التنمر … جرح يبدا بكلمة وقد يبقى عمرا

 ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

ربما قالها وهو يضحك…

ثم نسيها بعد دقائق.

لكنه لم يعلم أن الطفل الذي ضحكوا على شكله عاد إلى بيته، ووقف طويلًا أمام المرآة يسأل نفسه:

ما الخطأ في وجهي؟

ولم يعلم أن الشاب الذي سخروا من لهجته بدأ يتجنب الحديث أمام الآخرين.

ولا أن الموظف الذي جعلوا من وزنه أو لونه أو أصله مادةً للنكات أصبح يكره المكان الذي يذهب إليه كل صباح.

ولا أن الفتاة التي قرأت مئات التعليقات الساخرة تحت صورتها أغلقت هاتفها…

لكن الكلمات لم تُغلق معها.

فهذه هي قسوة التنمّر:

قد ينتهي الموقف عند صاحبه في لحظته، لكنه يبدأ عند ضحيته من تلك اللحظة.

«كنت أمزح»

هذه واحدة من أكثر العبارات التي يختبئ خلفها الأذى.

يسخر من أنف إنسان، أو وزنه، أو طوله، أو قصره، أو بشرته، ثم يقول:

كنت أمزح.

يقلد لهجته أمام الآخرين ويضحكون، ثم يقول:

لا تكن حساسًا.

يعيّره بفقر أسرته أو ملابسه أو مهنته أو مستواه الدراسي، فإذا رأى الحزن في وجهه قال:

نحن أصدقاء، عادي!

لكن المزاح لا يمنحنا حق إهانة الآخرين.

فالضحك لا يغيّر طبيعة الكلمة إذا كانت جارحة.

والمزحة التي تحتاج إلى إذلال إنسان حتى يضحك الآخرون ليست مزحة بريئة.

وقد سبق القرآن كل مواثيق السلوك الاجتماعي في وضع قاعدة واضحة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾
[الحجرات: 11].

ثم يقول في الآية نفسها:

﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.

كأن الآية تصف صورًا نراها اليوم في المدرسة والمجلس والعمل والهاتف.

المدرسة… حيث قد يبدأ الجرح

في المدرسة يتعلم الطفل القراءة والحساب…

لكنه يتعلم أيضًا شيئًا آخر بالغ الأهمية:

كيف يرى نفسه بين الناس.

وهنا قد تأتي كلمة واحدة لتعبث بهذه الصورة.

«سمين».

«قبيح».

«غبي».

«فقير».

أو لقب يُلصق به بسبب اسمه أو لون بشرته أو لهجته أو إعاقة لديه.

ثم يردده طالب ثانٍ وثالث، حتى لا يعود الطفل يسمع اسمه…

بل يسمع الصفة التي اخترعها الآخرون له.

وتعرّف منظمة UNESCO التنمر المدرسي بأنه سلوك عدواني غير مرغوب فيه يتسم باختلال في القوة ويتكرر أو يُحتمل أن يتكرر، وتشير إلى ارتباط العنف والتنمر في المدارس بآثار على التعلم والصحة النفسية والرفاه.

لذلك حين يقول طفل:

«لا أريد الذهاب إلى المدرسة»

لا ينبغي دائمًا أن نفترض أنه كسول.

اسألوه:

ماذا يحدث لك هناك؟

فربما كان يخاف من شيء ينتظره كل صباح.

ثم يكبر الأطفال… ولا يكبر الجميع

نظن أحيانًا أن التنمر ينتهي عند باب المدرسة.

لكنه قد يدخل معنا إلى العمل مرتديًا ثوبًا أكثر أناقة.

قد لا يضرب الموظف زميله، لكنه يسخر منه باستمرار أمام الآخرين.

يقلل من تعليمه.

يستهزئ بلهجته.

يتعمد إحراجه في الاجتماعات.

يستبعده من المجموعة.

ينشر عنه الشائعات.

أو يستخدم منصبه ليجعله يشعر كل يوم أنه أقل من الآخرين.

وقد يكون الأمر أكثر ألمًا عندما يأتي الأذى ممن يملك سلطة وظيفية على الضحية.

فالمدير يستطيع أن يصحح الخطأ…

لكنه لا يحتاج إلى كسر الإنسان حتى يصحح عمله.

والقائد يستطيع أن يطالب بالانضباط دون الإهانة، وأن ينتقد الأداء دون تحقير صاحبه.

فالعمل مكان لكسب الرزق وبناء الخبرة، وليس مكانًا يخاف الإنسان دخوله كل صباح بسبب شخص آخر.

ثم جاءت الشاشة… فأصبح التنمر يلاحقنا إلى البيت

قديمًا، ربما عاد الطفل من المدرسة فترك المتنمر خلفه.

أما اليوم فقد يعود المتنمر معه…

داخل هاتفه.

تعليق ساخر.

صورة معدلة.

مقطع يُنشر دون إذنه.

مجموعة تتبادل السخرية منه.

أو آلاف الغرباء الذين يجد كل واحد منهم أن كتابة كلمة مؤذية لا تستغرق أكثر من ثانيتين.

وهنا يصبح التنمر الإلكتروني مختلفًا؛ فالمحتوى يمكن أن ينتشر بسرعة ويبقى متاحًا، وقد يحدث في أي وقت، لا في المدرسة أو العمل وحدهما. وتوضح UNICEF أن التنمر الإلكتروني يمكن أن يترك أثرًا نفسيًا وعاطفيًا وجسديًا، وأن طلب المساعدة والتحدث إلى شخص موثوق خطوة مهمة لمواجهته.

