
جيش أوغاريت الأخير: حين وقفت المملكة بين البحر والنار/عندما خرج صوت من ركام الإمبراطوريات
الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي سوري
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في الأزمنة التي كانت فيها الممالك تُقاس بصلابة أسوارها وبعدد الرجال القادرين على حمل السلاح دفاعاً عنها لم تكن أوغاريت مجرد مدينة مزدهرة تنشر تجارتها على أمواج المتوسط وتوزع أبجديتها على طرق العالم القديم بل كانت أيضاً مملكة تدرك أن الازدهار لا يعيش طويلاً ما لم تحرسه قوة قادرة على الذود عنه. فكما احتاجت الحقول إلى المطر احتاجت المعابد إلى القداسة احتاجت المملكة إلى جيش يحرس أبوابها ويصون حدودها ويضمن استمرار الحياة فيها.
تكشف لنا النصوص الأوغاريتية المكتشفة في القصر الملكي وفي أرشيفات الدولة أن المؤسسة العسكرية كانت ركناً أساسياً من أركان المملكة. ولم يكن الجيش الأوغاريتي تجمعاً عشوائياً للمقاتلين بل قوة منظمة تستند إلى إدارة دقيقة وقدرة على التعبئة السريعة عند الحاجة. فعندما كانت الأخطار تلوح في الأفق كان الرجال يُستدعون من مدن المملكة وقراها يحملون أسلحتهم ويقفون تحت راية الملك دفاعاً عن الأرض التي منحتهم الخبز والأمان.
وتدل الوثائق المكتشفة على تنوع العتاد العسكري الذي استخدمه الجيش الأوغاريتي. فقد عُرفت الخوذ البرونزية والدروع والتروس والرماح والسيوف والأقواس والسهام وهي الأسلحة التي شكلت عماد قوات المشاة. وكانت أصوات الحدادين الذين يصهرون المعادن ويطرقونها في الورش الملكية جزءاً من الاستعداد الدائم للحرب إذ لم تكن صناعة السلاح أقل أهمية من استخدامه في ساحة القتال.
أما العربات الحربية فكانت جوهرة القوة العسكرية في ذلك العصر. تلك المركبات الخفيفة التي تجرها الخيول وتحمل مقاتلين مهرة كانت بمنزلة الدبابات في عالم العصر البرونزي. ومن فوقها كان الرماة والمحاربون يغيرون بسرعة على مواقع العدو أو يدافعون عن خطوطهم. وقد احتلت هذه العربات مكانة مرموقة في الجيوش الشرقية القديمة ولم تكن أوغاريت استثناءً من ذلك . بل كانت جزءاً من التقليد العسكري الذي ساد بلاد الشام والأناضول ومصر خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد.
غير أن السلاح وحده لا يصنع الأمن. فالمدينة التي ازدهرت تجارتها وثروتها احتاجت أيضاً إلى منظومة دفاعية تحميها. وتشير المعطيات الأثرية إلى وجود تحصينات قوية خاصة في المنطقة الملكية الواقعة غربي المدينة. وقد كشفت أعمال التنقيب عن أجزاء من هذه الدفاعات مما يوحي بأن أوغاريت كانت محاطة بمنظومة حماية تتناسب مع مكانتها السياسية والاقتصادية. كما أن طبيعة التل الذي قامت عليه المدينة ساعدت على تعزيز قدرتها الدفاعية إذ وفرت المرتفعات رؤية واسعة للسهول والطرقات المؤدية إليها.
ولم يكن الحديث عن الأسوار والتحصينات مجرد افتراض أثري بل تؤكده إحدى أشهر الرسائل المكتشفة في أرشيف القصر الملكي وهي الرسالة التي بعث بها ملك قبرص إلى آخر ملوك أوغاريت الملك عمورابي.
ففي تلك السنوات المضطربة كان الأفق الشرقي للبحر المتوسط يضطرب على وقع أحداث غير مسبوقة وكانت أخبار الغزاة تصل تباعاً من السواحل والجزر البعيدة.
وجاء في تلك الرسالة ما يشبه صرخة تحذير أخيرة:
“أحط مدينتك بالأسوار وأدخل إليها الجنود والعربات وانتظر العدو بقدم ثابتة.”
