القضاء العادل خط أحمر

 المحامية الدكتورة آمنه ال عبدالسلام ـ سلطنة عمان

ليس القضاء العادل ترفًا من ترفات الدولة الحديثة، ولا مبدأً يمكن أن يخضع للأهواء أو الحسابات أو المصالح العابرة؛ بل هو أحد الأعمدة الراسخة التي تقوم عليها دولة القانون، والضمانة الأسمى لصيانة الحقوق والحريات، وتحقيق التوازن بين سلطة الدولة وحقوق الأفراد. ومن ثم، فإن المساس بعدالة القضاء أو استقلاله أو هيبته، بأي صورة من الصور، ليس مساسًا بمرفق من مرافق الدولة فحسب، وإنما مساس بجوهر العدالة ذاتها وبالثقة التي تقوم عليها العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

إن القضاء حين يستوي على منصة الحق، لا ينظر إلى الأسماء ولا إلى المناصب، ولا يزن الخصوم بميزان النفوذ أو المكانة، وإنما يحتكم إلى القانون، ويستمد أحكامه من نصوصه ومبادئه، مستنيرًا بضميره القضائي وتجرده ونزاهته.

فالقاضي لا يمثل طرفًا في الخصومة، وإنما يمثل سيادة القانون، وحين ينطق بحكمه إنما ينطق باسم العدالة التي تقتضي أن يكون الجميع سواء أمام القانون، لا فضل لمتهم على خصمه، ولا لصاحب نفوذ على مواطن بسيط، ولا لذي جاه على من لا سند له إلا حقه.
ولهذا كان استقلال القضاء من أقدس الضمانات التي كرستها النظم الدستورية والقانونية الحديثة.

فالقضاء المستقل لا يعني قضاءً فوق القانون، وإنما يعني قضاءً خاضعًا للقانون وحده، بعيدًا عن كل تأثير أو ضغط أو تدخل من شأنه أن يحرف مسار العدالة عن غايتها. واستقلال القاضي في تقديره وفصله في المنازعات ليس امتيازًا شخصيًا له، بل ضمانة مقررة للمتقاضي؛ لأن المواطن لا يستطيع أن يطمئن إلى حكم القضاء ما لم يثق بأن من أصدره كان بمنأى عن المؤثرات الخارجية.

والعدالة لا تتحقق بمجرد صدور الحكم، وإنما تتحقق أيضًا من خلال سلامة الإجراءات، واحترام حقوق الدفاع، وتمكين الخصوم من عرض دفوعهم وطلباتهم، والتزام المحكمة بالحياد والتجرد، وتسبيب الأحكام تسبيبًا يكشف عن الأساس الذي قامت عليه.

فالإجراءات ليست شكليات يمكن تجاوزها متى شئنا، وإنما هي سياج للعدالة وضمانة لمنع التعسف والانحراف في استعمال السلطة.
ومن هنا، فإن قرينة البراءة، وحق الدفاع، ومبدأ المواجهة بين الخصوم، وحق التقاضي، وتسبيب الأحكام، وعلنية المحاكمات في الحدود التي يقررها القانون، وغيرها من الضمانات، ليست عبارات قانونية مجردة، وإنما قواعد جوهرية تستهدف حماية الإنسان من الخطأ في استعمال السلطة، وتكفل أن يكون الحكم القضائي ثمرة محاكمة عادلة لا نتيجة لضغط أو انطباع أو موقف مسبق.

ولعل أخطر ما يمكن أن يواجه العدالة ليس الخطأ القضائي الذي يمكن تصحيحه بطرق الطعن التي قررها القانون، وإنما تحويل القضاء إلى ساحة للضغط أو التشهير أو التأثير أو إصدار الأحكام خارج قاعات المحاكم.

فالأحكام القضائية لا تُبنى على صخب المنابر، ولا على ضجيج الرأي العام، ولا على حملات التواصل الاجتماعي، وإنما على الأدلة والوقائع والقانون. وما دام النزاع معروضًا أمام القضاء، فإن احترام اختصاصه وانتظار كلمته النهائية هو احترام للقانون ذاته.