والغريب أننا قد نكتب خلف الشاشة أشياء لا نجرؤ على قولها في وجه صاحبها.

وكأن المسافة بيننا وبين الضحية أسقطت المسؤولية عن كلماتنا.

لكن الشاشة لا تلغي الإنسان الموجود خلفها.

لا تسخر مما لم يختره صاحبه

ما ذنب إنسان في لون بشرته؟

أو ملامح وجهه؟

أو طوله؟

أو قصره؟

أو لهجته التي حملها من بيئته وأهله؟

وما ذنب طفل أن تكون أسرته فقيرة؟

لم يختر سيارة أبيه.

ولا بيت أسرته.

ولا نوع ملابسه.

ولا المبلغ الذي يستطيع والداه إنفاقه عليه.

فحين نسخر من إنسان بسبب مستوى أسرته الاجتماعي، نحن نحاسبه على حياة لم يختر بدايتها أصلًا.

بل حتى فيما يستطيع الإنسان تغييره، لا تصبح الإهانة وسيلةً للإصلاح.

فمن أراد نصح إنسان، فالنصيحة لها باب…

والإذلال باب آخر.

والمتنمر نفسه يحتاج أن نفهمه

ومع ذلك، لا يكفي أن نصف المتنمر بأنه شرير وننتهي.

بعض الأطفال يتنمرون لأنهم تعلموا أن القوة تعني إخضاع الآخرين.

وبعضهم يقلد ما يراه في البيت أو بين الأصدقاء.

وبعضهم يبحث عن القبول والضحك والانتباه.

وفهم الأسباب لا يعني تبرير السلوك.

بل يعني أن مسؤوليتنا ليست فقط أن نقول له:

توقف.

بل أن نعلمه:

لماذا يجب أن تتوقف؟

وأن نجعله يفهم أن القوة ليست أن تجعل الأضعف يبكي.

القوة أن تستطيع إيذاءه، ثم يمنعك خُلُقك من ذلك.

وأين كان المتفرجون؟

هناك شخص ثالث في قصة التنمر ننساه كثيرًا:

الذي يشاهد.

لم يقل الكلمة.

ولم يكتب التعليق.

لكنه ضحك.

أو أعاد نشر المقطع.

أو ضغط إعجابًا.

أو وقف يتفرج.

وأحيانًا يعيش المتنمر على هذا الجمهور.

فماذا لو لم يضحك أحد؟

ماذا لو قال صديق واحد:

هذا ليس مضحكًا.

ماذا لو جلس طالب إلى جوار الطفل الذي يستبعده الجميع؟

ماذا لو رفض موظف أن يشارك في السخرية من زميله؟

قد لا نستطيع دائمًا مواجهة المتنمر مباشرة، خصوصًا عندما تكون هناك مخاطر أو تفاوت في السلطة، لكن يمكننا إبلاغ من يستطيع التدخل، ودعم المتضرر، وعدم تحويل ألمه إلى مادة للتسلية.

فالصمت ليس دائمًا تنمرًا، لكنه قد يترك المتنمر يظن أن الجميع معه.

الكلمة التي نسيتها أنت

قد تقابل بعد ثلاثين سنة زميلًا درست معه في طفولتك.

تتحدثان عن المدرسة.

وفجأة يقول لك:

هل تذكر يوم قلت لي أمام الفصل كذا؟

وقد لا تتذكر أنت شيئًا.

لكنه يتذكر المكان.

والوجوه.

والضحكات.

والكلمة.

وحتى الشعور الذي أصابه عندما عاد إلى البيت.

وهنا ندرك حقيقة مؤلمة:

بعض الكلمات قصيرة في أفواهنا… طويلة جدًا في ذاكرة الآخرين.

لذلك علّموا أبناءكم ألا يكونوا سببًا في أن يكره طفل وجهه.

ولا لهجته.

ولا اسمه.

ولا أسرته.

ولا المدرسة.

وعلّموا الموظف أن اختلاف المنصب لا يعطيه حق إهانة من تحته.

وعلّموا أنفسكم قبل كتابة أي تعليق أن تسألوا:

لو كان هذا الإنسان أمامي، ولو رأيت عينيه وهو يقرأ كلمتي… هل كنت سأكتبها؟

جرح يبدأ بكلمة

لسنا مطالبين بأن نحب كل الناس.

ولا أن نتفق معهم.

ولا أن نعجب بأشكالهم وأفكارهم وطريقتهم في الحياة.

لكننا مطالبون بشيء أبسط وأعظم:

ألا نسلبهم كرامتهم.

فقد تضحك المجموعة كلها من كلمة قلتها…

بينما يعود شخص واحد إلى بيته حاملًا جرحها.

وقد تنسى أنت الموقف في اليوم التالي…

بينما يقضي هو سنوات يحاول أن يتصالح مع شيء جعلته يكرهه في نفسه.

فاحذر الكلمة التي تقولها بحثًا عن ضحكة عابرة.

واحذر التعليق الذي تكتبه لتجمع بعض الإعجابات.

واحذر أن تجعل ضعف إنسان أو شكله أو لهجته أو فقره سلّمًا تصعد عليه أمام الآخرين.

فليس كل جرح ينزف دمًا.

بعض الجروح تختبئ خلف ابتسامة، وتعيش سنوات في الذاكرة.

ولهذا، قبل أن تسخر من إنسان، تذكر:

الكلمة التي لم تستغرق منك سوى ثوانٍ لتقولها… قد يحتاج هو عمرًا كاملًا لينساها.