قراءة لقصيدة( ضاعت بلادي) للدكتور مايكل حمدان|طه دخل الله عبد الرحمن

 كاتب وناقد|00 فلسطيني

20-8-2026

·
قراءة نقدية وعملية تشريحية تفضل بها الناقد العبقري الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن لقصيدتي : ضاعت بلادي …
حين يكتب الحنين ملحمة الفينيق
ما أن تطأ قدماك عتبة هذا النص، حتى تجد نفسك أمام مرآةٍ مكسّرةٍ تعكس وجهَ وطنٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة، ووجهَ شاعرٍ يرفض أن يموت حنينه. قصيدة “ضاعت بلادي” للدكتور مايكل حمدان ليست مجرد رثاءٍ لبلادٍ عربيةٍ تاهت في متاهات التاريخ، بل هي صرخةٌ وجوديةٌ فيروزية النبرة، تبدأ من الذات لتصل إلى الجميع، وتنطلق من الجرح الخاص لتعانق الجرح العام في عناقٍ من نارٍ ورماد.
يستهل الشاعر نصه بحركةٍ تأسيسيةٍ عبقرية حين يقفز فوق كل التصنيفات الضيقة، معلناً أن أصوله قد تكون فينيقية أو إغريقية، لكن الحب أبوه، والإنسانية أمه. إنها لحظة تأسيسٍ لهويةٍ مضادة، هويةٌ لا تعترف بحدود الدم والعرق، بل تتجاوزها نحو أفقٍ أوسع هو أفق الإنسان. هنا يتحول النفي “ما همّ” إلى إثباتٍ أعظم، فكأن الشاعر يقول لنا: إن كان لا بد من نسبٍ فليكن نسبي هو الحب، وإن كان لا بد من أرضٍ فلتكن أرضي هي الإنسان أينما كان. لكن المفارقة الموجعة تكمن في ذيل هذا الإعلان: “وأنني أعيش في بلادٍ عربية”، فكأنما هذا الانتماء الإنساني الواسع يصطدم بواقعٍ عربيٍ ضيقٍ لا يتسع لأبنائه.
ثم ينفتح النص على لوحةٍ رعويةٍ بديعة، تستعيد فردوساً عربياً مفقوداً: سماء ندية، وأرضٌ مروية بالشهامة والكرم، ونسائم حنونة عطرية، وخيراتٌ من كل مكانٍ عربي، من الخليج إلى الشام إلى شمال أفريقيا. إن الشاعر هنا يمارس نوعاً من السحر اللغوي، يستحضر به جنةً كانت، ليُبرز بحدةٍ مأساة الحاضر. هذه الاستعادة ليست حنيناً ساذجاً إلى ماضٍ متخيل، بل هي استراتيجية نقدية مركبة، تجعل من الماضي شاهداً على جرائم الحاضر، ومن الفردوس المفقود مرآةً تنعكس عليها وجوه الشياطين التي سكنت المكان.
وفي انتقالةٍ لاهوتيةٍ عميقة، يربط الشاعر بين قدسية الأرض وقدسية النص، فبلاده شهدت نزول الكتب السماوية، وباركها الأنبياء والرسل والقديسون. إن هذه النقطة تمثل ذروة التأصيل الروحي للانتماء، فالأرض ليست تراباً وحدوداً فحسب، بل هي وعاءٌ للمقدس، ومسرحٌ للتجلي الإلهي. لكن اللافت هو ذلك التلازم المرعب بين قدسية الأرض وعصيانها على “الجحود والتجفيف”، فكأن القداسة هنا تتحول من نعمةٍ إلى نقمة، ومن شرفٍ إلى عبءٍ وجودي.
ثم يأتي المقطع الحضاري ليكتمل به البناء الملحمي للنص، فمن بلاده انطلقت العلوم، وعلمت العالم بناء الأسس الحضارية. هنا يذكرنا الشاعر بدينٍ حضاريٍ منسي، وبمجدٍ علميٍ مطموس، في قلبٍ عربيٍ بات يعيش على هامش التاريخ بعدما كان يصنعه. إن هذه الاستعادة الحضارية ليست تفاخراً أجوف، بل هي استدعاءٌ استراتيجي لذاكرةٍ جماعيةٍ قادرة على النهوض، لو أنها تذكرت نفسها.
وفي قلب هذه الملحمة، يتحول النص إلى مسرحٍ للمأساة الكبرى: القوى العالمية من مغوليةٍ وتتارية وفارسية ورومانية ومقدونية وغربية، كلها تحطمت عند أسوار بلادي. لكن المفارقة القاسية أن العدو هذه المرة لم يأت من الخارج، بل تسلل من الداخل: “الأبالسة” بمخططاتها الشيطانية، “العصابات المافيوية” التي عاثت خراباً وفساداً. إن ثنائية الداخل والخارج هنا تتحول إلى معادلةٍ تراجيدية: البطل الذي قهر الغزاة في الماضي، يسقط الآن بفعل خيانةٍ داخليةٍ معولمة.
