الأديب الفرنسي(دي موباسان)رائد القصة القصيرة الحديثة في العالم | د.علي احمد جديد

كاتب ومحامي وباحث  سوري/ أكاديمي |لندن

ثمة خلط بين القصة وبين القصة القصيرة ، وهذا الخلط ناجم في الغالب من الدلالة اللفظية لكلٍ من المصطلحين ، بينما حقيقة الأمر أن القصة بمعناها المطلق تشمل كل ألوان القَص السردي ، وذات جذور متوغلة في تاريخ التراث العربي والأدبي الحديث ، ومنها الأحداث في أسفار التكوين والخروج وحياة السيد المسيح عليه السلام في الكتاب المقدَّس ، وقصص القرآن الكريم كقصص الأنبياء ويوسف(ع) والأقوام والأمم ، وكذلك الأساطير الشعبية والحكايات المستمدَّة من التراث التي تشكِّل رصيداً ضخماً من الإبداع المرتبط بتاريخ الأمم الحالية والغابرة عبر الزمن . لكن القصة القصيرة بمفهومها الحديث فَنٌّ وافِدٌ إلىٰ الأدب العربي المعاصر جاء من آداب الغرب والشرق علىٰ حَدٍّ سواء ، ولا يبرر هذا الخلط بين القصة وبين القصة القصيرة ما تشهده ساحة الإبداع الأدبي من الفوضىٰ اليوم نتيجة تداخل الأجناس الأدبية علىٰ نتاجات المتغربين – تقليد أدباء الغرب – حتىٰ صارت قراءة ما يسمىٰ قصة ما لا علاقة لها بالقصة ، بذريعة (التجديد) وماذلك سوىٰ تقليد أعمىٰ يتجاهل اهتمامات القارئ العربي الذي تربىٰ علىٰ ألوان أدبية شكّلت شخصيته الفنية و العامة ، والتي هي ألوان قابلة للتجديد وفق سياق التطور الذي تشهده الحياة في المجتمعات العربيه علىٰ اختلافها ، لا وفق ما يراه الآخرون من قواعد صارمة .
إن الأدب العربي عبر تاريخه الطويل يحمـل كمّاً هائلاً من المنشورات القصصية التي لا تنطبق عليها تسمية القصة القصيرة ، رغم أن هذا اللون الأدبي ـ أي القصة القصيرة ـ هو أكثر الألوان الأدبية قابلية للتجديد ، وهذا ما تؤكده النماذج القصصية الجديدة التي بدأت في التخلي عن تلك القواعد الصارمة التي وضعها الرواد من كتّاب القصة القصيرة الأوائل مثل حسين هيكل ومحمود تيمور في مصر و عبد الملك نوري في العراق و زكريا تامر في سورية ، أو التي استنتجها النقاد من كتابات أولئك الرواد بصرف النظر عن مدىٰ تَقبُّل المتلقي للنصوص القصصية الجديدة ، لأنه يتوجب علىٰ كاتب القصة التعامل بحذر مع النص قبل الإقدام علىٰ مغامرة التجريب التي تنسف المقومات الأساسية لفن القصـة القصيرة في النص القصصي فيصبح لوناً أدبياً آخرَ يمكن تصنيفه تحت أي مسمىٰ من مسميات الأدب باستثناء القصة القصيرة . لأن القصة القصيرة جنس جديد من الأجناس الأدبية إذا ماقيست بما سبقها من الرواية والشعر والمسرح والملحمة ، ولعل أصدق مقارنة بينها وبين الرواية هي ما قاله الأديب النمساوي (استيفان زفايغ) :
“إذا كانت الرواية قطاعاً طولياً في الزمان فإن القصة القصيرة قطاع عرضي” .
وهذا بالتحديد ما يجب أن تعتمده القصة القصيرة من عنصر التكثيف الذي يكشف الحدث القصصي الرئيس في القصة القصيرة خلال عرض شديد الحساسية ينبئ عن الأحداث الهامشية الأخرىٰ .
وكان الاهتمام بالقصة القصيرة في أوروبا يجعلها أقوىٰ الأشكال الأدبية التي تجتذب القاريء حين قررت جمعية أدباء ونقاد باريس إنشاء معهد خاص بنقد القصة القصيرة وجمع تراثها من أرشيف فرنسا الذي تجاوز عمره 200 عاماً وأرشيف أوروبا الأدبي كلها . لكن اللافت كان بدء هذا المشروع الطموح بجمع تراث أديب يعتبره العالم الرائد الأول في كتابة القصة القصيرة وهو الكاتب والأديب الفرنسي الساخر والجميل (غي دي موبوسان) والذي كان أيضاً ملهم كتاب القصة القصيرة في الوطن العربي وصاحب أول بذرة لها في مصر بالتحديد فلقد أثبت تاريخ الأدب والنقد أن (محمود تيمور) أول من كتب القصة القصيرة كان شديد التأثر بـ(غي دي موبوسان) لدرجة تصل إلىٰ حد الاقتباس و”التمصير” في أحيان كثيرة .