كانت تلك الكلمات القليلة تختزن شعوراً عميقاً بالخطر القادم. لقد كان العالم القديم كله يقف على حافة انهيار كبير. الإمبراطوريات العظيمة بدأت تتصدع والطرق التجارية التي حملت الثروة لقرون أخذت تنقطع فيما كانت شعوب البحر تقترب من سواحل المشرق كعاصفة لا يعرف أحد مصدرها الحقيقي ولا حجم قوتها.
وفي تلك اللحظة الحرجة لم تتخلَّ أوغاريت عن مسؤولياتها تجاه حلفائها. فالوثائق المسمارية تشير إلى أن الملك الحثي الذي كانت بلاده نفسها تتعرض لضغوط هائلة طلب المساعدة من أوغاريت. فأرسلت المملكة ما استطاعت من معونات عسكرية ومواد تموينية بل وزودت الحلفاء بالحبوب التي كانوا بأمس الحاجة إليها. كانت أوغاريت تؤدي دورها في شبكة العلاقات الدولية التي ربطتها بجيرانها لكنها كانت في الوقت نفسه تستنزف جزءاً من قدراتها وهي تواجه أخطر تهديد عرفته في تاريخها.
ومع ذلك لم تستسلم المملكة للقدر المحتوم. فالنصوص المتأخرة تلمح إلى مقاومة شرسة أبداها الأوغاريتيون في مواجهة الغزاة. وتشير بعض الرسائل إلى تدمير موجات من الهجوم وإحراق سفن معادية كما طلبت أوغاريت من قبرص مراقبة التحركات البحرية وإبلاغها بأي أساطيل أخرى تتجه نحو سواحلها. لقد أدركت المملكة أن المعركة المقبلة ليست معركة حدود فحسب بل معركة بقاء.
لكن حجم الكارثة كان أكبر من قدرة أي دولة منفردة على مواجهتها. فالغزو الذي اجتاح شرق المتوسط لم يستهدف أوغاريت وحدها بل ضرب مدناً وممالك كثيرة من الأناضول إلى بلاد الشام. وعندما وصلت الموجة الأخيرة إلى أبواب المدينة بدا أن التاريخ نفسه يطوي صفحة كاملة من صفحات العصر البرونزي.
تخبرنا الحفريات الأثرية بالحقيقة الصامتة التي لا تكذب. فقد وُجدت طبقات سميكة من الرماد والفحم تغطي أجزاء واسعة من المدينة. وظهرت آثار الحرائق في القصر والمعابد والمنازل. وتوقفت الحياة فجأة كما لو أن الزمن انكسر في لحظة واحدة. لم تُبنَ المدينة من جديد ولم تستعد مكانتها القديمة بعد ذلك أبداً.
وهكذا انتهت أوغاريت لا لأنها كانت ضعيفة أو عاجزة عن الدفاع عن نفسها بل لأنها واجهت عاصفة تاريخية اجتاحت المنطقة بأسرها وغيرت وجه العالم القديم. لقد سقطت المملكة لكن إرثها لم يسقط معها. بقيت ألواحها الطينية محفوظة تحت الأنقاض تنتظر آلاف السنين لتروي قصتها من جديد.
واليوم وبعد ما يقارب ثلاثة آلاف ومئتي عام على ذلك الدمار العظيم ما زالت الأسئلة الكبرى مطروحة أمام الباحثين: من كانوا حقاً شعوب البحر؟ وكيف انهارت ممالك قوية خلال فترة زمنية قصيرة؟ وهل كان الغزو وحده سبب السقوط أم أن الجفاف والأزمات الاقتصادية والزلازل لعبت أدواراً موازية؟
إن أعمال التنقيب المستمرة في موقع رأس الشمرة إضافة الى الأعمال التي حصلت في موقع مينة البيضاء في سنوات سابقة..لا تزال تفتح نوافذ جديدة على ذلك الماضي البعيد. وكل رقيم جديد يُكتشف وكل سطر يُقرأ للمرة الأول..
لعل اوغاريت تطرح الاسئلة دائمآ أكثر مما تجيب .
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎







