
قراءة نقدية في مقال (الكتابة فعل مقاومة) للمفكر التونسي كمال الدريدي |جليلة المازني
ناقدة وإعلامية| تونسية
” المرأة لا تكون بعضا من الكل بل هي المحور”
أ – المقدمة:
لقد كتب الكاتب التونسي كمال الدريدي على صفحته مقالا بعنوان “المرأة لا تكون بعضا من الكل بل هي المحور” بتاريخ 31 ماي 2020 وتمّ تحديثه في 13 أوت 2026 ولعل التحديث كان بمناسبة عيد المرأة التونسية.
وفي هذا الإطار فان القارئ قد يتساءل:
– هل الكتابة ترَفٌ وبذخ فكري لدى صاحب المقال؟
– هل الكتابة فعل مقاومة لدى صاحب المقال؟
ب – التحليل: الكتابة فعل مقاومة:
يبدو ان صاحب المقال يعتبر الكتابة فعل مقاومة:
وفي هذا السياق يعدّ النقاد أن الكتابة هي “فعل مقاومة لأن الحرف الصادق يواجه النسيان ويقهر طغيان القهر ويهزم محاولات ترويض الوعي.. إنها صرخة إنسانية ضد الظلم ووسيلة للحفاظ على الهوية والحياة حين يحاول العالم محو الحقيقة او طمسها”(1):
* الكتابة باعتبارها فعل مقاومة يواجه النسيان والزوال من خلال:
– تثبيت الحق في الوجود ضد التلاشي والموت الرمزي
– توثيق الحقيقة في وجه الروايات المزيفة والمظللة.
* الكتابة باعتبارها كسرا لقيد الاستبداد من خلال:
– رفض الخضوع لسطوة القمع وسياسات التكميم والترويض.
– التعبير عن صوت المقهورين والمهمشين والانحياز لكرامة الانسان.
– خلق مساحة حرة للرفض والاحتجاج بالرمز والفكرة.
وفي هذا الإطار فان الكتابة لدى كمال الدريدي باعتباره مفكرا هي فعل مقاومة ضد السائد بالمجتمع وضد الجهل بالنص القرآني:
1- الكتابة فعل مقاومة ضد السائد بالمجتمع وضد الجهل بالنص القرآني:
أ- الكتابة فعل مقاومة ضد السائد بالمجتمع:
ان صاحب المقال يعبر في مقاله عن صوت المقهورين والمهمشين في المجتمع وهو في ذلك ينحاز لكرامة الانسان ويريد توثيق الحقيقة في وجه الروايات المزيفة والمضللة.
ان الكاتب سلط الضوء على المرأة المهمشة لعله ينتشلها من الهامش ويرتقي بها الى المركز فقد استهل مقاله بقوله: ” ازددت يقينا كلما سحبني الزمان الى النهاية ان المرأة لا تكون بعضا من كل بل هي المحور”.
ويضيف قوله “تبقى الأنثى هي السكن وهي الملجأ , وهي زهرة الكون العجيبة”
والكاتب في ذلك له مرجعيته الدينية حين استشهد بالآية الكريمة (32) من سورة مريم ” وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا”.
ثم لمّح الى الآية الكريمة (21) من سورة الروم ” ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم
ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة”.
ان هذه العظمة التي حظيت بها مريم العذراء كأمّ حيث عظّم الله برّها والإحسان اليها دون الرجل والزوجة التي اعتبرها الله سكنا لا يمكن أن تهمّش أوتقهر.
ان السائد في المجتمع أن المرأة تختزل في المتعة.
والكاتب لكي يقنع القارئ قدّم شاهدا على هذا التهميش للمرأة في حوار مع صديق له فيقول:
” في حوار مع صديقي اللدود
قال: “المرأة متعة”.
إن رأي هذا الصديق الذي اختزل المرأة في المتعة جعل كاتب المقال كمال الدريدي يرفض هذه النظرة الدونية للمرأة التي تجعل منها طرفا مُهمشا في المجتمع ويختزل وجودها في الانوثة والمتعة الجسدية.