كان ( غي دي موباسان) أول من كتب القصة القصيرة في شكلها الحديث المتكامل بعد أن كتبها قبله كثيرون من أدباء العالم كالأمريكيين (مارك توين وإدغار آلان بو) لكنهما لم يهتديا إلىٰ عبقرية (دي موباسان) الذي جعل القصة القصيرة بعيدة عن الخيال الخارق واكتفىٰ بتأمل واقعية الأحداث العادية والأفراد العاديين ليفسر الحياة في التعبير عن خفاياها من خلال موقف أو لقطة “فلاش”من لحظاتها ، ليسجل (غي دي موباسان) ابتكار القصة القصيرة باسمه ، كما يُسجل المخترعون اختراعاتهم وسارت من بعده في كل الآداب العالمية علىٰ الشكل الذي خطَّه لها .
كان (دي موباسان) من أشهر كتاب القصة ، ليس في فرنسا وحدها ، بل في العالم كله ، حتىٰ أن الرسام الهولندي الشهير (فان كوخ) كتب لأخيه يقول :
“إن خير ما أعمله هنا أن أرسم النساء والأطفال ، لكن لن يسعدني أي شيء كل السعادة إلا أن يولد بين الرسامين من يضارع غي دي موباسان بين الكتاب” .
كان (دي موبوسان) مهووساً بالكشف علىٰ خبايا ذاته ليرىٰ نفسه في وضوح وكأنه ينظر في المرآة . فقد دخل حجرته ذات يوم ، ليجد نفسه ـ كما قال في مذكراته ـ جالساً علىٰ مقعد يقرأ كتاباً كان قد نحاه جانباً حين غادر الغرفة منذ لحظة ، وذلك ما ألهمه كتابه قصة (لا هورلا) التي تدور حول رجل يتردد عليه طيفه . وذات مرة كان يكتب وهو جالس إلىٰ طاولة مكتبه فجلس طيفه قبالته في سكون يملي عليه ما يكتب كلمة كلمة . وبذلك بدأت نهاية (دي موباسان) المأسوية الذي دخل في صراع مرير مع المرض القاسي وهو ما كتب عنه يقول :
“كأن جسمي كله – لحمي وجلدي – قد نُقع في ملح ، فلم يعد لي لعاب لأن الملح جففه تماماً . أظن أن هذه هي بداية النهاية . إن رأسي يؤلمني ألمًا مبرحاً يجعلني أضغطه بين يدي فأشعر بأنه رأس ميت” .
فكان واضحاً تماماً أن إرهاصات موت مبدع مدهش قد بدأت بالفعل ، وليس غريباً أنه كان أول من يشعر بنهايته . أما الآخرون فقد تأكد هذا عندهم بعد أن نُقل إلىٰ باريس في قميص المجانين ، ولم تقوَ أمُّه علىٰ زيارته خشية نهيارها عند رؤيته في هذه الحال ، وكانت حالته تزداد سوءاً ، إلىٰ أن وافته المنية ليرحل بعد أن شغل مكانة كبيرة في قلوب الفرنسيين الذين لم يتوقفوا عن تقديره ورثائه والاشادة بمؤلفاته حتىٰ اليوم .
كان رحيل (غي دي موباسان) مؤثراً – كقصصه – بعد أن قاسىٰ عذابات المرض الشرس الذي ألقاه في عالم الهوس الإبداعي ليسلمه ببرود إلىٰ الموت ، فرحل تاركاً نحو مائتين وخمسين قصة قصيرة ، وست روايات ، وديواناً وحيداً من الشعر ، ومازالت أعماله تترجم إلىٰ كل لغات العالم حتىٰ اليوم التي كتب معظمها بين عامي 1880 و1890 تترجم إلىٰ كل لغات العالم والتي من أهمها : “حياة امرأة ، الصديقة الجميلة ، بيتر وجون ، إيفيت ، الغوريلا ، كرة الشحم ، العقد الماسي ، المظلة ، قطعة الخيط” .
تميزت قصص (غي دي موباسان) وبصورة خاصة قصته “كرة الشحم Boule de Suif” بأسلوب واقعي دقيق اعتمد فيه علىٰ قوة الملاحظة والايجاز البليغ المرفق بنقد لاذع ومبطن للنفاق الاجتماعي والطبقي . فكان يصف التفاصيل والأماكن والشخصيات والأحداث بموضوعية تشبه عدسة الكاميرا دون زخرفة خيالية زائدة ، ونجح في رسم الشخصيات بعمق يجمع نماذج مصغرة للمجتمع “نبلاء ، برجوازيون ، راهبات .. وبائعات هوى”) ليبين التناقض بين الأخلاق المزيفة وبين الفضيلة الحقيقية ، ويكشف السخرية والنفاق الاجتماعي ، فاتسمت لديه الجمل بالتركيز والوضوح والابتعاد عن الاستطراد الممل ، مما يخدم فن القصة القصيرة مستخدماً الرمزية الواقعية في تحويل الشخصيات الرئيسة في قصصه إلىٰ رمز للوطنية التي هي الضحية واستغلال الإنسانية في مجتمع الأغنياء والأقوياء .

ـ لندن 2026 ـ