الإنتاج الواعي من الخطابة والكتابة |ناجي جلابي

الخطابة والكتابة وسيلتان من وسائل التواصل بين الناس، وبهما تنتقل الأفكار، وتُبنى القناعات، وتُوجَّه السلوكيات. ولتيسير هذه العملية وإنجاحها، يتطلب من الخطيب والكاتب، إذا شرع في هذا العمل، أن يراعي مجموعة من العناصر التي تثري العملية التواصلية، وتوصلها إلى غايتها المنشودة.

والكلمة في المنظور الإسلامي ليست أمرًا عابرًا؛ فهي مسؤولية وأمانة، قال تعالى:

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

وقال سبحانه:

﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53].

فالكلمة إما أن تكون بناءً وإصلاحًا، وإما أن تكون هدمًا وإفسادًا، ولذلك قال رسول الله ﷺ: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» متفق عليه.

عادةً ما نسمع خطبًا رنانة تتصدع لها أسقف المساجد والقاعات، لكننا نجد كثيرًا منها يدور في فلك واحد؛ تتغير فيها بعض الكلمات والتعابير، أو نبرة الصوت بين الخافت والجهوري، لكن المضمون والعبرة يراوحان مكانهما، ولا يتقدمان قيد أنملة.

إلى متى يبقى هذا الوضع سائدًا على هذه الوتيرة التي أكل عليها الدهر وشرب؟

إن الخطابة ليست استعراضًا للقدرة على الكلام، وليست البلاغة غاية في ذاتها، وإنما قيمة الخطاب فيما يحدثه من وعي، وما يتركه من أثر، وما يقود إليه من عمل.

وقد أرشد القرآن الكريم إلى أن القول ينبغي أن يقترن بالفعل، فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

وهذه الآية تؤسس لمبدأ عظيم في الخطاب: أن لا تنفصل الكلمة عن السلوك، ولا الدعوة عن التطبيق، ولا المبدأ عن الممارسة.

وقد لخّص الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذا المعنى في قوله المشهور: «العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل»؛ فالمعرفة التي لا تتحول إلى عمل تظل ناقصة الأثر.

من الخطاب التقليدي إلى الخطاب المنتج

إن التطور الحاصل في وسائل الإعلام والاتصال، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وما تقدمه من أخبار ومعلومات واتجاهات وملتقيات وبودكاست وغيرها من الأنشطة التواصلية، وما رافق ذلك من تسارع هائل في نقل المعلومة وتقديمها بالصوت والصورة والنص؛ كل ذلك يحتم على الأدباء والمفكرين والشعراء والخطباء أن يرتقوا بخطابهم إلى نمط جديد أكثر فاعلية، يعود بالنفع على الفرد والمجتمع.

فلم يعد المستمع اليوم مجرد متلقٍّ سلبي؛ بل أصبح يعيش وسط تدفق هائل من المعلومات والأفكار والصور والتحليلات. ولذلك أصبح التحدي الحقيقي أمام الخطيب والكاتب هو: كيف أجعل كلمتي مختلفة؟ وكيف أحولها من معلومة تُسمع إلى وعي يُنتج؟

ومن هنا تبرز فكرة «الخطاب المنتج» و«الكتابة المنتجة»، أو ما أسميه «الإنتاج الواعي».

والإنتاج الواعي هو خطاب لا يكتفي بتشخيص المشكلات ووصف الواقع، وإنما ينتقل من مرحلة القول إلى مرحلة الفعل؛ أي تحويل الأفكار والكلمات إلى خطط وإجراءات عملية قابلة للتنفيذ، ووضع الخطوط العريضة للمشروعات التي يمكن أن تؤتي ثمارها على أرض الواقع، وتعود بالنفع على الفرد والمجتمع.

وهذا ينسجم مع قوله تعالى:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].

فالآية لا تجعل الحياة قائمة على القول وحده، وإنما تدفع الإنسان إلى دائرة العمل والإنجاز والمسؤولية.

قيمة الخطاب في أثره

إن قيمة الخطاب لا ينبغي أن تقاس بجمال عباراته، وقوة صوته، وطول مدته فحسب، وإنما بما يتركه من أثر في الإنسان والمجتمع، وما يحفزه عليه من عمل صالح ومبادرة نافعة.

وقد قال رسول الله ﷺ: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس»، وهو معنى عظيم يجعل معيار النفع من أهم معايير قيمة الإنسان وعمله.