والكاتب ليقنع صديقه بقصر نظره في تهميش دور المرأة وهو التفكير السائد لهذه النظرة الدونية للمرأة قدّم حجّتين:
– حجة ذات مرجعية اجتماعية: تتمثل في أن الأسرة العربية خاصة تهيئ البنت على ان مستقبلها هو الزواج فتوفر لها اللعب المتعلقة بالدمية وأدوات الزينة بينما أخوها تنمّي لديه الألعاب الإبداعية.
ومن ثمّ تكون المفارقة بين الأنثى التي تربى على النظر الى جسدها الذي سيكون متعة للرجل مستقبلا والذكر الذي منذ حداثة عهده ينمّى فيه الفكر الإبداعي…يقول الكاتب:
“تجد البنت في أسرنا وقد شبت على ما يريده لها المجتمع فيقع تقييد عقلها وتوجيهه وتخزينه بشتى المعلومات”.
– حجة ذات مرجعية إنسانية:
يرى الكاتب ان المرأة “كائن يمتاز بالذكاء والفطنة والصبر والتضحية أكثر من الرجل ولعلها تسبقه في كل المجالات”.
ورغم هذه الشخصية المتميزة للمرأة فإن الرجل والأسرة والمجتمع يختزلونها في المتعة وخدمة الرجل والاسرة والمجتمع فيقول:
” ان أغلب الحضارات والتقاليد والأعراف تضع من شأن المرأة ولا ترفعه.. تحيرني ثقافة ” التشييء ويحزنني ان نجعل كائنا حيا بروحه وعقله وكل مميزاته لخدمة كائن حيّ هو الرجل والاسرة والمجتمع”:
– يثير الكاتب هنا حيرته من “ثقافة التشييء”:
وثقافة تشييء المرأة هي كما ورد بالموسوعة العلمية ويكيبيديا هي” ثقافة تعامل المرأة كشيء أو سلعة مادية او أداة وتجاهل انسانيتها وفكرها ومشاعرها واختزال قيمتها في مظهرها الجسدي أو قدرتها على الجذب.
ومن آثار ثقافة تشييء المرأة تدمير الصورة الإنسانية المتكاملة للمرأة في المجتمع.
– يثير حزنه من اختزال قيمة كائن حي في خدمة الرجل والاسرة والمجتمع:
ان الكاتب يقول هذا ليس من باب استنقاص الرجل أو الاسرة أو المجتمع بل هو يرفض وهو يُسرُّ الوجع هذه العلاقة القائمة عل ثنائية الخادم والمخدوم والآمر والمأمور والفاعل والمفعول بها .
واكثر من ذلك يرى وضعيتها وضعية الأشياء الجامدة(التشييء) وكأنها لا تنتمي الى عالم الأحياء الذين يتنفسون ويشعرون ومن حقهم ان يخطئوا دون محاسبتهم حسابا عسيرا على عكس الرجال فيقول:
” ثم عندما تتوه وتضيع نتبرأ منها ومن أفعالها التي صنعناها نحن بمحض ظلم وعقد نفسية”.
ب – الكتابة فعل مقاومة ضد الجهل بالنص القرآني:
يرى الكاتب ان الثقافة السائدة تدين المرأة بأنها أصل الخطيئة والغواية فيُفند هذا السائد بالحجة القرآنية ويستحضر الآية الكريمة (120) من سورة طه (فوسوس اليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى).
يوضح كاتب المقال ان الشيطان هو الذي اغوى آدم بشجرة الخلد وملك لا يبلى وبالتالي لا دخل لحواء في اغوائه والكاتب في ذلك يبرّئها من أن تكون أصل الخطيئة.
ويستحضر الآية (121) من سورة طه (فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى) وهذه الآية تحمّل آدم وزر المعصية (وعصى آدم ربه فغوى).
وتبرئة النص القرآني حواء من الخطيئة دليل على ان المرأة ليست هي أصل الخطيئة والغواية.
