قراءة نقدية( الأب وطن وقد احتل الموت وطني) قصيدة غريبان في كفن للشاعرالسورية فيروز مخول|الناقدة جليلة المازني

ناقدة واعلامية وكاتبة تونسية
المقدمة:
تندرج قصيدة الشاعرة فيروز مخول ضمن غرض الرثاء فهي ترثي أباها الذي اختطفته يدُ المنون فأحرق الموت قلبها وألمّ بها الوجع وانتابها.
و”الرثاء هو تعداد خصال الميت مع التفجع عليه والتأسي والتعزّي بما كان يتصف به من صفات حسنة”(رثاء- ويكيبيديا).
لقد كتب الشعراء في غرض الرثاء منذ القديم الى عصرنا:
يقول الشابي وهو يرثي أباه:
يا موت قد مزقت صدري// وقصمت بالأرزاء ظهري
وفجعتني فيمن أحبّ // ومن اليه أبثّ سرّي
وهَدمْت صرحا لا ألوذ// بغيره وهتكت ستري
وفقدتُ ركني في الحياة// ورايتي وعماد قصري
ويقول أحد الشعراء (منير الهتار):
أبتاه باب الدار أصبح موحشا// من دون وجهك تعتمي أرجائي
أبتاه أقفرت الديار وأظلمت// ها قدْ رحلتَ فأين أين ضيائي
أبتاه سهم الموت مزّق مهجتي// أبتاه عيني قد جرت بدمائي
يقول نزار قباني:
حملتك في صحْو عيني// حتى تهيأ للناس أني أبي
أشيلك حتى بنبرة صوتي// فكيف ذهبت ولا زلت بي؟
يقول أحمد شوقي:
أنا من مات ومن مات أنا// لقي الموت كلانا مرّتين
يا أبي والموت كأس مرّة //لا تذوق النفس منها مرّتين
في هذا الإطار من رثاء الشعراء للأب ماذا قالت الشاعرة فيروز مخول في رثاء أبيها؟ :
1- في قراءة للعنوان :”غريبان في كفن”
لقد ورد العنوان جملة اسمية (مبتدا وخبر) بيد أن المبتدا قد ورد اسما نكرة(غريبان) .
وفي حالة يرد المبتدا نكرة لا بد من تقديم الخبر على المبتدأ (في كفن غريبان).
بيْد ان الشاعرة لم تبال بهذه القاعدة وتركت المبتدا يخرق القاعدة ويبقى في الصدارة تعظيما له.
لقد ورد المبتدأ من حيث دلالته على العدد مثنى (غريبان).
– من هذان الغريبان؟
-أي غربة تتحدث عنها الشاعرة؟
– هل هي غربة اللاوجود لأبيها وغربة الوجود بالنسبة اليها؟
وهنا يتدخل الخبر ليخبر القارئ بان الغريبين هما في كفن.
2- التحليل: ” الأب وطن وقد احتلّ الموت وطني”
ان الشاعرة تتحدث عن اندغام الغريبين معا وهو نوع من التماهي الذي يجعل المثنى مفردا والغريبين جسدا واحدا:
كم كنت أحضنه كم كان يحضنني// ذاك القريب الذي سكناه في بدني
ثم تشكو من لوعة الموت المفاجئ الذي لم يمهل الواحد منهما توديع الآخر.
لم يعطني الموت وقتا كي أودّعه// لم يعطه البين وقتا كي يودعني
ان الموت اختطف أباها واختطف معه روحها والشاعرة بذلك تتقاطع مع الشعراء المذكورين أعلاه .
وبالتالي هل عليها أن ترثي أباها أم ترثي نفسها التي وضعت نفسها في نفس الكفن من خلال العنوان.
ان وجع الفقد أفقدها السيطرة على تفكيرها ولولا شعورها بهذا الألم الذي أيقظ احساسها ما كانت لتدرك ان الفقيد أبوها:
