قراءة نقدية في مقال الناقد طه دخل الله عبد الرحمن| فوزية بن حورية

اديبة وكاتبة مسرحية و روائية وناقدة تونسية

خطاب او لنقل رسالة موجهة بصفة مباشرة وخاصة للقراء الذين يمرون مر الكرام او كالنسيم ساعة الهجير دون ترك اثر… هؤلاء العابرين كما قال الأستاذ طه كالنسيم هنا لنا ان نتساءل هل هم كالنسيم فعلا واي نسيم؟… ام كمتطفلين أو كقراء طالبي معرفة أو كلصوص الأدب حيث ان في هذا الزمن زمن الخوارزميات زمن سرعة النسخ واللصق… والنقل والفبركة والاستناد على كلمة اقتباس… أو تناص… أو تلاص أو تنالاص… أو… وهذا جاءز… نحن لا نعرف ولا نعلم من خلف الشاشة وما هي سلوكه وتصرفاته وما تحوي الصدور وما يجول في الأفكار… وما تدبر النفوس المتواكلة… من يدري ان كان هذا النسيم نسيما عليلا فعلا… ام غير ذلك… ام كشافا يطالع ليكتشف كنوز المقال ويمر ولا يترك أثرا في حين ان النسيم اذا مر خاصة ساعة الهجير يترك أثر التلذذ والتنعم بمروره… كالنسيم العطر ولكن من اين لنا ان ندري… فتبقى النتيجة غير حتمية ومبنية للمجهول… جرى الايمان……لمن يمر كالنسيم لا يضر… ولا يترك أثرا يؤلم… أما بعد، فهذه الكلمة تقال بعد التحية في الخطاب… وهذا ما يثبت ان مقالة الناقد طه دخل الله عبد الرحمن هي خطاب فعلي… حيث يقول:” فإن للصمت في ممالك الكلام سلطانا لا يدانيه سلطان”، وهنا يتحدث عن جهابذة اللغة العربية وهم الماسكون بنواصي اللغة سردا ونقدا ونحوا… اما عن الامساك او السكات أو الصمت ففيه حكمة حيث ويقولون السكات من ذهب وذلك في حالة نقاش يجلب وجع الرأس وربما الخصام… واحيانا ينتج عنه اجراما… او كحديث مع من لا يفهمك ينقص الاعمار… فيشنج الأعصاب… ويضيع في النفس الميزان واحيانا يطيح بحسن الميزاج… وإن للغياب عن ساحة الحروف حضورا أبلغ من حضور ألف لسان، نعم ان الغياب كتواري الشمس خلف السحاب فترى الكل في حيرة لعودتها خاصة اولءك المتعطشون للدفء وهنا المقصود الدفء اللغوي والنقد البلاغي والمعرفي وهذا ما جعل الناقد طه عبد الرحمن يقسم المارين بكتاباته الى فريقين الا انه لم يميز فريقا عن الاخر فكلاهما عنده متساوون وهذا ينم عن تواضعه وحسن أخلاقه، فيقول “وإني لأقف اليوم بين فريقين كلاهما عندي بمنزلة النظر من العين والروح من الجسد؛ فريق مد إليّ من قواعد الحروف جسرا من نور، فكتب فأبدع، وعلق فأتحف، وأشار فأوجز، وفريق آثر الصمت فتأمل، والتأمل عند ذوي الألباب عبادة لا يعلم قدرها إلا من ذاق حلاوة الخلوة بالفكرة دون ضجيج الأقلام.” ثم يعود لمخاطبة الصامتين الا انه هنا بين منهم فيقول “أيها الصامتون صمت الحكماء لا صمت الغفلة،” اي هؤلاء لم يكن صمتهم كما المارين والقائمين ان صح التعبير سبهللا… ثم يعرج عن المعرضين عن كتاباته وبين سبب اعراضهم فإذا به “إعراض من يخاف على نفسه من سحر البيان أن يسترق لبه” وفي هذه الجملة يتبين لنا كم الناقد طه عبد الرحمن متاكد من سحر كتاباته ومدى تأثيرها في الوسط الثقافي العربي وربما العالمي لان له بعض الأعمال المترجمة… وأنه من الكتاب