وقال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].

فإذا كان الخطاب يدعو إلى التعاون، فإن الإنتاج الواعي يسأل بعد ذلك: كيف نتعاون؟ وفي أي مجال؟ ومن يتولى التنفيذ؟ وما النتائج؟

وهنا تتحول الكلمة من مجرد وعظ إلى مشروع، ومن فكرة إلى مبادرة، ومن دعوة إلى أثر ملموس.

خطبة الجمعة نموذجًا

خطبة الجمعة مناسبة دينية واجتماعية متكررة، يستمع إليها المسلمون في مختلف أنحاء العالم، ويمكن أن تكون مجالًا مهمًا لنشر الوعي، وتعزيز التكافل، وتحويل القيم الإسلامية إلى مبادرات عملية.

وقد كان النبي ﷺ يخاطب الناس بما يصلح أحوالهم، ويعالج قضايا مجتمعهم، ويقرن التوجيه بالفعل والممارسة.

فإذا كان موضوع الخطبة، مثلًا، هو التعاون والتكافل الاجتماعي، فلا ينبغي أن ينتهي الأمر بمجرد الدعوة إلى التعاون، ثم يغادر الناس المسجد دون أن يعرفوا كيف يترجمون هذه القيمة إلى عمل.

لنفترض أن هناك مريضًا يحتاج إلى عملية جراحية مكلفة، وأن تكلفتها تفوق قدرة أسرته أو أحد أفرادها على تحملها؛ هنا يمكن للخطاب الواعي أن يتحول إلى مبادرة عملية، من خلال حث أفراد المجتمع على المساهمة، كلٌّ بحسب قدرته، وتشكيل لجنة أو جهة موثوقة لتنظيم جمع التبرعات، ومتابعة الحالة، والتأكد من وصول المال إلى مستحقيه.

وهنا يتحول قوله تعالى:

﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]

من قيمة تُتلى إلى سلوك يُمارس.

وبالمثل يمكن أن يتحول الخطاب إلى مبادرات أخرى، مثل:

تنظيف الأحياء والمساحات العامة.

المساهمة في بناء المساجد وصيانتها.

حفر الآبار وتوفير الماء للمحتاجين.

رعاية الأيتام والفئات الهشة.

مساعدة المرضى وذوي الاحتياجات.

دعم الفقراء والمحتاجين.

إنشاء مشروعات اجتماعية نافعة.

تشجيع الشباب على المبادرة والعمل التطوعي.

محو الأمية وتعليم من حُرموا من التعليم.

مساعدة التلاميذ المحتاجين إلى الأدوات والكتب المدرسية.

وهذه المعاني تجد أصلها في الحديث النبوي الشريف: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» رواه مسلم.

من التشخيص إلى صناعة الحل

إن كثيرًا من الخطابات تنجح في تشخيص المرض، لكنها لا تقدم الدواء؛ تصف الفقر، ولا تبحث في وسائل محاربته؛ تتحدث عن البطالة، ولا تقترح مسارات عملية للتقليل منها؛ تنتقد ضعف القراءة، ولا تقدم مشروعًا لتشجيع الناس عليها.

أما الإنتاج الواعي فإنه يسأل خمسة أسئلة أساسية:

ما المشكلة؟

ما أسبابها؟

ما الهدف الذي نريد الوصول إليه؟

ما الحلول الممكنة؟

كيف ننفذ الحل ونقيس نتائجه؟

وهنا يصبح الخطاب أقرب إلى منهج عمل منه إلى مجرد كلام.

وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: «ليس العلم ما حُفظ، العلم ما نفع»؛ فالمعرفة الحقيقية ليست في كثرة المعلومات التي تختزنها الذاكرة، وإنما في قدرتها على إحداث النفع والتغيير.

وقال ابن القيم رحمه الله: «العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل»؛ وهو معنى يرسخ العلاقة بين المعرفة والممارسة.

الكتابة المنتجة

والكتابة لا تختلف عن الخطابة في هذا الجانب.

فقد تكون المقالة جميلة الأسلوب، قوية العبارة، غنية بالمحسنات، لكنها تظل محدودة الأثر إذا لم تترك في ذهن القارئ فكرة جديدة، أو تفتح أمامه بابًا للحل، أو تدفعه إلى موقف إيجابي.

