
سيدة النص وسلطانة المعنى :رسالة إلى من انصفت النقد حين انصفها رسالة إلى الاستاذة الهام عيسى صاحبة ق ق ج طابور الموت| طه دخل الله عبد الرحمن
ناقد وكاتب| فلسطيني
كم كان يمكن لهذا الحوار أن يكون مختلفاً لو كنتِ كاتبةً من ذاك الطراز الذي يخاف على نصه من المساءلة، ذلك الطراز الذي يرى في النقد تهديداً، وفي التأويل مصادرة، وفي الناقد عدواً يجب دحره أو ترويضه. لكنك، ومنذ اللحظة الأولى، اخترتِ الطريق الأصعب والأرفع: أن تقفي حيث يقف الكبار، في المنطقة المحايدة بين المتخاصمين، لا لأنك لا تملكين رأياً، بل لأنك تملكين ما هو أعمق من الرأي، تملكين موقفاً. وهذا الموقف هو الذي قلب الحوار كله من معركة صغيرة على المعنى إلى درس كبير في أخلاقيات الأدب.
دعيني أقول لك، بكل صراحة ووضوح، أن موقفك الذي قال “ضعوا القصة تحت مشرطكم” كان، في تقديري، الجملة النقدية الأهم في هذا الحوار كله. لماذا؟ لأنك بهذه الكلمات القليلة، رفضتِ أن تكوني طرفاً في لعبة “من يملك النص؟”، وأعدتِ النص إلى مركز الدائرة. أنتِ لم تقولي: “طه دافع عني، إذن هو على حق”. ولم تقولي: “كاظم هاجم طه، إذن هو على خطأ”. وهذا تحديداً ما فعله كثيرون غيرك، يوزعون الحق والباطل بناءً على الولاءات لا على الحجج. أنتِ، بكل بساطة مدهشة، قلتِ شيئاً ثورياً في بساطته: النص هو القضية، لا أنا، ولا الناقد، ولا الناقد الآخر.
وهنا أتوقف لأقول لك شيئاً لعلك لم تسمعيه بهذا الوضوح من قبل: إن الكاتب الذي يقبل النقد، لا بل يطلبه، هو كاتب يعرف أن النص ليس طفلاً يجب حمايته من العالم، بل هو كائن حي يجب أن يُترك ليصطدم بالعالم، بالقراء، بالتأويلات، بالمشارط. أنتِ لم تخافي على “طابور الموت” من النقد، بل خفتِ عليه من المجاملة، كما قال الدكتور جمال عاشور. وهذا الفرق بين من يكتب ليُعجب، ومن يكتب ليُسأل. أنتِ من الطراز الثاني، الطراز النادر، الطراز الذي يجعل من الكتابة مغامرة في المجهول، لا تكراراً للمعلوم.
لقد تابعتُ، وأنا في خضم هذا السجال، ردوداً ثلاثة شكلت في مجموعها ما يشبه محكمة نقدية مصغرة: الأستاذ فضيل بن عدة الذي وضع النقاش في سياقه المنهجي الأوسع، والدكتور جمال عاشور الذي مارس تشريحاً دقيقاً ومرهفاً للمشهد كله، ثم ردّي أنا على الدكتور جمال، الذي حاولت فيه أن أشرح عمق الجرح الذي يحدث حين يتحول النقد من محاورة للنص إلى محاكمة للنوايا. وفي كل هذه الردود، كان موقفك أنتِ هو الخيط الرفيع الذي يربطها، كان صوتكِ هو صوت العقل الهادئ في معمعة التشنج. وهذا ليس غريباً، فالنص الذي كتبتِه، “طابور الموت”، هو نص عن الخيانة والقتل وإلغاء الآخر، وأنتِ، في موقفك، مارستِ عكس ما يفعله أبطال قصتك: هم خانوا وقتلوا وألغوا، وأنتِ وفيتِ وأحييتِ الحوار وأبقيتِ على الجميع.
أريد أن أخبرك أيضاً أن ما فعلته أنتِ هو تحديداً ما ينقص الساحة الأدبية العربية اليوم: كتّاب لا يقدّسون نصوصهم، نقاد لا يقدّسون أقوالهم، قراء لا يقدّسون أسماءهم. نحن في زمن تحولت فيه الكتابة إلى سوق للمديح المتبادل أو ساحة للتصفيات المتبادلة، وضاع بين هذا وذاك النص المسكين. أنتِ، بموقفك هذا، أعدتِ للنص كرامته، وللناقد حريته، وللحوار أدبه. وهذا ليس قليلاً، بل هو، في تقديري، كل شيء.
ختاماً، أيتها الأستاذة النبيلة، أقول لك بلسان من خبر الساحة الأدبية وعرف أخلاقها وأخلاقياتها: إن موقفك هذا لا يُنسى. هو موقف مشرّف لك، وللقصة القصيرة جداً، وللأدب كله. وأنا، من موقعي الذي يعرف الجميع أنه لا يجامل في الأدب، أقولها بوضوح: أنا فخور بأن أكون أول من قرأ “طابور الموت” قراءة تأويلية، لا لأن قراءتي كانت صحيحة بالضرورة، بل لأنها كانت مع نصٍ لكاتبة تستحق أن يُقرأ لها، وأن يُختلف عليها، وأن يُعاد قراءتها. فالنصوص الرديئة لا يُختلف عليها، يُهملها الناس أو يمدحونها زيفاً. أما نصوصك، فيُختلف عليها، وهذا وحده دليل على أنها نصوص حية، تنبض بالمعنى، وتستفز الأسئلة.
لكِ مني كل التقدير والامتنان، ومن “طابور الموت” أقول: لقد تحول هذا الطابور، بفضلك، من طابور للموت إلى طابور للحياة، حياة النقد، وحياة الحوار، وحياة الأدب الذي لا يخاف من أسئلته.
دمتِ كاتبةً تليق بالنص، ودام نصك يليق بالأسئلة الكبيرة.
طه دخل الله عبد الرحمن
9/08/2026