الذين لا يبحثون عن المعجبين أو المغرمين ولم يجعل كتاباته بوابة جمع الاعجابات وانا معه في ذلك لأنها قد تكون عن نفاق… ويتبين هذا في قوله: “اعلموا أني ما جعلت حروفي شبكة لاصطياد الإعجابات، ولا نصبت كلماتي فخا لاقتناص التعليقات،” وشبه كتاباته بحمامة يرسلها وفي منقارها قبسا من نار وماء هذا التشبيه يذكرنا بالحمامة الحاملة لغصن الزيتون… وقوله “قبسا من نار وماء ” يذكرنا بسيدنا موسى حين قال لأهله في سورة النمل”أو اتيكم بشهاب قبس به لعلكم تصطلون” وهذا يتجلى في قوله:” أرسلتها حماما يحمل في منقاره قبسا من نار وماء،” والنار لذاك الذي يتخبط في باب المعرفة…اما المقصود بالماء يروي الضمان المتعطش للمعرفة… والسلام المعرفي وبشرى هي نور العلم الذي يشرح صدره… الا انه ترك الخيار للمطلع ” فمن فتح لها نافذة قلبه دخلت عليه بالسلام والبشرى، ومن أغلق دونها أبوابه فلن تنتقص الحمامة شيئا، ولكنه هو الذي حرم نفسه أن يظله جناح من رحمة الكلمة في يوم تشتد فيه هجير الأيام.” هنا استعمل كلمة هجير كلمة لم تعد متداولة كثيرا…. وهنا يتنقل للحديث عن المتلذذين بالمطالعة كتاباته في الهزيع الاخير من الليل… “أيها الغائب عني بجسده الحاضر بروحه، الذي يقرأ كلامي في خلوة الليل وعيناه تقطران أسى أو فرحا، ولا يترك خلفه إلا” أثر نظر خفي كطيف مر على “ماء راكد فتموج ثم عاد إلى سكونه” تشبيه جميل هذا المطلع كأني به كان ساكنا أو يحي حياة عادية فجأة بعد مطالعة كتابة دخل الله عبد الرحمن فاثارت شجونه وربما جعلته يتهيؤ للكتابة الا انه يعود لما كان عليه…؛ هنا اتساءل خاصة بعد هذا القسم العظيم وكان الناقد هنا يخاطب شخصا معينا… “أنت والله أقرب إلي ممن يكتب حرفا أجوف لا روح فيه، فإن لصمتك عندي رنين أجراس تسمعني ما لا تسمعه ألف كلمة مصقولة بزيف المجاملات، وإن لغيابك عن سطر التعليقات حضورا في سفر القلوب لا يمحى،” كيف علم الناقد العبقري ان لصمته رنين اجراس تسمعه وان لغيابك حضورا في سفر القلوب لا يمحي؟… في كتب القلوب لا يمحي وكلمة سفر تذكرنا بسفر التكوين. ثم يواصل فيقول: “فأنت الذي يشرب الخمر ولا يكشف سر الكرم، ويأكل الثمر ولا يكسر غصن الشجرة، فيا لك من قارئ جعلت من صمتك بلاغة تفوق كل بلاغة، ومن عدم تعليقك بيانا أسمى من كل الخمر ولا يكشف سر الكرم!.. من قال؟… ان هذا الصامتالذي تخاطبه يشرب الخمر ولا يكشف سر الكرم… هذا الصامت فعله وردة فعله في علم الغيب… ثم من قال انه قرأ واطلع فتاثر ثم أعود فاقول من قال ان هذا الصامت يشرب؟!… يوجه خطابه للقارء المتردد ويسدي له نصيحة ” أما أنت أيها المتردد الذي يقف على أبواب الكلام بين أن يدخل فيعلق أو يرجع فيصمت، فاعلم أن الصمت حكمة إذا كان عن بصيرة لا عن عجز، وأن الكلام غنيمة إذا كان عن فهم لا عن ثرثرة، فكن صامتا مهيبا كالجبل الأشم، أو متكلما نافعا كالغيث إذا همع، وإياك أن تكون ممن يكتب ليقال كتب، أو يصمت ليقال ترفع، فإن الأعمال بالنيات والكلمات بخوافي القلوب لا بظواهر الحروف.” ان الناقد طه