
الكل فوله طياب | الدكتورة نور الهدى قرباز
اكاديمية جزائرية جامعة بسكرة
هل نحن فعلًا في زمنٍ صار فيه النقد شوارعيًا، تُزاح فيه اللغة النقدية عن كرسيها الأكاديمي، وتُستبدل بمصطلحات تُلتقط من أرصفة الكلام، ثم تُلقى على صفحات من يفترض أنهم محسوبون على النقد؟ متى صار الناقد يوزّع صكوك الغفران الأدبي، فيمنح هذا إنسانية الأدب ويحجبها عن ذاك، ويقرر من يستحق أن يُقرأ ومن ينبغي أن يُرمى خارج السور؟ ومتى صار الاختلاف معه تهمة، والخوف منه فضيلة؟
المضحك المبكي أن بعضهم صار يملك مختبرًا سريًا لكشف «الذكاء الاصطناعي» في عقول الآخرين. كل قلم لا يروق لهم، كل اسم يخشون صعوده، كل صوت لا يدخل في جماعتهم، يُدفع به سريعًا إلى خانة الاتهام. يا لها من طريقة مريحة في تصفية الحسابات: لا تناقش النص، لا تفكك بنيته، لا تسأل عن جمالياته، فقط الصق به تهمة جاهزة وانصرف. هكذا يصبح العجز عن قراءة النص دليلًا على أن النص مكتوب بالآلة!
أما أن تصل الوقاحة إلى قامات أدبية مثّلت الجزائر في زمن كان فيه كثيرون منشغلين بسلامة رؤوسهم، فذلك عار آخر. لن أفتح ملف الهروب من الوطن في تلك السنوات، فلكل إنسان حسابه مع خوفه وقراره، لكن من بقي حاملًا للقلم، وكتب، وأسّس، وفاز، وترك أعمالًا صارت زادًا لنا ولطلبتنا، لا يمكن أن نمحو تاريخه بجملة سوقية عابرة أو حكم مرتجل من شخص نصب نفسه حارسًا على بوابة الأدب.
ونحن ضد سبّ قامات أدبية أعطت للرواية والشعر الكثير، وصارت صورة من صور الجزائر الثقافية. حين نشتمها، أو نستعمل في حقها عبارات تضعنا نحن في حجم أصغر من مقامها، فإننا لا نهينها وحدها؛ نحن نهين صورتنا الثقافية أيضًا. الصحافة غير الناضجة عيب، والنقد حين يتحول إلى تجريح عيب، ومن يدّعي الكتابة ثم يجعل لغته سوقًا للخصومة، يرتكب عيبًا أكبر من كل خلاف أدبي.
نختلف معهم؟ نعم. نعارضهم؟ بكل شجاعة. نفكك نصوصهم؟ هذا واجب النقد. لكننا نفعل ذلك بأدوات النقد، لا بأدوات الخصومة. نناقش الفكرة، الأسلوب، البناء، الرؤية، اللغة، السياق، ونترك أيديولوجيا صاحب النص خارج غرفة التشريح. الناقد الحقيقي لا يسأل أولًا: «من أنت؟» وإنما يسأل: «ماذا كتبت؟»
الذين سبقونا علّمونا أن النقد يمكن أن يسلخ النص حتى العظم، وأن يكون قاسيًا دون أن يكون قذرًا، حادًا دون أن يكون سوقيًا، وأن يهدم بناءً فنيًا كاملًا دون أن يهين صاحبه. حتى الهجاء، في أرقى تجلياته، كان له مقامه ولغته وذكاؤه؛ لم يكن مجرد شتيمة ترتدي معطف النقد.
أما اليوم، فقد ظهر نوع جديد من النقد: نقد يخاف من الأسماء الجديدة، ويرتجف من سحب البساط، فيستعجل الأحكام قبل أن يقرأ، ويطلق ألفاظًا تجعل القارئ يخجل من الصفحة أكثر مما يخجل صاحبها من نفسه. إنها ليست شجاعة نقدية؛ إنها حالة ذعر متنكرة في هيئة سلطة.
أنا مع تطهير الساحة الأدبية من جماعات بلطجت النقد، لا لأنني أريد ساحة بلا خلاف، وإنما لأنني أريد خلافًا يليق بالأدب. أريد نقدًا يوجع النص لا كرامة صاحبه، يطعن الفكرة لا الإنسان، يرفع مستوى الحوار بدل أن يهبط به إلى مستوى الشتيمة.
الأدب أكبر من جماعة، وأبقى من شلة، وأوسع من كرسي مؤقت. ومن يظن أن صكوكه النقدية تستطيع أن تمنح أحدًا شرعية أو تسحبها منه، فليتذكر أن التاريخ الأدبي لا يحتفظ بأسماء حرّاس البوابات، وإنما يحتفظ بمن كتبوا.
وفي النهاية، يبدو أننا دخلنا زمنًا جديدًا: الكل فولة طياب… لكن بعض الفول احترق من كثرة ما اشتغل أصحابه على الآخرين ونسوا أن يضعوا نصوصهم النقدية او ….فوق النار