وهذا الدليل القرآني يدحض به الكاتب النظرة الدونية للمرأة:
2- الكتابة فعل مقاومة من أجل تغيير الثقافة السائدة:
إضافة لما استحضره كاتب المقال من نص قرآني ينصف المرأة ويرفع من قيمتها فان النص القرآني لم يقف عند ما ذكره صاحب المقال بل ان الله قد ضرب للمؤمنين مثل امرأتين في قوله في سورة التحريم (11/ 12):”وضرب الله مثلا للذين امنوا امرأة فرعون اذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين” وتلتها آية مريم :” ومريم التي أحصنت فرجها”.
وفي هذا الإطار فلئن برهنت امرأة فرعون على حسن استخدام عقلها وميزت بين الكفر والايمان واختار عقلها الايمان فان مريم العذراء قد برهنت على حفظ كرامتها ودينها (أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغية).
وبالتالي فكاتب المقال يقاوم النظرة الدونية للمرأة ويتوق الى تغيير ثقافة أن المرأة “ناقصة عقل ودين”
ومن ناحية أخرى فان كاتب المقال كتب هكذا مقالا ايمانا منه أن الكتابة هي فعل مقاومة وهو في ذلك يدعم كل الأقلام المتحررة التي تهدف الى انتشال المرأة من التهميش والارتقاء بها الى المركز:
وفي هذا الإطار فان هذا الحيف الاجتماعي المتسبب في تهميش المرأة وهذا الملمح الإنساني الذي يرتقي بها قد جعلا صاحب المقال كمال الدريدي يلتقي هنا مع المفكرة نوال السعداوي في كتابها “الأنثى هي الأصل” و التي أزعجت الذين يعارضون أن المرأة انسان بفكرها وبعقلها تماما كما الرجل (2).
وأكثر من ذلك يلتقي الكاتب مع المفكرة والفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار في كتاب” الجنس الآخر” الذي يهتم بواقع الفرنسيات اللواتي عشن حالة من الاضطهاد والدونية حسب
سيمون دي بوفوار (3).
ولعل القارئ وهو يقرأ هذا المقال قد يستحضر:
– قيمة المرأة التي تحظى بها في يومها العالمي كل 8/مارس من كل سنة.
– قيمة المرأة التي تحظى بها كل 10/ ديسمبر من كل سنة لمناهضة العنف ضدّها.
– قيمة المرأة التي تحظى بها حين جسّدت المرأة تمثال الحرية وتمثال العدالة.
ولعل القارئ يستحضر أيضا المنزلة الاستثنائية للنساء التي حباها الله بها بحكمته وهو الذي خلقنا من ذكر وأنثى حين خصّ النساء دون الرجال بسورة النساء وهي من السور المطوّلة(176آية) وتحتل المرتبة الثالثة بعد سورة البقرة وسورة آل عمران في الترتيب القرآني للسور.
وبالتالي فان كاتب المقال كمال الدريدي قدجعل من كتابته فعل مقاومة من خلال أنه:
– قلب الطاولة ضد الذكورة ليجعل من الأنوثة هي المحورحتى لا تكون جزءا من كل.
– قلب الطاولة على خطاب الكراهية (يبن الجنسين) ليدعم كون المرأة هي كائن حيّ بعقله وقلبه ومشاعره تماما كالرجل.
– قلب الطاولة ضد السائد الموسوم بالجهل لتكون المرأة كاملة العقل والدين.
شكرا لهذا القلم المتمرد على ثقافة السائد فجعل من كتابته فعل مقاومة من أجل التغيير لانتشال المرأة من الهامش الى المركز فارتقى بتفكيره الى مصاف المفكرين التنويريين في الشأن النسوي فكان مفكرا تنويريا واعيا بانسانية المرأة ومسكونا بسيادتها ومركزيتها في المجتمع.
المراجع:
(1) الكتابة والحرية: الكلمة كفعل مقاومة للاستبداد- نور الدين قدور رافع-15-01- 2026 الجزيرة.نت
(2) الانثى هي الأصل ا نوال السعداوي- مؤسسة هنداوي.
(3) الجنس الآخر (الجزء الثاني)..التجربة الحياتية – سيمون دي بوفوار