والكاتب الواعي لا يسأل نفسه فقط: كيف أكتب؟ وإنما يسأل أيضًا: لماذا أكتب؟ وماذا أريد أن أغيّر؟ وما الذي سيبقى من كتابتي بعد أن ينتهي القارئ من قراءتها؟

وقد قال الجاحظ: «المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العربي والعجمي، والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ».

ومن هنا فإن الكاتب المبدع لا يكتفي بامتلاك الفكرة، بل يحسن صياغتها، وترتيبها، وربطها بواقع الناس، ثم يفتح لها طريقًا نحو التطبيق.

الكلمة التي تتحول إلى أثر

والمقصود هنا هو تحويل الخطابات والكتابات من مجرد التنظير إلى التجسيد الفعلي، بحيث تكون للكلمة نتيجة، وللفكرة مشروع، وللدعوة أثر، وللخطاب ثمرة.

وهذا هو جوهر الإنتاج الواعي: أن نشخّص المشكلة، ونحدد الهدف، ونقترح الحل، ونضع آليات التنفيذ، ثم نتابع النتائج ونقوّمها.

وقد قال رسول الله ﷺ: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» رواه مسلم.

فربما يكتب الكاتب فكرة، أو يلقي الخطيب كلمة، فتكون سببًا في قيام إنسان بمبادرة نافعة، أو مساعدة محتاج، أو إنقاذ مريض، أو تعليم جاهل، أو إصلاح ذات البين، فيتجاوز أثر الكلمة صاحبها إلى المجتمع كله.

إن الكلمة التي لا تتجاوز الأذن قد تُنسى، أما الكلمة التي تتحول إلى عمل نافع، فقد تبقى آثارها في حياة الناس سنوات طويلة.

من كثرة الكلام إلى جودة الفعل

إننا بحاجة إلى خطابة منتجة، وكتابة منتجة، وفكر منتج؛ ننتقل فيها من كثرة الكلام إلى جودة الفعل، ومن التنظير إلى التطبيق، ومن وصف الواقع إلى صناعة المستقبل.

قال تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].

فتأمل كيف جمع القرآن بين الإيمان والعمل والتواصي بالحق؛ فليست الرسالة مجرد معرفة الحق، ولا مجرد الحديث عنه، وإنما السعي إلى تجسيده في الحياة.

فليست القضية أن نتحدث كثيرًا، وإنما أن يكون لما نقوله أثر، ولما نكتبه ثمرة، ولما ندعو إليه طريق واضح نحو الإنجاز.

إننا لا نحتاج إلى مزيد من الكلمات التي تملأ الأسماع ثم تنطفئ بانتهاء الخطبة، بقدر ما نحتاج إلى كلمات توقظ الوعي، وتحرك الإرادة، وتفتح أبواب المبادرة.

نحتاج إلى خطيب لا يكتفي بأن يقول للناس: تعاونوا، بل يبين لهم كيف يتعاونون.

وإلى كاتب لا يكتفي بأن يقول: هناك مشكلة، بل يساعد على اكتشاف أسبابها واقتراح حلولها.

وإلى مفكر لا يعيش في برج من التنظير، وإنما ينزل بأفكاره إلى ميدان الحياة.

وإلى قارئ لا يكتفي بجمع الكتب، وإنما يحول ما يقرأه إلى وعي وسلوك.

وهنا تتحقق الحكمة التي طالما قررها العلماء والمصلحون: أن العلم إذا لم يتحول إلى عمل، بقي حجة على صاحبه بدل أن يكون حجة له.

خاتمة

إن الإنتاج الواعي من الخطابة والكتابة ليس مجرد تحسين للأسلوب، ولا تغيير في طريقة الإلقاء، ولا البحث عن عبارات رنانة؛ بل هو انتقال عميق من الكلمة إلى الفكرة، ومن الفكرة إلى الخطة، ومن الخطة إلى العمل، ومن العمل إلى الأثر.

فالكلمة الواعية تُشخّص، والفكرة الواعية تقترح، والخطاب الواعي يوجّه، والكتابة الواعية تبني، والعمل الواعي يغيّر.

وحين تصبح الخطابة والكتابة وسيلتين لإنتاج الوعي، وصناعة المبادرة، وحل المشكلات، وخدمة الإنسان، فإنهما تستعيدان رسالتهما الحقيقية.

تلك هي رسالة الإنتاج الواعي من الخطابة والكتابة: أن تكون للكلمة حياة، وللفكرة طريق، وللدعوة أثر، وللخطاب ثمرة.