلهام عيسى أنموذجاً رفيعاً في ممارسة السرد المقتضب؛ حيث تماهت روعة السبك مع عمق الرؤية الأخلاقية والفلسفية. لقد استطاعت الكاتبة أن تعري ظاهرة الخيانة من كل بهرجتها الزائفة، عابرةً بالمشهد من دائرة الحكاية الضيقة إلى آفاق التأمل الوجودي الأوسع، مؤكدةً أن مآل كل خروج عن ثوابت الوجود الإنساني ليس سوى التلاشي والعدم، وأن طابور العدالة قادم لا محالة ليسدل الستار على مسرحية الوهم والخيانة.