
أوغاريت :حين نطق الطين بالحرف|الدكتور غسان القيم
كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي سوري
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في هذا الرقيّم تتجسّد لحظةٌ نادرة من التاريخ:
يدٌ بشريةٌ ترتجف فوق الطين تحاول أن ترسم الحرف أن تُمسك بالصوت أن تُحوّل الهمس إلى أثرٍ لا يزول.
كلّ انحناءةٍ في الخط المسماري هي تجربةٌ أولى للوعي، وكلّ خطأٍ في النقش هو ارتباكُ الخلق حين يكتشف اللغة.
ذلك الكاتب المبتدئ لم يكن ضعيفًا بل كان أول من أخطأ في سبيل المعرفة.
فمن أخطأ في الكتابة الأولى فتح الباب لكلّ من جاء بعده ليكتب، ليحلم، وليحفظ ذاكرة البشر على الطين.
أوغاريت لم تكن مدينةً فقط، بل كانت مختبرًا للروح.
منها خرجت الأبجدية التي ستصبح فيما بعد لغة العالم،
ومنها بدأ الإنسان يدرك أن الكلمة يمكن أن تُخلّد أكثر من الحجر.
في هذا الرقيّم، نرى الطفولة الأولى للحرف
نرى كيف كان الصوت يُنقش كأنه صلاة
وكيف كان الكاهن أو الكاتب يضع الحرف على الطين كما يضع المؤمن يده على صدره حين يصلّي.
هذا الرقيّم ليس مجرد أثرٍ أثريّ بل هو شهادة ميلادٍ للكتابة.
كلّ حرفٍ فيه هو نبضةٌ من ذاكرةٍ لا تموت.
وكلّ خطأٍ هو دليلٌ على أن المعرفة تولد من العثرات.
أوغاريت لم تكتب لنا التاريخ فقط
بل كتبت الحلم الذي جعل التاريخ ممكنًا.
ومن بين تلك العلامات المسمارية يخرج صوتٌ خافتٌ يقول لنا اليوم:
“أنا الطين الذي تعلّم أن يتكلّم.”
حين تنظر إلى هذا الرقيّم.. لا ترى تمرينًا فاشلًا،
بل ترى اليد الأولى التي كتبت العالم.
ترى أوغاريت وهي تفتح فجرها
وترى الإنسان وهو يكتشف أن اللغة ليست أداة بل قدرٌ مقدّس.
اوغاريت لا تقرأ بالعجلة تحب من يقرأها بهدوء
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
الصورة المرفقة لرقيم فخاري مكتشف في مدينة اوغاريت خلال مواسم التنقيبات الآثرية السايقة لتلميذ مبتدىء ينقش كتابة بعض الأحرف الابجدية تظهر ضعف خبرته في الكتابة..وهو من مقتنيات متحف دمشق الوطني..
99







