قراءة نقدية لنص عودة الفراشات للشاعر السوري كاظم احمد احمد| الدكتور مروان عاشور

كاتب وناقد |جزائري

القراءة :

آهٍ من هذه الكلمات… كأنها لم تُكتب بحبر، بل برحيقٍ مذبوح، وبروحٍ تتنفس وجعاً.

منذ اللحظة الأولى، شعرتُ أنني لستُ أمام قصيدة، بل أمام قلبٍ يُفتح على مصراعيه، وأمام روحٍ تخلع عنها كل أقنعتها. كأن الشاعر أمسك بيدي دون أن يراني، وأدخلني في دهاليز إحساسٍ يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.

“من بعد عناقٍ بالعيونِ تحقق” — توقفتُ طويلاً هنا. كأنني رأيتُ نفسي في ذلك العناق، في تلك اللحظة التي تذوب فيها المسافات وتصير العيون وحدها قادرة على قول ما تعجز عنه الشفاه. شعرتُ أن الكلمة تعانقني، وأن الحرف يربّت على كتفي.

ثم جاءت “الخريف أتى قبل الأوان” — فأحسستُ بقشعريرةٍ تسري في داخلي، ليس لأنني قرأتها، بل لأنني عشتها. من منّا لم يأته الخريف وهو ما يزال ينتظر الربيع؟ من منّا لم يشعر أن شيئاً ما في حياته قد ذبل فجأة، دون سابق إنذار؟ الخريف هنا لم يسرق الأوراق، بل سرق معنى الانتظار.

أما الفراشات التائهة، فقد رأيتُها ترفرف حولي، بل رأيتُني فيها. تائهة مثلي، تبحث عن عبيرٍ قديم، عن رائحةٍ كانت يوماً وطناً. النحلة المنهكة… كم في هذه الكلمات من صدقٍ موجع! أن تتعب من البحث، أن ينهكك السؤال، أن يثقل قلبك حتى وأنت تحب… هذا هو الوجع بعينه.

وحين وصلتُ إلى “أأضغاث أحلامٍ أم سراب!؟” — توقف قلبي قليلاً. لأن السؤال ليس أدبياً، بل هو سؤال كل ليلةٍ أرّقتنا، وكل ذكرى مرّت بنا فلم نعد ندري: أكانت حلماً عشناه، أم وهماً صدّقناه؟ إنه السؤال الذي يحرق أصحابه ببطء.

ثم جاءت “قفاري تحلم” — وهنا انكسر شيءٌ في صدري. كأنني سمعتُ صوت أرضٍ تئن، وصوت أملٍ يولد من رحم اليأس. القفار التي تحلم… ما أجمل هذا الحلم وما أقساه! أن تحلم وأنت عارٍ من كل مقومات الحلم، هذه هي الشجاعة الحقيقية، وهذا هو الإيمان الذي لا يتزعزع.

صياح الديوك… شعرتُ بضجيج الحياة اليومية يدخل فجأة إلى النص، وإلى قلبي معه. تلك الأصوات التي تملأ الفضاء وتسرق الصمت، لكنها لا تملأ الروح. ومع ذلك، في النهاية، “تُنتظر بشغفٍ الميعاد” — فعاد إليّ شيءٌ من الدفء، كأن آخر جملة في القصيدة كانت يداً حانية تمسح على رأسي وتقول: لا بأس، لا بأس… ما زال هناك موعد.

بصراحة… لم أقرأ هذه القصيدة بعيني فقط، بل سمعتها بأذني الداخلية، ولمستها بأطراف روحي. إنها من النصوص التي لا تمرّ على القارئ مرور الكرام، بل تسكنه، وتتحرك في داخله كذكرى قديمة ترفض أن تموت.

هذه ليست مجرد قصيدة عن الحب والفقد، بل عن الإنسان حين يواجه عزلته، عن الروح حين تشعر أن العالم من حولها يتغير دون إذنها، عن القلب الذي يحب ثم يفقد ثم… لا يكف عن الانتظار.

كاظم أحمد أحمد لم يكتب قصيدة هنا، بل ترك نافذة مفتوحة، وأنا كقارئ وقفتُ أمامها، ورأيتُ فيها وجهي، ووجه كل من أحببت، ووجه كل من انتظرت.

النص:
عودة الفراشات

من بعد عناقٍ بالعيونِ تَحَقَقَ
أَصغيتُ لحوارٍ باللّمَى تَلعثمَ
احتارا فيه بين الدُّنُوِّ والنَوى
تَوقٌ أَجّجَ القلبين وَ اسْتَعَرَ
أَغرقهما في تصبب العرق
ما هذا ؟
الخريفُ أتى قبل الأوان
زهورٌ جَفَّ فيها الرحيقُ
فراشاتٌ تاهتْ الطريقَ
تَلْتَمِسُ بضعَ عبيرٍ منعتقٍ
و نحلٌ أنهكه البحثَ عن ربيعٍ
أَ أَضْغَاثُ أحلامٍ أم سراب!؟
قفاري تحلم مع كلِّ فجرٍ
بمطرٍ يُغدقها و ضياءٍ
بربيعٍ و طنينٍ و زفاف
قد مَلَّتْ فوضى صياحَ الديوكِ
في الليالي و قبيل الفجر
في الضحى و الظهريات
تُنتظرُ بشغفٍ الميعاد
كاظم اجمد احمد