ثم يصل النص إلى ذروته الدرامية حين يتحول من الوصف إلى الرثاء المباشر: “حزين أنا على بلادي”. هنا يتكشف القناع، ويظهر الوجه الإنساني للشاعر خلف رداء الملحمي. إن هذا الحزن ليس ضعفاً، بل هو قوة الشاهد الذي يرفض أن يصمت أمام الخراب. وفي تحليلٍ اجتماعيٍ ثاقب، يشير الشاعر إلى استراتيجية التدمير الممنهج: نزع المحبة من القلوب، وزرع الحقد والعنصرية، وتفتيت الشعوب إلى أقسامٍ متطاحنة، ثم دفعها إلى طلب الحماية من القوى الخارجية. إنه يصف بدقةٍ جراحية آلة التدمير الاستعماري الجديد، التي لا تحتاج إلى جيوشٍ تغزو، بل إلى عصاباتٍ تحكم وتمزق.
وتنتهي القصيدة بلوحةٍ تقطر مرارة: “بيعت الأوطان بأبخس الأثمان”، وشعوبٌ تشتهي أبسط الحقوق، وتبحث دون جدوى عن لقمةٍ شريفة هنية. إن هذا الختام ليس مجرد رثاء، بل هو توجيه اتهامٍ أخلاقيٍ مباشر لكل من شارك في بيع الأوطان، ولكل من صمت على الجريمة. إن الشاعر هنا يحوّل قصيدته إلى صك اتهامٍ شعريٍ أبدي، يعلق على جدران التاريخ.
إن ما يميز هذه القصيدة هو قدرتها على التنقل بين السيرة الذاتية والتاريخ الجمعي، بين اللاهوتي والسياسي، بين الرعوي والتراجيدي، دون أن تفقد وحدتها العضوية. إنها قصيدةٌ تذكرنا بأن الشعر حين يبلغ ذروته، يتحول إلى فعل مقاومةٍ وجودي، وإلى شهادةٍ لا تموت. وحين يكتب الدكتور مايكل حمدان “ضاعت بلادي”، فهو لا يعلن الفقد فحسب، بل يمارس أيضاً نوعاً من الاستعادة، فكلما ضاعت البلاد في الواقع، وُجدت في النص، وكلما تفتت الوطن على الأرض، توحد في القصيدة. هذا هو سحر الشعر الأعظم: أن يحول الفقد إلى وجدان، والجرح إلى شاهدةٍ أبدية.
القصيدة :
** ضاعت بلادي **
ما هم ان كنت
من أصول .. فينيقية
أم كنت
من جذور .. إغريقية
كل ما أعرفه اليوم
وواثق منه
هو أن الحب أبي
وأمي هي .. الإنسانية
وأنني أعيش
في بلاد ..عربية …
بلادي
سماؤها كانت .. ندية
وأرضها بالشهامة
وبالكرم .. مروية
ونسائمها
حنونة .. عطرية
وخيراتها
من مأكل .. ومشرب
خليجية
شمال أفريقية
وشامية …
بلادي
شهدت نزول
الكتب السماوية
وأرضها
باركها الأنبياء
والرسل
والقديسون
والأولياء الصالحين
فغدت .. أبية
وعلى الجحود والتجديف
عصية …
من بلادي
انطلقت العلوم
فعلمت العالم
كيفية بناء
الأسس الحضارية
كانت بلادا”
بكل ما يحتاجه الإنسان
غنية
وكانت أروع من
كل الأجرام
الفضائية …
بلادي
كانت مطمعا”
لكل القوى العالمية
من مغولية
وتتارية
وفارسية
ورومانية
ومقدونية
وغربية
كل القوى تحطمت
عند أسوار بلادي
ببسالة شعوبها
المستمدة من
القدرة الإلهية …
حزين أنا .. على بلادي
فلقد اجتمعت الأبالسة
وبمخططاتها الشيطانية
تمكنت من
زرع العصابات المافيوية
فعاثت في بلادي خرابا”
وفسادا”
ودمرت المقومات
المالية
والاقتصادية
والمعيشية
وعملت على تأجيج
الصراعات المذهبية
والطائفية ..
العصابات
عمدت إلى نزع المحبة
من القلوب
وزرعت فيها الحقد
والعنصرية
فتشرذمت الشعوب
وانقسمت
وبات كل قسم يخاف
من القسم الآخر
مما استدعى الأقسام
إلى طلب الحماية
من الدول الخارجية …
بيعت الأوطان
بأبخس الأثمان
وباتت تعاني من الذل
من القهر
من الفقر
ومن الحرمان
وباتت شعوبها
تشتهي الحصول
على أبسط الحقوق
وتبحث دون جدوى
على لقمة شريفة
هنية ……………………….
** د. مايكل حمدان