
أوغاريت .. حين تحولت التجارة إلى لغة للعالم| الدكتور غسان القيم
كاتب وباحث ومؤرخ وعالم أثار أكاديمي| سوري
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
عندما نقف اليوم على تل رأس الشمرة حيث قامت مدينة أوغاريت قبل أكثر من ثلاثة وثلاثين قرناً.. قد يبدو المكان هادئاً وساكناً كما لو أنه يستريح بعد رحلة طويلة عبر الزمن. لكن الألواح الطينية التي خرجت من بين أنقاض القصور الملكية والمخازن والمرافئ تروي لنا حكاية أخرى حكاية مدينةٍ لم تكن مجرد مملكة صغيرة على الساحل السوري بل كانت قلباً اقتصادياً نابضاً يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب ويجمع شعوب البحر المتوسط في شبكةٍ تجارية واسعة النطاق.
لقد كشفت الوثائق الاقتصادية الأوغاريتية المترجمة عن عالمٍ تجاري بالغ الثراء والتعقيد إذ وردت فيها أسماء أكثر من ثلاثمئة وخمسين صنفاً من البضائع والسلع المتداولة براً وبحراً. ولم يكن هذا العدد الكبير مجرد قائمة للمواد المتوافرة في الأسواق بل كان شاهداً حياً على المكانة التي احتلتها أوغاريت في الاقتصاد الدولي خلال العصر البرونزي المتأخر.
كانت سفن ميناء “مينة البيضا” تخرج وتعود محملة بخيرات الأرض ومنتجات الحرفيين. فالنحاس القادم من قبرص والقصدير القادم من مناطق بعيدة في الشرق.. كانا يشكلان المادة الأساسية لصناعة البرونز الذي قامت عليه حضارات ذلك العصر. وكانت الأخشاب الثمينة القادمة من جبال الساحل السوري والأناضول تجد طريقها إلى الورش الملكية وإلى الأسواق البعيدة في حين كانت الحبوب بأنواعها المختلفة وزيت الزيتون والخمور تشكل جزءاً مهماً من حركة التبادل التجاري بين الممالك والمدن.
ولم تقتصر تجارة أوغاريت على المواد الخام وحدها بل امتدت إلى المنتجات المصنعة ذات القيمة العالية. فقد اشتهرت المدينة بصناعة الأقمشة الفاخرة والمنسوجات الراقية ولا سيما الحرير والأقمشة المصبوغة بالأرجوان ذلك اللون الملكي النادر الذي أصبح رمزاً للثراء والسلطة في العالم القديم. كما برع الحرفيون الأوغاريتيون في صناعة الأدوات البرونزية والأسلحة وأدوات الزينة إضافة إلى التحف المصنوعة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة والعاج والأخشاب النفيسة.
وتكشف النصوص أيضاً عن تجارة مزدهرة للعطور الزيتية والمراهم والمساحيق المختلفة والأعشاب الطبية وهي منتجات تعكس مستوىً متقدماً من المعرفة بالصناعات الكيميائية والدوائية والتجميلية في ذلك العصر. ولم تكن هذه السلع من ضروريات الحياة اليومية فحسب بل كانت من مظاهر الرفاهية التي طلبتها قصور الملوك ونخب المجتمعات القديمة.
إن هذا التنوع المذهل في السلع والبضائع لا يمكن تفسيره بوجود سوق محلية واسعة فقط بل يدل بوضوح على أن أوغاريت كانت مركزاً تجارياً عالمياً بالمعايير القديمة. فقد تحولت المدينة إلى محطة عبور رئيسية تتقاطع عندها طرق التجارة البحرية والبرية القادمة من مصر وقبرص والأناضول وبلاد الرافدين وجزر بحر إيجه وغيرها من مناطق المتوسط.
وتزداد الصورة وضوحاً عندما نعلم أن الوثائق الأوغاريتية أحصت ما يقارب ألفي تاجر من كبار التجار وأصحاب النفوذ الاقتصادي. والأهم من ذلك أن الغالبية العظمى منهم كانوا من أبناء أوغاريت والقرى التابعة لها بينما كان الباقون ينتمون إلى قبرص وجزر اليونان وممالك أخرى منتشرة على امتداد حوض البحر المتوسط. وهذه الحقيقة تكشف عن قوة الطبقة التجارية الأوغاريتية وقدرتها على إدارة شبكات اقتصادية واسعة تجاوزت حدود المملكة نفسها.
لقد كان التاجر الأوغاريتي أكثر من مجرد بائع أو مشترٍ. كان سفيراً اقتصادياً وثقافياً يحمل معه لغة أوغاريت وعاداتها ومنتجاتها إلى الموانئ البعيدة. وكانت الثروة التي راكمها هؤلاء التجار أحد أهم أسباب ازدهار المدينة وتطور عمرانها وقصورها ومعابدها ومؤسساتها الإدارية.
ومن خلال هذه الشواهد جميعها تتجلى أوغاريت بوصفها واحدة من أعظم المراكز التجارية في الشرق القديم. فبين أروقة القصر الملكي ومستودعات المرفأ وأسواق المدينة ولدت تجربة اقتصادية فريدة جعلت من هذه المملكة الساحلية الصغيرة قوة مؤثرة في عالم البحر المتوسط. ولم يكن ازدهارها قائماً على موقعها الجغرافي فحسب بل على حيوية أبنائها وجرأة تجارها وقدرتهم على تحويل البحر إلى طريق مفتوح نحو العالم.
وهكذا فإن الألواح الطينية التي صمدت آلاف السنين لم تحفظ لنا أسماء البضائع والتجار فقط بل حفظت شهادةً خالدة على عبقرية أوغاريت الاقتصادية تلك المدينة التي أدركت مبكراً أن التجارة ليست تبادلاً للسلع فحسب بل جسراً للحضارات ولغةً مشتركة تجمع شعوب العالم تحت أشرعة البحر.
المراجع:
“”””””””””
_تقارير البعثات الأثرية والتنقيبية العاملة في موقع أوغاريت الأثري خلال السنوات الماضية.
_النصوص الاقتصادية الأوغاريتية المنشورة والمترجمة.
دراسات وأبحاث تاريخ الاقتصاد والتجارة في أوغاريت خلال العصر البرونزي المتأخر.
عاشق أوغاريت..غسان القيّم..
الصورة المرفقة بعدستي منظر عام لمدينة اوغاريت الآثرية عندما تشرق منها شمس الصباحات الجميلة.