لولا شعوري بما ألقاه من ألم// لم أدر من مات منا حين فارقني
ان صدمة الموت ووجع الفقد جعلها تفقد الإحساس بالحياة.
وباستخدام أسلوب انزياحي تركيبي قائم على التمني تطلب الشاعرة المستحيل متمنية ان تكون ذاك الصندوق الذي يحمل جثة أبيها الميت او ان تكون خيطا من خيطان كفنه.
يا ليتني كنت تابوتا لأحمله // أو كنت خيطا من الخيطان في الكفن.
وفي الحالتين هي تتمنى أن تدفن معه ولعل هذا ما يدعم دلالة العنوان (غريبان في كفن).
لقد استوى لديها الوجود واللاوجود.. لقد استوى عندها الموت والحياة.
وبالتالي:
– هل انها تريد أن تؤنس غربته داخل التابوت وبالكفن؟
– هل أنها تتمنى الموت لشدة الوجع الذي انتابها واستبد بها؟
ولعل الاحتمال الثاني هو الذي اختطف روحها وجعلها تفقد الإحساس بالحياة لانها لم تفقد شخصا بل فقدت وطنا:
ما كان من مات شخصا كي أشيعه// لكنه رجل أسميته وطني.
ان الأب الفقيد يتماهى مع الوطن. وتماهي الفقيد مع الوطن له بعده الأدبي والنفسي (1) من خلال:
– معادلة الفقد: يتحول الأب في النصوص الأدبية الى معادل موضوعي للوطن فموت الاب يعكس قسوة الفراغ وضياع الملجأ.
– طيف الذاكرة: يبقى الاب الراحل حاضرا في تفاصيل الوعي تماما كما تظل حكايات الوطن الجريح حية في وجدان أبنائه.
– الشعور باليتم: يتجاوز اليتم هنا حدود فقدان الفرد ليصبح اغترابا وجوديا كما عبرت عن ذلك الباحثة “زهرة الخزامي” بقولها ” الأب وطن وقد احتلّ الموت وطني”
وفي هذا الإطار وبفقدان الأب الوطن ينهار سند الشاعرة وتفقد بوصلة الطمأنينة لتداهمها “الغربة” حتى وهي تعيش على أرض وطنها. انها الغربة الوجودية إزاء الغربة الواقعية لأبيها بالموت.
والشاعرة قد عبّرت عن مدى وجعها باستخدام حرف النون بالروي وحرف النون هو صوت مجهور(2) وكأني بالشاعرة تريد أن تجهر بوجعها ولوعتها الى كل العالم.
ان صوت النون صوت مشحون بالأنين والرنين والتجليات الروحية والخشوع مما منح القصيدة مدّا صوتيا شجيا يُعبّر عن عاطفة الوجع العميقة واللوعة الشديدة.
لروح والدها السلام والرحمة ولها رضاه في الدارين.
بتاريخ 26/ 08/ 2026.
المرجع:
(1) زهرة الخزامي -الاب وطن وقد احتل الموت وطني- يوم الاب العالمي 15 جوان 2025
(2)
==========القصيدة: “غريبان في كفن.” (الشاعرة فيروز مخول)========
كمْ كنتُ أحضنهُ كمْ كانَ يحضنني
ذاكَ القريبُ الذي سُكناهُ في بدني

لمْ يعطني الموتُ وقتاً كي أودِّعَهُ
لمْ يُعطهِ البَينُ وقتاً كي يُودِّعني

لولا شعوري بما ألقاهُ من ألَمٍ
لمْ أدرِ مَنْ ماتَ منَّا حينَ فارقني

يا ليتني كنتُ تابوتاً لأحملهُ
أو كنتُ خيطاً منَ الخيطانِ في الكفنِ

ما كانَ مَنْ ماتَ شخْصاً كي أشيِّعَهُ
لكنًّهُ رَجُلٌ أسَمَّيتُهُ وطني