دخل الله عبد الرحمن في خطابه هذا الذي توجه به إلى المارين كالنسيم “يقر فيقول ” تأملت حال الناس مع الكلمة فوجدتهم أصنافا: صنف يقرأ بعينيه فيرى الحروف ولا يدرك المعاني، وصنف يقرأ بعقله فيفهم وينقد، وصنف يقرأ بقلبه فيتأثر ويعيش الكلمة كأنها كتبت له وحده دون الناس، وهؤلاء هم خلاصة القراء وزبدة المتأدبين، وإني لأعلم أن من قرائي من ينتمي إلى هذا الصنف الأخير، يقرأ فيغيب عن وعيه، هنا تظهر صفة البلاغة المفرطة في الثقة بالنفس بل في قيمة وأهمية وشدة إيمانه بما يكتب فيقول: (يقرا فيغبب عن وعيه ويسبح في ملكوت المعنى حتى ليخيل اليه ان الكلمات خلقت من اجله الخ ) هنا القارء يسكر بكلمات ومعاني كتابات طه دخل الله عبد الرحمن حتى الترنح والغياب عن الوعي وكلمة الملكوت تعيدنا إلى “الملكوت السماوي” “ويسبح في ملكوت المعنى حتى ليخيل إليه أن الكلمات خلقت من أجله وأنه هو المقصود بكل حرف وكل إشارة، يخاطب الناقد شخصا بعينه في صيغة المفرد ثم يعود إلى الجماعة فيقول : ” فهؤلاء هم والله من أكتب لهم وإن لم يكتبوا حرفا واحدا وهم من يسكنون حروفي قبل أن يقرؤوها وهم من يحملون كلامي في صدورهم حيث ذهبوا، فيكونون بذلك أشد نشرا له ممن يعيد نشره بلا فهم…” ثم يبين ويشرح فيقول: “واعلموا أني لو كنت ممن يبتغي بكلامه عرض الحياة الدنيا أو يريد به جمع الأتباع والأنصار، لجعلت حروفي سلعا تباع وتشترى، هنا يعود الى صيغة المبالغة في قيمة واهمية كتاباته وله الحق في ذلك لان نظيرها قد قل في هذا الزمن الاجوف… ويواصل فيقول: ***** “ولجعلت من شرط القراءة تعليقا لا بد منه كالضريبة المفروضة على الداخلين، ولكني أكتب لأني أؤمن أن الكلمة الطيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا يضرها أن يمر بها العابرون فلا يأكلوا من ثمرها، فإن في الأرض غيرهم من يجوع إلى ثمرها ويعرف قدرها. فيا من يقرأ الآن بقلبه وعقله وروحه، اعلم أني أراك بعين البصيرة وإن لم أرك بعين الوجه، وأسمع صمتك وإن لم يصلني حرفك، وأحس وجودك وإن لم تترك أثرا مكتوبا، فأنت مني وأنا منك، تجمعنا رابطة الحرف التي لا يقطعها بعد المسافات ولا اختلاف الأزمنة ولا صمت اللسان، فاثبت على هذا النهج فإن الصامتين عن فهم هم أهل المرتبة العليا في سلم القراء وإن لهم عند الله وعند أهل الكلام منزلة لا ينالها كثير من المتكلمين. وأخيرا، فإني أختم كلامي بما بدأت به، مخاطبا الصامتين بصمتهم والحاضرين بغيابهم والقارئين بقلوبهم؛ يا أهل الحرف ويا سدنة الكلمة ويا حملة المعنى، لا تأسفوا على من مر ولم يعلق، فإن لله جنودا من القراء الصامتين لا يعلمهم إلا هو، يقرؤون فينتفعون ويدعون فيستجاب لهم، وهم وإن خفوا عن أعيننا فإنهم عند الله معروفون، وكفى بالله شهيدا على ما في القلوب من صدق النيات وطهارة المقاصد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أينما كنتم وكيفما كان حالكم مع حروفي، فإني لكم جميعا من الشاكرين. طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل 17/08/2026