إن نقد الأحكام القضائية حق متى مورِس في إطاره المشروع وبما لا يتحول إلى إساءة أو تأثير أو انتقاص من هيبة القضاء، غير أن هناك فارقًا جوهريًا بين النقد القانوني الرصين وبين التشكيك الممنهج في نزاهة القضاء أو ممارسة الضغوط عليه.

فالنقد يثري العدالة حين يستند إلى حجج قانونية موضوعية، أما التجريح والتشهير والاتهام المرسل فإنها لا تخدم العدالة، بل تهدد الثقة العامة في مؤسساتها.

ولا يعني الدفاع عن القضاء إضفاء العصمة على أحكامه أو القضاة، فالقضاء البشري يظل عملًا بشريًا قد يعتريه الخطأ، ولهذا شرعت القوانين طرق الطعن والمراجعة والتظلم، وأقامت درجات التقاضي والرقابة القضائية ضمانًا لتدارك ما قد يقع من أخطاء. لكن تصحيح الخطأ يكون من خلال القانون، لا من خلال الضغط؛ ومن داخل المؤسسات، لا من خارجها؛ وبالحجة القانونية، لا بالاتهامات والانفعالات.

إن هيبة القضاء لا تُحمى بالصمت عن الأخطاء، كما أنها لا تُصان بالتدخل في عمله، وإنما تُصان بتعزيز استقلاله، وترسيخ نزاهته، وضمان خضوع الجميع لأحكام القانون، واحترام الأحكام القضائية بعد صدورها، مع إبقاء أبواب الطعن مفتوحة وفقًا للقواعد والإجراءات المقررة قانونًا.

وفي المجتمعات التي تريد أن تبني دولة مؤسسات حقيقية، يجب أن يبقى القضاء بمنأى عن التجاذبات، لأن سقوط الثقة في القضاء يعني سقوط إحدى أهم حلقات الأمان في المجتمع. فإذا لم يجد الإنسان ملاذه في القانون، ولم يثق بأن حقه يمكن أن يصل إليه عبر منصة القضاء، فإن البديل سيكون خطيرًا: انتشار منطق القوة محل قوة القانون، وتحول الخلافات من ساحات القضاء إلى ساحات أخرى لا تحكمها قواعد العدالة ولا ضمانات القانون.

ومن هنا، فإن العبارة ليست مجرد عنوان، بل مبدأ ينبغي أن يترسخ في الوعي العام: القضاء العادل خط أحمر.
خط أحمر، ليس لأن القضاء فوق النقد أو المساءلة، وإنما لأنه فوق العبث والتدخل والضغط والتسييس. وخط أحمر، لأن استقلاله ضمانة للجميع، وهيبته ليست هيبة أشخاص، وإنما هيبة القانون. وخط أحمر، لأن العدالة إذا اهتز ميزانها، لم يعد أحد بمنأى عن آثار ذلك الاهتزاز.

إن حماية القضاء مسؤولية مشتركة؛ مسؤولية المؤسسات، ورجال القانون، والإعلام، والمجتمع، وكل فرد يدرك أن دولة القانون لا تُقاس بكثرة النصوص التي تزخر بها تشريعاتها، وإنما بمدى احترام تلك النصوص وتطبيقها على الجميع دون استثناء.

وفي النهاية، قد يختلف الناس حول حكم قضائي، وقد تتباين الآراء في تفسير نص قانوني، وقد يرى البعض أن حكمًا ما جانبه الصواب؛ وكل ذلك يمكن أن يكون محل نقاش قانوني مشروع. لكن ما لا ينبغي أن يكون محل مساومة هو استقلال القضاء، ونزاهة المحاكمة، وحق الإنسان في قضاء عادل.

فحين يكون القضاء عادلًا، يشعر الضعيف أن له سندًا، ويعلم القوي أن عليه حدودًا، وتطمئن الدولة إلى أن القانون هو المرجع، ويطمئن المجتمع إلى أن الحقوق لا تُصان بالصوت الأعلى، وإنما بالحكم الذي يستند إلى القانون والعدل.

ولهذا، فإن الدفاع عن القضاء العادل ليس دفاعًا عن مؤسسة فحسب؛ بل هو دفاع عن دولة القانون، وعن كرامة الإنسان، وعن حق كل فرد في أن يجد العدالة حين يطلبها.